معرض القاهرة للكتاب في دورته الـ 49: واسيني الأعرج يسرد التاريخ روائياً ويكتب حكاية مي زيادة

السبت, February 3, 2018
كاتب المقالة: 

ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 49 والمستمرة حتى العاشر من فبراير/شباط الحالي، أقام الروائي الجزائري واسيني الأعرج ندوتين بينهما الكثير المشترك، حيث الحدث الوقائعي أو التاريخي وكيفية تناوله روائياً. وإن كانت الندوة الأولى تتعرض لإشكالية الرواية التاريخية، والثانية تتعرض لرواية الأعرج الأخيرة «ليالي إيزيس كوبيا .. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، التي تتناول حياة الأديبة اللبنانية مي زيادة، خاصة مرحلتها الأخيرة، التي انتهت في مستشفى للأمراض العقلية.

الرواية والتاريخ

«إشكالية الرواية التاريخية» هو عنوان الندوة التي حاضر فيها كل من الناقدين المصريين أحمد مجاهد وحسين حمودة، وبينهما واسيني الأعرج. حيث أشار مجاهد بداية إلى أن الرواية التاريخية تعتبر أكثر صدقاً وتأثيراً في المتلقي، ومن خلال طرح تساؤل من قبيل.. هل يوجد تاريخ حقيقي؟ لتأتي الإجابة، أن التاريخ كما هو معهود في عالمنا لا يكتبه إلا المنتصر دوماً. وما المؤرخ إلا شخص يدّعي الموضوعية، أما الروائي فينطلق من إبداع ذاتي، لذلك ربما تكون الرواية التاريخية أكثر صدقاً وتأثيراً.
من جانبه يضيف حسين حمودة، أن العلاقة بين الرواية والتاريخ علاقة إشكالية بطبيعتها، والقضايا التي تطرحها تدعو لمناقشتها، فبعضها يعتمد وجهات النظر المختلفة حول فكرة الحقيقة التاريخية والروائية، إضافة إلى أن الروائي ليس ملزماً بصياغة حقائق التاريخ، كما صاغها المؤرخون، فهو يستكمل ما لم يستكمله أو يكتبه المؤرخ، فله الحق في الحذف والتعديل والتغيير، مما كُتب في التاريخ، لأنه يصوغ حقيقته الخاصة، وبذلك نجد كل كاتب روائي يؤول التاريخ من منظوره ووعيه، وحين يطل على حقبة تاريخية بعينها، فهو يطل من زاويته وهمومه الخاصة، فالتاريخ الأجمل دوماً هو الذي كتبه المؤرخون الذين يمتلكون حساً روائياً.

وهم إعادة التاريخ

وتأتي مداخلة واسيني الأعرج، موضحاً أن مَن يكتب رواية تاريخية يجب ألا يعيد إنتاج التاريخ. وأضاف الأعرج أن الرواية التاريخية من ناحية الاصطلاح تقع في إشكالية التخصص، ولكن تلك الإشكالية يمكن حلها من خلال الرواية، فداخل منظومة الرواية لا يقتصر الأمر على التاريخ فقط، وإنما هناك عالم السرد والبناء اللغوي. وهذا الشكل الروائي إما أن يعتمد الشخصية أو الحدث، والحرية الروائية محدودة في حال الشخصية، أما الحدث فللكاتب الحرية الأكبر، وفي جميع الأحوال لا يكون الكاتب مُجبراً على توضيح أسباب اختياره لشخصية أو حدث بعينه للكتابة من خلاله. أما عن كتابة التاريخ، فيذكر الأعرج أن التاريخ يكتبه المنتصرون دائما، فلم نسمع عن روايات تاريخية للمنهزمين، حتى تاريخ الحرب العالمية الثانية، كتبته دول الحلفاء، في ما تحاول ألمانيا حالياً توثيق تاريخها في الحرب من خلال موقعها الحالي كدولة قوية، تكتب تاريخها عندما كانت منهزمة في فترة سابقة.

حكاية إيزيس كوبيا

«أخيراً دوّنتك يا همّ قلبي وجرحه، إلى أين أهرب بهذا الخوف الذي سيضيف لي رعباً جديداً؟ تحدثت فيه عن علاقاتي السوية، وحتى غير السوية، مع محيطي، عن الناس الذين عرفتهم وعرفوني، عن الذين أحببتهم، والذين ركضوا ورائي باشتهاء، عرفته من عيونهم، حكيت عن الذين زجّوا بي في دهاليز الجنون، وجعلوا من العصفورية سجناً يموت فيه الناس بصمت. حتى النفَس الأخير، قلت بعض ما أحرقني، وحوّلني إلى رماد، في ثانية واحدة». (من رواية إيزيس كوبيا). عن حكاية (مي زيادة 1886 ــ 1941)، أو إيزيس كوبيا ــ الاسم المستعار لمي زيادة عند إصدارها ديوانها الأول «زهرات حلم» عام 1911 ــ تناول واسيني الأعرج حكايته مع مي زيادة في ندوة ناقشت عمله الروائي الأخير «ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، التي أدارها الناقد شعبان يوسف، وكل من نانسي إبراهيم وسماح عزت.

كيف حدث ما حدث؟

أشار واسيني الأعرج إلى أن هناك العديد من الأسئلة كانت حافزه لإنجاز هذا العمل، فكيف تم احتجاز مي زيادة في العصفورية؟ وكيف تخلى عنها الأدباء المصريون الذين التفوا حولها في مصر.. العقاد وطه حسين والرافعي؟ كيف لم يدافع عنها واحد من هؤلاء الكبار حين تم الزج بها في مستشفى المجانين؟ وكيف كتب عنها سلامة موسى في كتابه أنها كانت مجنونة تسير متسخة في شوارع القاهرة؟
ويضيف الأعرج أنه عاش تفاصيل شخصيات حياة مي زيادة لمدة ثلاث سنوات قبل البدء في الكتابة، وخلال تلك الفترة زار منزلها وقبرها في مصر، ثم تواصل مع بعض الفلسطينيين في مدينة الناصرة لزيارة منزلها الذي ولدت به.

عشاق كثيرون وعاشقة وحيدة

يحكي الأعرج حكايات كثيرة وتأويلات أكثر عن عشاق مي زيادة، فيذكر قائلاً.. «قرأت جميع رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران، فلم أجد بينهما أي علاقة حب مثالية، وإنما وجدت علاقة صداقة فقط، فجبران كانت عنده قافلة نساء يعشقنه، ولم يكن يحتاج إلى مي زيادة كحبيبة وعشيقة، وكانت مي تحترم فيه الكاتب فقط … أما عباس محمود العقاد، وكان يعشقها، وكلما حاول إتمام حالة عشقه هذه ــ إقامة علاقة كاملة ــ رفضت مي وتمنعت، مؤكدة له أن تلك الأمور حرام، وأن الله سيعاقبهما إن تماديا في ذلك». ويضيف، أن الأمر يتعلق بتفاصيل المرحلة الأخيرة في حياة مي زيادة، التي بدأت بوفاة والديها، ثم طمع أهلها في الميراث، خاصة أنها الوريثة الوحيدة، ثم قيام ابن عمها جوزيف زيادة ــ الذي أحبته ــ بإدخالها مستشفى المجانين، وسفره بعد ذلك إلى باريس وزواجه من امرأة أخرى. فالرواية في الأخير تتناول إطاراً أعم وأشمل يتمثل في أن الذكورة العربية ذكورة مهزومة بالكلية، مشيراً إلى أن دخول الأديبة مي زيادة مستشفى الأمراض العقلية معناه أن هناك خطأ كبيرا حدث.

 
المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: