معرض منظمة «آمال» للأطفال المعاقين في دمشق: الفن كأداة لتجاوز الصعوبات الجسدية والنفسية

السبت, July 7, 2018
كاتب المقالة: 

زينة شهلا: استضافت غرف غاليري قزح في منطقة باب شرقي في العاصمة السورية دمشق على مدار الأسبوع الفائت عشرات اللوحات والمنحوتات التي رسمتها وشكّلتها أنامل أطفال منظمة «آمال» وهي المنظمة السورية للأشخاص المعاقين.

أكثر من خمسين عملاً فنياً هي حصيلة سنوات من الجهد المبذول مع أطفال يعانون من مشاكل سمعية أو من مرض التوحد زيّنت جدران صالة العرض على شكل مجموعات تتحدث كل منها عن فكرة معينة، وتخبرنا ككل عن عمل جماعي استغرق شهوراً طويلة وجهوداً جبارة من الأطفال ومدرّسيهم والمشرفين عليهم وعلى عمل المنظمة بالمجمل. 
لوحات زيتية ومنحوتات تحاكي الطبيعة والوجوه بألوان تضجّ بالحياة والحيوية، وتعبّر عن أحاسيس وأفكار أطفال حُرموا من بعض القدرات الجسدية، لكنّهم وجدوا تعويضاً عنها في قدرات وأدوات حسية وفنية أكثر أهمية لا بل وأبلغ تعبيراً في بعض الأحيان، بفضل ما يتلقونه من تعليم وتدريب خلال سنوات تواجدهم ضمن مراكز عمل المنظمة.
و»آمال» هي منظمة أهلية غير ربحية تأسست في سوريا عام 2002 بهدف تحسين حياة الأشخاص المعاقين من خلال العلاج وإعادة التأهيل والدمج في المجتمع بالشكل الصحيح وذلك في مركزيها الرئيسيين: مركز تأهيل الأطفال ذوي الإعاقة السمعية ومركز لأطفال التوحد.

حصيلة معارض سابقة

الفنانة روناك أحمد تحدثت لـ «القدس العربي» عن عملها كمدربة للفنون في منظمة «آمال» منذ حوالي خمس سنوات والذي أثمر في النهاية عن معرض مزاج كحصيلة لثلاث معارض سابقة شارك فيها عشرات الأطفال كجزء من الخدمات المساندة التي تقدم لهم وهي الفنون والرياضة والدراما والموسيقا، إلى جانب العلاج الفيزيائي والعلاج النفسي الحركي حسب حالة كل طفل.
بداية عمل روناك (33 عاماً) مع الأطفال كانت بتنفيذ معرض مشترك لأطفال «آمال» مع أطفال آخرين في الفئة العمرية نفسها تضمن مجموعة من اللوحات البسيطة التي رسمها أكثر من تسعين طفلاً. تطور العمل خلال السنوات التالية لإقامة ثلاثة معارض خلال العامين 2016 و2017 تحت عناوين «هنا التقينا» و«رحيل» و«صدع» على التوالي، ليأتي معرض «مزاج» الأخير تتويجاً لها، بعد مئات الجلسات الفنية التي خضع لها الأطفال ليتعلموا مختلف التقنيات اللازمة ومن ثم يوظفوها في إنتاج أعمالهم الفنية.
«عند التحضير للمعرض الأول قررنا التركيز على الذائقة البصرية للأطفال عوضاً عن الأغراض الجامدة الموجودة حولنا، وهو ما دفعنا لاختيار أحد عشر عملاً للفنان السوري الراحل نذير إسماعيل تظهر فيها شخوص قريبة من قلوب الأطفال مما يمكّنهم من الإحساس بها بسهولة». توضح الفنانة المتخرجة من كلية الفنون الجميلة باختصاص النحت وتضيف: «بذلك عرضنا أولى لوحاتنا في يوم المعاق العالمي في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 لتكون الفعالية بمثابة تحية للفنان إسماعيل».
المعرض الثاني جاء بمناسبة تخرج الأطفال في صيف العام 2017، حيث استفادوا من زيارتهم لإحدى المناحل واطلاعهم على كيفية إنتاج العسل بشكل مباشر، ليقوم ثلاثة عشر طفلاً برسم لوحات أزهار مستوحاة من هذه التجربة التي تعتبر جزءاً من علاجهم بتعريضهم لخبرات حية وحقيقية. أما المعرض الثالث وأيضاً لمناسبة يوم المعاق العالمي 2017 فكان مشابهاً للأول وبالتعاون مع الفنان فؤاد أبو عساف.
تؤكد روناك بأن قيمة الأعمال المعروضة ليست فنية بقدر أهميتها في التعبير عن أمزجة الأطفال المختلفة ومحاولة تغيير الصورة النمطية عنهم لدى العالم الخارجي، «وأضيف لذلك تنمية ثقة الأطفال بأنفسهم وثقة عائلاتهم والمجتمع بهم، وإتاحة الفن لهم كخيار يمكن أن يتجهوا إليه في المستقبل في حال رغبتهم وأيضاً حصولهم على الدعم اللازم».

تقنية العمل مع الأطفال

لا يبدو عمل روناك وكل المشرفين على الأطفال في مركز «آمال» بأنه مهمة سهلة، فإنتاج هذه اللوحات تطلب شهوراً من تدريب الأطفال على مستويات عدة، كالأصابع وعضلات اليدين لإتقان الحركات الدقيقة واكتساب المرونة، والتنسيق البصري الحركي للتمكن من تجسيد ما يراه الطفل على لوحة فنية. ودون شك يعتبر هذا العمل تحدياً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار غياب كثير من المفاهيم عن هؤلاء الأطفال نتيجة وضعهم الخاص، ما يتطلب جهداً مضاعفاً لتعويضهم عما فاتهم واللحاق بأقرانهم ممن هم في المرحلة العمرية نفسها. 
التحدي الأصعب كما تقول روناك هو اكتساب ثقة الأطفال وتبادل الحب والإيمان بقدرة كل طرف على تقديم الأفضل للطرف الآخر، وخلق الروابط التي تتيح إمكانية التواصل الجيد للوصول إلى نتيجة مرضية للطرفين. وهذه النتيجة هي تمكين الأطفال من امتلاك أدوات مادية كالريشة والألوان والمعجون، والأهم تلك الأدوات المعنوية والفكرية التي يستطيعون من خلالها فهم الألوان والأشكال والكتل ومن ثم توزيعها على كامل اللوحة بالشكل الصحيح، وهذا ما كان واضحاً في اليوم الأول لمعرض مزاج، حيث قام ثلاثة من أطفال مراكز «آمال» وبكل ثقة بالرسم بشكل مباشر أمام الحضور من دون مساعدة، وهو الأثر الأفضل حتى اليوم كما يقول القائمون على المعرض. 
تقول روناك أحمد: «نطمح لأن يصبح الفن خياراً وسبيلاً وشكلاً للحياة لأطفال مراكزنا، وأن يصبح لديهم الدافع للعمل بشكل مستمر وبكل متعة وسعادة وصولاً لنتيجة ترضيهم. عندما نرى الثقة التي منحها هذا الفن لهم ولعائلاتهم ومحيطهم نعلم بأننا على الطريق الصحيح. واجبنا أن نعطيهم الأدوات، ولهم حرية الخيارات بعد ذلك، وما نأمله حقاً هو أن نترك فيهم أثراً مستداماً».

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.