مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية

الخميس, December 24, 2015
كاتب المقالة: 

لابد من الاعتراف بأن موضوع(الآخر) هو من الموضوعات المثارة اليوم على الساحة الفكرية والثقافية والسياسية بقوة لعدة اسباب وأهمها:

دعوة صموئيل هنتينغون إلى صدام الحضارات وفوكو ياما إلى نهاية التاريخ، وكذلك تفشي ظاهرة الإرهاب العالمية التي دعت معظم المفكرين وأصحاب القرار إلى إعادة التفكير في من هو الآخر؟ وهل هو الآخر الديني؟ أم العرقي؟ أم الجنسي؟ وهل الجحيم هو الآخر على حد قول الفيلسوف جان بول سارتر؟ ثم ما هو موقف الاديان من هذا الآخر؟ تساؤلات عديدة تدور حول مفهوم الآخر،وهناك من ينادي بنفي الآخر، وهنالك من ينادي بقبوله كما هو، وثالث ينادي بقبوله واحتضانه مع تحفظات، الإسلام يدعو إلى قبول الآخر، والتحاور معه والتعاون معاً لبناء حضارة انسانية راقية ومتطورة لكن ما هي رؤية أبناء الديانات اليهودية والمسيحية بطوائفها الاساسية لمفهوم الآخر؟ هل يتحاورون فيما بينهم أم يتنابذون؟ لماذا التأكيد على حوار الأديان في هذه الأيام؟.. اسئلة طرحت في كتاب«مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية» وحاول الإجابة عنها مجموعة من المفكرين ورجالات الدين(الدكتورة رقية العلواني، الأب الدكتور كريستيان فانسين، الاستاذ سمير مرقص، والقس اكرام ألمعي). ‏

ترصد بداية الدكتورة رقية العلواني مفهوم الآخر لدى الجماعات اليهودية الحديثة من خلال تطور نظرة هذه الجماعات إلى الآخر عبر سرد تحليل النصوص الواردة لديهم في كتبهم المقدسة، والآثار الظرفية التاريخية والنصوص المقدسة في تشكل ذلك المفهوم عبر التاريخ، فأشارت إلى حركة التنوير والتحديث وأثرها في الجماعات اليهودية وأزمة المعاناة التاريخية التي عانى منها اليهود في الشتات في العصر الحديث، وصولاً إلى إنشاء دولة اسرائيل عام 1948م، وخلال هذه المراحل المختلفة تشكلت صورة نمطية لدى معظم الجماعات اليهودية للآخر إنه عدو شرير، وتستند تلك النظرة إلى اسس تلمودية وبُعدٍ تراثي قديم لايزال يراه الكثير من اليهود مقدساً أوعلى الأقل ذا خصوصية كما تستند تلك النظرة إلى طبيعة الظرفية التاريخية والاجتماعية التي عانى منها اليهود مما اسهم في خلق نظرة نمطية للآخر ليست وقفاً على الأفراد بل إنها تتموضع في مسرى التاريخ وتحكم العلاقات الفكرية والاجتماعية والسياسية وغيرها لدى الجماعات، وإن تباينت واختلفت فيما بينها إلا أنه أخطر ما في ذلك التوجه هو محاولته تغليف تلك الأفكار العنصرية واللهجة العدائية تجاه«الآخر» بمزاعم دينية، وإلصاقها بنصوص يدعى أنها مقدسة في محاولة لاسقاطها على الواقع والحاضر، وقد اسهمت تلك الممارسات في جعل النظرة الصهيونية للآخر نمطاً سلوكياً يكاد أن يكون كامناً في صميم الشخصية الصهيونية وبنيتها الاساسية تجاه الآخر الذي لاترى فيه إلا عدواً شريراً.

في حين تناول الأب كريستيان فانسين» مفهوم الآخر في الرؤية المسيحية مشيراً إلى أن الاساس المشترك بين الكنائس في رؤيتها للآخر، للعلاقة معه هي واحدة، ونابعة من الكتاب المقدس، ومن أساسيات الدين المسيحي حيث إن الإيمان المسيحي يجد في الغيرية، وفي العلاقة بالآخر حقيقة اساسية للإيمان وتتحدد العلاقة مع الآخر في المسيحية الكاثوليكية حسب المجتمع الفاتيكاني في أعمق تحقيق من الإنسان لذاته، والتي تعتمد كل الاعتماد على علاقته بالله الذي هو في ذاته محبة واساس ومصدر لكل العلاقات الحقة بالآخر على كونها محبة، والمحبة وحدها أقوى من الموت ومن جيمع قوات الموت. ‏

ويرى«سمير مرقص» مفهوم الآخر في المسيحية المصرية الارثوذكسية أكثر ديناميكية وتفاعلاً وهذا عائد إلى القدرة الحضارية المصرية للاستيعاب حيث اتاحت للمركب الحضاري أن يتجدد فلا تصبح الهوية ساكنة من جهة وكذلك تصبح الذات الحضارية مركبة التكوين من جهة أخرى، ولعل هذه الخصوصية قد استطاعت ان تستقبل ما وفد إليها من ثقافات وأديان شكلت خبرة متميزة. ‏

أنتجت رؤية مصرية مسيحية فيما يتعلق بالآخر، ثم مسيحية اسلامية بعد دخول الاسلام إلى مصر، ويبدو ان الفهم الارثوذكسي للآخر قد تجاوز ما هو(مفهومي) إلى (الممارسة الحية) من خلال الاختبار العملي في التفاعل على الأرض الواقع مع الآخر. ‏

فالوجود يعني التواصل والحياة بالنسبة إلى الذات تعني الانخراط في علاقة مع الآخر، أما الدكتور القس« اكرام إلمعي» فإنه يستعرض مفهوم الاخر في المسيحية الانجيلية البروتستانتينية بادئاً بتعريف المصطلحات الاساسية مع تقديم شرح لأهم المدارس في التغيير الفكري المسيحي ثم عرف المدرسة البروتستانتية مبيناً مبادئ فهمها الخاص لنصوص الكتاب المقدس وتطور الفكر المسيحي الإنجيلي نحو الآخر منذ ظهور حركة الاصلاح في القرن السادس عشر حتى الآن، عارضاً لآراء الاصلاحيين وموقفهم من الآخر، فهم يؤمنون أن الله خلق الناس جميعاً من أصل واحد، وهم متساوون مهما اختلفوا في الجنس أو اللون أو الدين، وحيث انهم ابناء الله بالخلق، فهم إخوة لذلك يقبلونهم كما هم وإن اختلفوا عنهم، والإنجيلية تؤمن ان يسوع المسيح قد جاء للبشر جميعاً، وقد مات لأجل الانسانية جمعاء، وذلك كي يحررهم من خطاياهم وهكذا هم يقبلون الآخر مهما كان اختلافه ومستعدون لخدمته والموت من أجله لتحقيق العدالة، وقد جاء في قانون إيمان انجيلي مصري« نحن نقبل كل انسان مصري أو عربي مهما كان انتماؤه وننصهر معاً في آلام وأمال الوطن، لأننا نتشارك في الوطن الواحد، إذ إن قضايانا الوطنية المشتركة أكثر بكثير من قضايانا المشتركة مع مسيحيي العالم، ونقبل ايضاً الانسان على إطلاقه على قاعدتي لاهوت الخلق ولاهوت الفداء». ‏

الكتاب: مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية ‏

المؤلف: مجموعة من الباحثين ‏

الناشر: دار الفكر/دمشق

 

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.