معالجة التلوث اللغوي أولوية قصوى في اليوم العالمي للغة العربية 18/12

الخميس, December 17, 2015
كاتب المقالة: 

جهود حثيثة ومشكورة بذلت لدمشق إبان تتويجها عاصمةً للثقافة العربية عام 2008، كتلك التي تُبذل لعروس تستعد ليوم زفافها، كي تحلوَ في عين عروسها، وفي أعين الأهل والأصدقاء المدعوين. وفي هؤلاء من يرمقها بعين لا ترى إلا السقطات والهفوات، فلا تعصمها ثياب عرسها مهما غلت أثمانها من ألسنة الناس والنقاد والفضوليين.

كذلكم هي عروسنا دمشق، ذات الحسب والنسب والتاريخ العريق، لن يغفر لها الناس الذين عرفوا نصاعة بيانها، وفصاحة لسانها، وتشبثها بعروبتها، وسبقها في جهود التعريب، وابتكار المصطلحات، واستثمار كل ما تتميز به العربية من قدرات على الاشتقاق والتوليد لاستيعاب مستجدات العصر.. لن يغفر لها هؤلاء الناس عجمة لسانها، واستهتارها بلغتها وهجنة تعابيرها، واستبدالها حروفاً غربية بحروفها، وقعودها عن استيلاد المصطلحات الجديدة من لغتها الغنية الولود، اكتفاءً بما يمطرها به الغرب منها، لياً بألسنتها، وإساءة ظن بلغتها، وكلالة وعجزاً..

ما عسى حال الناس أن يكون لو وقعت أعينهم على لافتات محلات تجارية ومطاعم وفنادق ومصانع كتبت بلغة أجنبية صرف؛ لا تربطها بالعنوان المختار لها، أي علاقة وكالةٍ لشركة، أو لعلامة تجارية أجنبية؟

ماذا لو دخل في حواري دمشق العريقة؛ ليجد من بين لافتاتها (لوكال سوبر ماركت) فوق محل تجاري عادي، ربما لا يعرف صاحبُ الدكان، فضلاً عن المارة من أهل الحي، معنى لهذا العنوان المكتوب؟!

ماذا لو قرأ على صدور الشباب أو على ظهورهم عبارات أجنبية، قد تحملها الفتاة الغِرة، غافلة عما وراءها من معانٍ فاضحة، لو وعت معانيَها لتوارت خجلاً من سوء ما حملته؟!

ماذا لو كان الزائر رجلَ أعمال عربياً قُدمت له السيرة الذاتية للمتطلعين إلى فرص عمل لديه بالإنجليزية (C.V.)  ورطنت ألسنتهم أثناء المقابلة معه بلغة هجينة، لا هي عربية ولا إنجليزية، تباهياً وتظاهراً بامتلاكهم ناصية لغة أجنبية، أصبحت في نظرهم لغة العلم والإدارة والتكنولوجيا؟!

ماذا لو أصغى إلى الشباب من أجيال الهواتف المحمولة، و (التْشات chat ) يتبادلون الأحاديث عن اهتماماتهم الفارغة، بلغة لا هي عربية ولا أجنبية، لا فصيحة ولا عامية؟!

ماذا لو قرأ اللغة الدارجة العامية على لوحات الإعلانات؛ واحتاج إلى ترجمان يترجم له من عامية البلد إلى عاميته هو؛ مستعيناً بما بقي في ذاكرته من العربية الفصحى أحياناً؛ لغة وسيطة؟!

ماذا لو وقعت عيناه على مثل ذلك في صحافة البلد، أو سمعته أذناه في إذاعة البلد أو تلفازه؟! أو اطلع على العطب الشديد الذي اعترى الكتابة العربية، فاختلطت فيها همزات الوصل بالفصل، والمقصور بالممدود، والمذكر بالمؤنث، والمربوط بالمبسوط، والمرفوع بالمنصوب؟!

وماذا؟ وماذا؟  مما طفح به الكيل من التلوث اللغوي؛ الذي ما فتئ يتفاقم حتى جعل من العربية الفصحى لغة ثانية آيلة إلى الخروج من عالم التخاطب؛ في بلدانها وبين أهلها، بعد أن كانت أيام شوقي وحافظ وأبو ريشة ونزار ملء السمع والبصر؛ تصقلها الشاعرية الفذة، ويصونها الاعتزاز بها، وينفي عنها خَبَثَها الحرصُ عليها والإيمانُ بقدسيتها وقدرتها الفائقة على الحياة والتطور، ويحولُ وعيُ المجتمع دون تحقيق المخططات المدبَّرة لوأدها وإقصائها..

لقد بلغ التلوث اللغوي حداً؛ لم تعد تنفع معه المواعظ الحسنة، ولا بد من إيلائه الأولوية القصوى لتخليص الثقافة العربية منه، قبل أن يستشري هذا التلوث فيغير من سحنتها، ويأتي على هويتها.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.