معايير صناعة كتاب الطفل العربي

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

على الرغم من الصعوبات الجمة، والشروط القاسية، والأطراف المتعددة، والأدوات المتطورة، التي يتطلبها إنتاج كتاب الطفل، وعلى الرغم من أهميته القصوى في مجتمع نامٍ تزداد نسبة أطفاله باطراد، وتزداد معها الحاجة إلى إعدادهم وتأهيلهم، فإن صناعة كتاب الطفل، لم ترق بعدُ إلى المستوى المنشود..

ولئن كان إنتاج كتاب للكبار لا يحتاج لأكثر من تدقيق لغوي، واختيار حرف ملائم، وطباعةٍ، غالباً ما تكون بلون واحد، وإخراج بسيط منمط، فإن كتاب الطفل يتوجه إلى شرائح عمرية متعددة، يحتاج كل منها إلى اختيار ما يلائمه من موضوعات وأسلوب ومفردات لغوية، وصور وأشكال وألوان وأوعية ثقافية مختلفة، وإخراجات مشوقة وأدوات مساعدة.. مما يجعل كتاب الطفل أكثر تعقيداً عشرات المرات من كتب الكبار، ويتطلب تضافر جهود أطرافٍ متعددة تضم المؤلف والرسام والمصمم والمخرج، يقودها ناشر متخصص؛ ذو رؤية واضحة، ومشروع مخطط؛ تعمل بشكل تفاعلي ؛ منهجي وتجريبي، بحيث يخرج عملها جماعياً، يحمل بصمة الجماعة التي أنتجته ، والناشر صاحب المشروع الذي ألف بينهم.

وعلى الرغم من كل هذه الجهود المضنية التي يتطلبها إنتاج كتاب الطفل، فإنه لم ينل بعد ما يستحقه من تقدير: فتأليفه ما يزال يُنظر إليه بعين الاستسهال، التي لا تدرك صعوبة تحوّل كاتب الأطفال إلى عالم الطفولة الذي تجاوزه منذ زمن بعيد. ومؤلفه ما يزال يُصَنَّفُ في الدرجة الثانية بين المؤلفين، كما لو أنه لا يملك الأدوات الكاملة للكتابة للكبار. والطفل؛ قارئه المستهدف صامت؛ لا يبدي رأياً واضحاً فيه، حتى لو أحبه، فإنه لا يذكر اسم مؤلفه ولا ناشره، ولا يكترث لجهودهما. وما تزال الكتابة للأطفال تفتقر إلى حركة نقدية تتابعها، وترصد تطورها، وتوجهها، فلا أحد من النقاد يلتفت إلى كتاب الطفل يدرسه ويقومه.

وربما جاءت فكرة الجوائز لسد هذه الثغرة الأخيرة، وامتازت من بينها جائزة الاتصالات لتوجهها إلى أطراف صناعة كتاب الطفل جميعاً وتشجيعهم، مستندة إلى معايير محددة، وخبرات مشهود لها، نتمنى أن تكون نواة لحركة نقدية واعدة. 

قليلة هي الدراسات التي عنيت بتحديد مواصفات كتاب الطفل، والمعايير التي تقاس بها  جودته.. ذلك أن الكتابة والنشر للأطفال، ما تزال حديثة في الوطن العربي، وليس لها جذور راسخة في ثقافتنا العربية، فعلى الرغم من تجذر الرواية الشفهية للأقاصيص والترقيصات والترنيمات التي تقدم للأطفال قبل النوم، والتي أصبحت جزءاً من تراثنا الشعبي، لا ينسب لمؤلف أو كاتب، فإن أدبنا العربي القديم لم يفرد للأطفال أدباً خاصاً بهم، وإنما قدم لنا- بلغة الكبار- عدداً من الوصايا والنصائح التربوية؛ بعضها أفرد له كتاباً مثل  كتاب ( أيها الولد) للإمام الغزالي. وإبان ازدهار حضارتنا في العصر العباسي ظهر كتاب يمكن اعتباره للأطفال، إلى جانب الكبار، هو: (كليلة ودمنة) الذي نقله ابن المقفع عن الهندية، وهو كتاب مشوِّق يقدم الحكم الكبيرة على ألسنة الحيوانات.

وفي بداية عصر النهضة في القرن المنصرم ظهرت بواكير أدب أطفال جاد، على يد أحمد شوقي الذي صاغ حكايات لافونتين الفرنسي شعراً محبباً للأطفال، تبعه كامل الكيلاني الذي حاول أن يقدم المعلومات المتداولة في عصره للطفل العربي بلغة صعبة بعض الشيء كانت تضطره  لشرح كلماتها في الهامش، فكان كلاهما رائدين من رواد أدب الأطفال العربي. ومع ظهور سليمان العيسى شاعراً وجه معظم شعره للأطفال، وعبد التواب يوسف الذي توجه بأدبه إليهم، وزكريا تامر الذي آثر أن يطرح أسئلة العصر الصعبة على الأطفال مقتنعاً بأنهم الأقدر على فهمها، أمكن أن نؤرخ لظهور أدب عربي خاص بالأطفال بوصفه جنساً أدبياً مميزاً؛ له كتّابه المتخصصون به، الذين فاقت شهرتهم  شهرة أقرانهم من الكتّاب للكبار، وله تنوعاته الموازية لأدب الكبار، وله ناشروه الذين توجهوا إليه جزئياً أو تفرغوا له كلياً، وله أهميته التي استدرجت إليه بعض كبار الأدباء والمفكرين؛ أمثال علي الطنطاوي وعبد الوهاب المسيري، فخصصوا له جزءاً من نتاجهم، وله أدواته وخصائصه التي تميزه كلياً عن عالم الكبار..

إلا أن الرحلة القصيرة التي قطعها أدب الأطفال العربي منذ أواسط القرن الماضي، لم تمكنه من إرساء قواعد، وتحديد معايير جَوْدة خاصة به بعدُ، بالمقارنة مع أدب الأطفال الغربي الذي استخلص معاييره عبر تجربة امتدت أكثر من قرنين من الزمان.. وعلى الرغم من استقرار معايير أدب الأطفال في الغرب، فإن المجال يبقى مفتوحاً لتميز الكاتب، أو الناشر أحياناً، فتكون لكل منهما معاييره  الخاصة التي يتجاوز بها المعايير المتداولة، وما خبر هاري بوتر، ونجاحها الأسطوري، على الرغم من عودتها إلى عالم السحر والخوارق، ببعيد.

لدينا رزمة من المعايير، تتصل بالأهداف تارة، وبالوسائل أخرى، يمكن دمجها وتقديمها من خلال الأسئلة الكبرى المتعارف عليها:

1-لماذا كتاب الطفل؟

1-لبناء جيل قارئ: يلوب على الكتاب لتغذية عقله أكثر مما  يلوب على الرغيف لتغذية معدته.

2-لتحرير الجيل من عقد القمع والمنع والوصاية وسائر القيود التي فقدت مسوغاتها مع الانفجار المعرفي الراهن، وإطلاق طاقاته.

3-لتقوية جهاز المناعة الفكري لدى الطفل، بحيث يشكل طوق نجاة له في خضم طوفان المعلومات الذي يحيط به، يمكنه من مدافعة أمواجه العاتية.

4- لترسيخ القيم الإنسانية الكبرى في ضمير الطفل، حتى يتعلق بها ويكيف سلوكه معها، مما يزخر بها تراثنا الديني عامة والإسلامي خاصة، كقيم العدل والمساواة والحرية والحق والخير، وهي قيم إنسانية مطلقة لا تقبل الازدواج ولا التمييز ?وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ? [المائدة 5/8]. خلافاً لما تمارسه الحضارة الغربية من تمييز وكيل بمكيالين..

5- لتنمية الوعي بالخصوصيات الثقافية، والتراث القومي والوطني، بوصفها رافداً من روافد الحضارة الإنسانية في عصر العولمة؛ يسهم في تقدمها، ويتفاعل معها.

6- لترسيخ مفاهيم التعدد، وقبول الآخر، وحقه في الاختلاف؛ وسيلة من وسائل الكشف عن الحقيقة التي وزعها الخالق بين البشر، لا تُكتشف إلا بالحوار ?وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ?[ الحجرات49/13]. ?وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ? [ الروم 30/22].

7- لتشجيع أطفالنا على التفوق وتجاوز معارف الآباء، وإضافة لبنات جديدة في البناء المعرفي الإنساني، بوصف ذلك سنة من سنن التقدم والارتقاء؛ أن يكون جيل الأبناء أغزر علماً وأكثر تقدماً من جيل الآباء، فيكون مثل القزم الذي يقف على كتفي العملاق، فيرى أبعد مما يراه العملاق ويردد على مسامعه قولة إبراهيم لأبيه ?يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً? [ مريم 19/43].

8- لإذكاء روح البحث وحب الاطلاع والتساؤل لديه: بدفعه إلى المطالعة خارج المقررات المدرسية، التي تثير لديه التساؤلات، وتدفعه إلى المزيد من القراءة للإجابة عنها.

9-لتنمية الرصيد اللغوي لدى الطفل، وترميم الفجوة اللغوية بين الفصحى العربية المشتركة، والعاميات العربية المتعددة، فإن مصير الشعوب رهن بمصير لغتها القومية الواحدة.

10- لتوسيع مدارك الطفل خارج حدود الزمان والمكان والمألوف، وهي الأطر التي لا يطيق الانحصار فيها، ويتوق دائماً لتجاوزها ممتطياً أجنحة الخيال، يجوب بها أرجاء الكون والزمن بشقيه الماضي السحيق والمستقبل البعيد.   

2-كيف يمكن أن نحقق الأهداف:

1-التشويق:  فلا بد أن يكون كتاب الطفل جذاباً، يشد الطفل إليه، ويغريه بالإقبال عليه.

 2-الشخصية: فالطفل تستهويه الشخصية التي تكون أبعد من الواقع، وخارج أطر اللحم والدم والشكل المألوف وابتكار هذه الشخصية هي أكبر التحديات التي تواجه كلاً من الكاتب والرسام للأطفال.  

3- التدرج بالمعلومات بحسب الفئات العمرية، فلا يعطى الطفل جرعات أكبر من سنه يعسر عليه فهمها.

4- التبسيط: فهو فن عظيم له مناهجه وأساليبه التي تقرب المفاهيم الكبيرة للصغار، فتبذر بذورها في أذهانهم، لتربو وتنمو معهم.

5-التنويع: فالطفل يكره الرتابة، ويمل التكرار.

6-التلوين: فللطفل ألوانه المحببة، وذوقه الخاص الذي يجب أن نكتشفه.

7-التخطيط: فلتضع أهدافك مسبقاً، ولتختر السبل الملائمة لتحقيقها.

8-التفاعل والمشاركة: ولنجعل في كتاب الطفل شيئاً ما له، حتى لا يكون متلقياً فحسب، بل مشاركاً؛ يتساءل فيبحث ويستنتج ويجيب.

9- التصنيف: ولنرتب ما نقدمه للطفل ليكون حلقات في سلاسل يأخذ بعضها برقاب بعض.

10- التجريب: لا تنسَ أنك تكتب لجيل غير جيلك؛ أذواقه تختلف عن أذواقك، حاول أن تجرب ما كتبته على مجموعة من الشريحة العمرية التي كتبت لها، ولا حظ بدقة ردود أفعالهم، وعدِّل ما كتبته على ضوء ما لاحظته.     

3- ماذا نكتب للأطفال (الموضوعات)؟

ليس لموضوعات الطفولة حدود. الطفل يتساءل عن كل شيء، وعلينا أن نقدم له أجوبتنا عن كل شيء.علينا أن نقدم له بدايات العلوم ومستجداتها لكيلا تكون المستجدات منبتة عن جذورها، فمن لا يعرف البذرة لا يدرك كنه الثمرة، ولا يستطيع الإنسان ارتياد آفاق المستقبل إلا بمقدار ما يوغل في البحث عن الماضي شبراً بشبر وذراعاً بذراع.هكذا ينبغي أن نقدم له كل صنوف المعرفة بدءاً بالمعارف العامة والفلسفة والدين والتربية والاجتماع واللغات والعلوم والفنون والآداب والتاريخ والجغرافية..نقدمها له بما يتلاءم مع مداركه، ويناسب سنه.

4- أوعية كتاب الطفلتتنوع أوعية كتاب الطفل بين الكتاب الورقي التقليدي، والأوعية المصنعة؛ من اللدائن، والأقمشة، والأخشاب، والأوعية السمعبصرية والحاسوبية، وشابكات الإنترنت. وتتراوح أنواع الورق وسماكاته حتى تصل إلى الورق المقوى السميك (الكرتون).

5-الأنواع الأدبية لكتاب الطفل

يقبل كتاب الطفل جميع الأنواع الأدبية المعروفة لكتب الكبار ويتجاوزها، فيمكن تقديمه له بالشعر، والقصة، والرواية، والمسرحية، والحكاية، والحوار، والسيرة الذاتية، والتمارين، والألغاز، والأحاجي، والمسابقات، والكلمات المتقاطعة، والألعاب ودفاتر الخط والرسم والتلوين.

6-الشرائح العمرية لكتاب الطفل

ثمة مناهج منوعة لتصنيف الشرائح العمرية لكتاب الطفل. البعض يختزلها في ثلاث: تحت الخامسة، بين الخامسة والعاشرة، فوق العاشرة. والبعض يجعلها خمساً: للأطفال 5-7، وللشداة 8-9، وللناشئة 10-12، ولليافعين 13-15، وللشباب 16-18.

وآخرون يذهبون بها إلى ثمانية: يبدؤون بها من المهد، ويجعلون لكل سنتين شريحة. وأخيراً، فكل ما سبق ذكره من معايير، ربما يكون قد فات أوانه، في مرحلة التحول الراهنة التي نجتاز فيها واحداً من أهم التحولات الكبرى، الذي تنتقل فيه البشرية، من عصر الصناعة بكل منطلقاته ومعاييره وعاداته ومسلماته، إلى عصر المعرفة بكل متطلباته ومستلزماته.. وشأن كل التحولات الكبرى التي اجتازتها البشرية من عصور الصيد، إلى الرعي، إلى الزراعة، إلى الصناعة، فإن كلاً منها يذهب بالكثير من هذه المسلمات والعادات وأنماط العيش، وربما ذهب ببعض المهن لتصبح في عداد المهن المنقرضة..

وهو ما يحتاج إلى دراسة مستقبلية مستفيضة، أدعو إليها قبل أن تفاجئنا المتغيرات، فتخل بتوازننا، وتلقي بنا بعيداً على هامش المنعطف.. 

محمد عدنان سالم

رئيس الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال

8/11/2009

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة