معالجة التلوث اللغوي أولوية قصوى في اليوم العالمي للغة العربية 18/12 من كل عام

الثلاثاء, December 16, 2014
كاتب المقالة: 

جهود حثيثة ومشكورة بذلت لدمشق تم عام 2008 تتويجها عاصمةً للثقافة العربية، كتلك التي تُبذل لعروس تستعد ليوم زفافها، كي تحلوَ في عين عروسها، وفي أعين الأهل والأصدقاء المدعوين. وفي هؤلاء من يرى فيها المحاسن ويغضي عن الهنات، وفيهم من يرمقها بعين لا ترى إلا السقطات والهفوات، ويتنصت على وشوشات العروس وهمساتها ويحصي عليها عثرات لسانها وزلاتها، فلا تعصمها ثياب عرسها مهما غلت أثمانها ولا كل الأصباغ والزينات والحلي التي تحلت بها، من ألسنة الناس والنقاد والفضوليين.
كذلكم هي عروسنا دمشق، ذات الحسب والنسب والتاريخ العريق، لن تجديها زينتها وزخارفها، وتعبيد شوارعها، ورصف أزقتها، وطلاء حيطانها، وتألق حدائقها نفعاً، ولن يغفر لها الناس.. الناس الذين عرفوا نصاعة بيانها، وفصاحة لسانها، وتشبثها بعروبتها، وسبقها في جهود التعريب، وابتكار المصطلحات، واستثمار كل ما تتميز به العربية من قدرات على الاشتقاق والتوليد لاستيعاب مستجدات العصر.. لن يغفر لها هؤلاء الناس عجمة لسانها، واستهتارها بلغتها وهجنة تعابيرها، واستبدالها حروفاً غربية بحروفها، وقعودها عن استيلاد المصطلحات الجديدة من لغتها الغنية الولود، اكتفاءً بما يمطرها الغرب منها، لياً بألسنتها، وإساءة ظن بلغتها، وكلالة وعجزاً..
قد ينبهر القادم إلى احتفالية دمشق عاصمة الثقافة، وهو يخترق شوارعها ويراها قد أخذت زخرفها وازينت، وينتشي بمشاهدة المسرحيات والأفلام التي أعدت لتحكي عن تاريخها وأمجادها، ولكن!!

ما عسى حاله أن يكون إذا حدثته نفسه أن يتعرف عاصمة الثقافة في صميمها؛ في مجتمعها، حيث تتصرف وتتحرك بعفوية، بعيداً عن التصنع والتكلف؟!
ماذا لو وقعت عيناه على لافتات محلات تجارية ومطاعم وفنادق ومصانع كتبت بلغة أجنبية صرف؛ لا تربطها بالعنوان المختار أي علاقة وكالةٍ لشركة، أو لعلامة تجارية أجنبية؟
ماذا لو دخل في حواري دمشق العريقة ليجد من بين لافتاتها (لوكال سوبر ماركت) فوق محل تجاري عادي، ربما لا يعرف صاحبُ الدكان، فضلاً عن المارة من أهل الحي، معنى لهذا العنوان المكتوب؟!
ماذا لو قرأ على صدور الشباب أو على ظهورهم عبارات أجنبية، قد تحملها الفتاة الغِرة، غافلة عما وراءها من معانٍ فاضحة، لو وعت معانيَها لتوارت خجلاً من سوء ما حملته؟!
ماذا لو كان الزائر رجلَ أعمال عربياً قُدمت له السيرة الذاتية للمتطلعين إلى فرص عمل لديه بالإنجليزية (C.V.) ورطنت ألسنتهم أثناء المقابلة معه بلغة هجينة، لا هي عربية ولا إنجليزية، تباهياً وتظاهراً بامتلاكهم ناصية لغة أجنبية ،أصبحت في نظرهم لغة العلم والإدارة والتكنولوجيا؟!
ماذا لو أصغى إلى أحاديث الشباب من أجيال الهواتف المحمولة، و (التْشات chat ) أعني التحادث على الإنترنت، عن أنواع السيارات الحديثة الفارهة، وثرثرات أخر؟!
ماذا لو قرأ اللغة الدارجة العامية على لوحات الإعلانات؛ التجارية منها والسياسية، واحتاج إلى ترجمان يترجم له من عامية البلد إلى عاميته هو؛ مستعيناً بما بقي في ذاكرته من العربية الفصحى أحياناً؛ لغة وسيطة؟!
ماذا لو وقعت عيناه على مثل ذلك في صحافة البلد أو سمعته أذناه في إذاعة البلد أو تلفازه؟! أو اطلع على العطب الشديد الذي اعترى الكتابة العربية، فاختلطت فيها همزات الوصل بالفصل، والمقصور بالممدود، والمذكر بالمؤنث، والمربوط بالمبسوط، والمرفوع بالمنصوب؟! فإذا بالاقتصاد والاستهلاك والادخار يراها قد أضيفت همزة إلى ألفاتها عنوة لتصبح (إقتصاداً وإستهلاكاً وإدخاراً) خلافاً للقاعدة، وإذا بسورية التي تنتهي بتاء مربوطة في (مصرف سورية المركزي) يراها قد استبدلت بها ألف ممدودة في معظم كتاباتنا الصحفية ومراسلاتنا الرسمية.. وهلم جرا.
ماذا لو أدركته صلاة الجمعة في مسجدٍ؛ غير تلك القلة من المساجد المقصودة لنصاعة بيان خطبائها ، فراح يستشيط غضباً يحاول إطفاءه بالحوقلة من هول ما يسمع من أخطاء خطيب الجمعة المفوَّه الذي يصول ويجول في شتى المواضيع، من دون أن يلقي بالاً إلى أخطائه اللغوية الفادحة التي تكاد لا تستقيم معها جملة واحدة، والتي تنقلب معها معاني بعض الألفاظ رأساً على عقب، فتجعل من الفاعل مفعولاً به، لتدخل المتّقين إلى النار وتذهب بالعاصين إلى الجنة؟!
وماذا؟ وماذا؟ مما طفح به الكيل من التلوث اللغوي الذي ما فتئ يتفاقم حتى جعل من العربية الفصحى لغة ثانية آيلة إلى الخروج من عالم التخاطب والتداول في بلدانها وبين أهلها، بعد أن كانت أيام شوقي وحافظ وأبو ريشة ونزار ملء السمع والبصر؛ تصقلها الشاعرية الفذة، ويصونها الاعتزاز بها، وينفي عنها خَبَثَها الحرصُ عليها والإيمانُ بقدسيتها وقدرتها الفائقة على الحياة والتطور ، ويحولُ وعيُ المجتمع دون تحقيق المخططات المدبَّرة لوأدها وإقصائها..
لقد بلغ التلوث اللغوي حداً؛ لم تعد تنفع معه المواعظ الحسنة، ولا بد من إيلائه الأولوية القصوى لتخليص عاصمة الثقافة العربية منه، قبل أن يستشري هذا التلوث فيغير من سحنتها،ويأتي على هويتها، فتزف إلى العالم العربي عاصمةً لثقافته بلسان غير عربي..
لقد حمل آباؤنا لغتهم العربية معهم إلى المهاجر فخورين بها، وقدموا لنا من قلب المهاجر الزاخرة بالحضارة الحديثة أدباً رفيعاً أغنوا به لغتنا، وزادوها رسوخاً، وحمل هذا الأدب اسمهم فكان (أدب المهجر)، وسيكون عاراً على هذا الجيل أن يفرِّط بلغته، مستجيباً لدعاوى مشبوهة بعجزها عن التطور أو استيعاب مصطلحات التقانة ومسايرة الحداثة. فكل حداثة ستكون مسخاً وقائمة على جُرُف هارٍ إن لم تتشبث بهويتها، وترتكز على تراثها لتقيم بنيانها على أساس متين؛ لا تهزه الأعاصير.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.