مناسكُ الحج جميعها تؤكد للحاج وحدة الرسالات السماوية

السبت, August 22, 2015
كاتب المقالة: 

من كتاب وللحج مقاصد .. لو نجتهد لتلبيتها..

 السعيُ بين الصفا والمروة، والطواف بالبيت العتيق، واستلام الحجر الأسود، ومقامُ إبراهيم، وحِجر إسماعيل، وعرفة، ومزدلفة، ومنى، وجمعُ الحصى، ورمي الجمار، وعيد الأضحى الذي يمثل احتفال التخرج لدفعة جديدة من الحجاج حملة الرسالة.. كل أولئك يُذكره بأنبياء الله ورسالاتهم، لا يفرق بين أحد منهم بدءاً بأبيهم إبراهيم وانتهاء بخاتمهم محمد بن عبد الله الذي جمعت رسالته الخاتمة الرسالات كلها، وتوحدت بها الأديان كلها.

لا أعرف أمة في الدنيا،ولا ديانة، ولا مذهباً، اجتمع لها من الرموز الفكرية العميقة والمبادئ الإنسانية الشاملة، على صعيد واحد وفي مدرسة واحدة، خلال فترة قصيرة واحدة، مثل الذي يجتمع للمسلمين في موسم الحج.

لا أعرف موسماً متجدداً أبقى في تاريخ البشرية وأكثر قدرة على الاستمرار والتجدد والتطور والنماء والعطاء والشمول الإنساني كموسم الحج..

مَن مِن الأمم مجَّد الأمومة، كما مجَّدها الإسلام في السعي بين الصفا والمروة، مخلداً ذكرى لوْبَةِ هاجر بينهما بحثاً عن قطرة ماءٍ لرضيعها إسماعيل، فانبجست لأم إسماعيل (زمزم) نبعاً غزيراً لا ينضب، يسقي الملايين من الحجاج، وممن ينتظر أوْبة الحجاج بها في أصقاع العالم؟!

أيٌّ غير الإسلام آخى بين جميع أنبياء الله، وعلق إيمان المرء على إيمانه بهم جميعاً {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 3/84] ، وجسد ذلك في مناسك الحج، يبدأ الحاج طوافه من الحجر الأسود، مستلماً إياه أو مشيراً إليه، وينهيه بركعتين خلف مقام إبراهيم، ماراً في كل طوفة بحجر إسماعيل؟!

أيٌّ من الحضارات وحَّد الإنسانية، وألغى الفوارق بين البشر، مثلما يفعل الإسلام في الحج؛ يستقبل الناسَ من كل فج عميق، يجمعهم في صعيد واحد بلباس واحد على كلمة سواء واحدة؛ يجأرون بها على الله خالقهم بنبرة ولغة واحدة (لبيك اللهم لبيك).؟!

أيٌّ منها يملك مثل هذا المشهد الرائع تبثه الفضائيات في الحج وفي سائر الأيام؛ يلتف فيه المسلمون حول الكعبة، ينتظمون في دوائر تتسع وتنداح حتى تعم الكرة الأرضية كلها، تتفتح أوراقها وقوفاً، وتغمض ركوعاً وسجوداً، ثم تتناثر لتتبرعم وتتفتح من جديد، تفعل ذلك خمس مرات في اليوم، يخيل للمرء أن صفوفها المتباعدة قد استقامت وما هي إلا منحنيات، تحنو على مركز الدائرة مكة، ويشتد حنوها فيها، حتى تتقابل صفوف المصلين محيطة بالكعبة إحاطة السوار بالمعصم؟!

ألا تستحق مكةُ أن تكون سرة الأرض؟! وأن تكون الكعبةُ مركز الكون؟! إنني واثق إنهما لكذلك، وقد بدأ مصطلح مكة (المركز) يستخدم عالمياً، مبشراً بمستقبل مشرق لهذا الدين.

أيُّ الثقافات أقامت نصباً للشيطان، رمز الشر والفساد وبثِّ الفرقة وإثارة الشحناء والبغضاء بين الناس، وجَمَعت

الناس في يوم مشهود كيوم الحج لرجمه، إعلاناً لبراءتهم منه، وعزمهم على اليقظة لأحابيله؟!

أيّ الأمم تملك مثل ما تملكه أمتي من قيم وشعائر، ورموز، ومدارس، وتطبيقات يومية، وتدريبات سلوكية، وتعليم مستمر، وتزكية دائمة؛ تصون الإنسان من الانحراف؛ تذكره إذا نسي وتعينه إذا ذكر؟!

أفيليق بأمتي أن تفرِّط بهذه الثروة التي وهبها الله وائتمنها عليها، رسالةً تؤديها كل يوم، ويوم الحج الأكبر على وجه الخصوص؟!

المصدر: 
دار الفكر-كتاب وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!!
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.