من ديمقراطية أثينا إلى ديمقراطية الشورى

الاثنين, November 9, 2015
كاتب المقالة: 

الديمقراطية التي تتطلع إليها شعوب العالم اليوم ، ليست بدعة جديدة في التاريخ الإنساني ؛ فجذورها في الثقافة الغربية نبتت منذ  خمسة قرون قبل الميلاد ، وفي الثقافة الإسلامية منذ حوالي خمسة عشر قرناً بعده . . غير أنها كمنت في الغرب قروناً طويلة لتبزغ في ثوبها الجديد ؛ بعد مخاض عسر على يد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر ، ولا تزال في حالة كمون طال أمدها في العالم الإسلامي ؛ بدأت ملامح انبثاقها في بعض بلدانه في أدنى المشرق وأقصاه  !!

ولئن أخذت الديمقراطية في العصر الحديث عدة مسارات ؛ تقترب أو تبتعد بها عن جوهرها - كمايصفه لنا مالك بن نبي في كتابه  ( القضايا الكبرى ) - متمثلة في الحقوق السياسية التي تترتب للإنسان بصفته ( مواطناً ) في الديمقراطيات الغربية ، أو في الضمانات الاجتماعية التي تُمنح للإنسان في الديمقراطية ( الشعبية ) لدى الروس،  أو الديمقراطية ( الجديدة ) لدى الصينيين ، فإن نموذج الديمقراطية ( الشورية ) - الذي تحقق أول مرة في منهج الرسول وخلفائه الراشدين ، في القرن الأول الهجري ، السابع الميلادي - يمكن أن يعد نموذجاً فريداً ، بوسع الإنسانية أن تطوره لتكييفه مع مستجدات العصر . وعلى الرغم من كون هذا النموذج تجربة تاريخية فريدة لم تتكرر ، فقد بشر الرسول الأعظم بقرب عودتها ؛ خلافة راشدة على منهج النبوة ، بعد استنفاد الإنسانية تجاربها البشرية المحدودة !!

( ولقد كرمنا بني آدم ) [ الإسراء 17 / 70 ] ؛ هذا التكريم الرباني للإنسان ، الذي منحه منذ بداية الخلق رتبة فوق رتبة الملائكة ؛ جعله عصياً على الرضوخ لنزعات الاستعباد والاستبداد ، ومنح سحرة فرعون القدرة على التمرد عليه والتحدي لجبروته ( فاقضِ ما أنت قاضٍ ، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) [ طه 20 / 72 ] ، وبهذا التكريم بدأ القرآن منهجه لتحرير الإنسانية من رذيلة الرق ؛ فأوصد الأبواب كلها ، التي كانت مفتحة على مصراعيها لاستقبال الرقيق ؛ داعياً الإنسان بأبلغ عبارة لتحريره ( فلا اقتحم العقبة !! وما أدراك ما العقبة ؟! فك رقبة ) [ 90 / 11- 13 ] ، وبتحرره اقتحم الإنسان العقبة ، وعاد الرقيق إلى عالم الأشخاص بعدما ظل ردحاً من الزمن في عالم الأشياء !!

لقد وضع رسول الإنسانية منهجه الديمقراطي موضع التطبيق ، منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدمه المدينة؛  فلم يعلن نفسه حاكماً للمجتمع الجديد بمقتضى عهد إلهي ؛ بل بتكليف من الحشود التي استقبلته بأنشودة ( طلع البدر علينا ) ، ولم يطلق لإرادته المنفردة العنان فيه ، بل قيدها بوثيقة المدينة ، التي تعد من أهم الوثائق الدستورية في التاريخ ، والتي قامت على أسس المواطنة ، وحرية الرأي التي منحت المخالفين بكل أصنافهم ؛ منافقين ومرجفين ويهوداً ، حق الاعتراض ، دون خوف !!

وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه ؛ فقال أبوبكر كلمته الشهيرة : ( أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ) ، وأطلق وصاياه لجيش أسامة ، التي لم تتجاوزها مبادئ حقوق الإنسان المعلنة اليوم في هيئة الأمم المتحدة : ( لا تقطعوا شجرة ... ). كما أطلق خلفه عمر بن الخطاب صيحته المدوية (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟! )) ، وصرخة ضميره اليقظ (( ويح عمر ، كم قتل من أبناء المسلمين ؟! )) !!

لقد آن الأوان لهذه التجربة التاريخية - بما تضمنته من توازن دقيق بين مصلحة الفرد ومصالح المجتمع ، ومن إحاطة بأبعاد النفس الإنسانية ؛ الدنيوية والأخروية ، ومن عدالة مطلقة تشمل الصديق والعدو على حد سواء ، وقيم عالمية لا تفرق بين الناس بسبب لون أوعرق أو جنس ، فالجميع لديها سواء - آن لها أن تأخذ مكانها :       ( ديمقراطية شورية راشدة ) على الصعيد الإنساني ؛ في عصر العولمة الذي اخترق كل حواجز الزمان والمكان !!

من سلسلة التغيير

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.