من غرابيل القراءة

الخميس, June 23, 2016
كاتب المقالة: 

من غرابيل القراءة (*)يعد العالم العربي أكثر من 200 مليون نسمة، يفترض – إذا أخذنا بالقول المأثور (طلب العلم من المهد إلى اللحد) – أنهم جميعاً يقرؤون، وأنهم على اختلاف أعمارهم بحاجة إلى الكتاب.

ووراء العالم العربي، عالم إسلامي تجاوز عدده المليار ونصف المليار نسمة يفترض أن يتداولوا الكتاب العربي، ولو بنسبة ضئيلة تلبي حاجاتهم الدينية، لفهم القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى قرآناً عربياً، وفهم كلِّ ما دار حوله من تفسير وأحكام بلغة العرب.

وخلف العالم العربي والإسلامي يقوم عالمٌ متعطش إلى المعرفة، مولعٌ بجمع المعلومات وتصنيفها، وتحليلها وتركيبها، إثراءً لمخزونه المعرفي من جهة، ولكي يعرف كيف يتعامل مع الآخرين من جهة أخرى، فهو يحتاج إلى الكتاب العربي لتزويد مكتباته، ومراكزه العلمية، ومؤسساته الاستشراقية.

لهؤلاء جميعاً، يطبع الناشر العربي من أكثر عناوينه رواجاً، كمية لا تتجاوز خمسة آلاف نسخة في أحسن الظروف، أما عناوينه العادية، فقد ينخفض عدد النسخ المطبوعة منها إلى ألف أو أقل.

أية أرضية رخوة، تسيخ فيها أقدام الناشرين؟!

وأي نوع من الجراثيم، ذاك الذي تسلط على هذا العدد الضخم من (القراء المفترضين)، فحجب أبصارهم عن القراءة، وقلص عددهم من مئات الملايين، إلى بضع مئات؟!

وأية حواجز شاهقة، قلصت من الرقعة الجغرافية الواسعة التي كان ينبغي أن يتحرك خلالها الكتاب؟ بل أية غرابيل، تلك التي سمحت بهروب كل هذه الأعداد الضخمة من القراء، ولم تبق إلا على حفنة يسيرة منهم، امتنعوا عن الانصياع إلى دفق التيار، وتشبثوا بحبال النجاة، ثم اندفعوا - مثل سمك السلمون – إلى الأعالي يغالبون التيار، ليحفظوا للقراء نبض الحياة، غير عابئين بالقاعدين عن واجب القراءة الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف.

أحد هذه الغرابيل يمسك به في طول العالم العربي وعرضه رقيب في الداخل، وعتيد على الحدود، كلاهما مشفق على ثقافة البقية الباقية من القراء التي نجت من غربالي الأُمية والأُمية اللاحقة.

 لا شك أنها النخبة المثقفة الواعية، وعلى المجتمع أن يعنى بها أيما عناية، وأن يحوطها برعايته، وأن يوفر لها الثقافة الملائمة، وأن يحميها من كل أصناف الاختراق الفكري، والتلوث الثقافي، وأن يصون وقتها من الضياع في قراءة منشورات عجفاء مهزولة، وأن يبعد عن بصرها كل ما فات أوانه من الثقافات البالية، والأفكار المهترئة، وكل ما ثبت ضرره على المجتمع والدين والأخلاق.. موكلاً أمر ذلك كله إلى رقيب وعتيد.

ويبدأ رقيب عمله بأن يعزل، بكل رفق وعناية فائقة، هذه الطليعة المثقفة، التي منعتها رغبتها الجامحة في القراءة، من السقوط عبر ثقوب غربالي الأُمية والأُمية اللاحقة، ويضع في غرباله ما يتجمع لديه، أو يقع بصره عليه من كتب في شتى حقول المعرفة: تراثية أو معاصرة، علميةٍ أو أدبية، فكريةٍ أو ترفيهية، مطبوعةٍ أو في طريقها إلى الطبع، ويبدأ بغربلتها ونخلها، ثم لا يفوته أن ينقب في ثنايا كتابٍ لسيبويه، أو شرحٍ لابن عقيل، أو نظرية لأنشتاين، أو فرضية لفيثاغورث، لعله يجد في بعض صفحاتها مسألة فيها نظر.

حتى إذا  اطمأن إلى دقة الفحص، وانقضاء الوقت الكافي للتأمل والتنقيب بكل أناة وحذر، أصدر قوائمه البيضاء بما يمكن أن يسمح به للقارئ الجائع المنتظر المتلهف، وهو مطمئن إلى نوع الثقافة التي دفع بها إليه، مرتاح إلى أنه أشبع نهم قارئه بما رأى أنه سينفعه، وأبعد عنه كثيراً من الثقافات العفنة التي ستفسد عليه عقله وفكره، لا يبالي طول المدة، وضآلة الحجم، فطول الانتظار يزيد النهم، وقلة الزاد تبعث على الرشاقة، وتمنع الترهل الثقافي.

ثم يصدر قوائمه السوداء بالكتب الممنوعة التي حمى قارئه من الاطلاع عليها، والتأثر بها، ويدفع بها إلى عتيد، يبحث عنها في دكاكين الوراقين، وفي حقائب المسافرين، خشية أن تتسرب في غفلة من حراس الثقافة وأعين الرقباء.

ورقيبٌ غالباً ما يكون على درجة من الثقافة والتأهيل العلمي، بينما عتيدٌ غالباً ما تنقصه المؤهلات العلمية، سوى ما تتطلبه العناية بهذه القوائم السوداء.. ويا لها من ساعة حرجة، تلك التي تقع فيها عينه على كتاب متسللاً في حقيبة مسافر.

والأصل عند عتيد في كل كتاب أنه ممنوع، وفي كل إنسان أنه قاصر، فإذا وقعت عينه في حقيبتك، وبين حوائجك على كتاب، طالبك رأسـاً بموافقة رقيبٍ الموكل بالوصاية عليك، و الخوف على ثقافتك أن تزيغ وتنحرف.

كتب أحدهم ذات مرة يقول: يحتاج المرء كي ينتقل من بلد إلى آخر أن يراجع دائرة الهجرة والجوازات، وسفارة بلد المقصد في بلده، بينما يحتاج الكتاب، كي ينتقل من بلد لآخر، إلى مراجعة أحد عشر مركزاً في البلدين.. قد يكون في هذا الكلام بعض المبالغة ولكن..

مهلاً أخي رقيب! إنني مع كل تقديري لدوافعك النبيلة من أجل صيانة ثقافة الأمة من العبث والضياع والانحراف.. أريد أن أهمس في أذنك همساتٍ ربما يصلح بعضها أن يكون جسراً نتواصل عبره، ونقطة تفاهم ننطلق منها إلى تحقيق غاياتك الشريفة دون إضرار بمستقبل الثقافة والإبداع:

1- ليس القارئ قاصراً يتوجب الحجر عليه، بل هو راشد وهبه الله عقلاً سوف يسأله عن استخدامه أو تعطيله.

2- إن الاطلاع على ثمرات الأفكار المحلية والعالمية حق من حقوق القارئ، لا يجوز حرمانه منه، بحجة الوصاية عليه.

3- وقرارات المنع، أصبحت وسيلة من وسائل ترويج الكتاب، استخدمها بعض المؤلفين والناشرين الأذكياء، انطلاقاً مما استقر في فطرة الإنسان من حب الاطلاع على كل ممنوع، والرغبة في الكشف عن كل محجوب.

4- ثم إن قرارات المنع، قد أصبحت عديمة الجدوى، أمام التطور المذهل لتقنيات الاتصال، ووسائل النسخ المباشر أو المهتوف، والبث الفضائي الذي اخترق كل الحدود، وتجاوز كل أنظمة الحجر والوصاية، ودخل إلى كل بيت، وربما سيدخل إلى كل جيب، من يدري؟!

5- وما تراه أنت سيئة في كتاب توجب منعه، قد يراه غيرُك حسنة فيه توجب قراءته، فلك رأي وللآخر رأي لا يجوز لك أن تلغيه.

6- الكتاب يرد عليه بكتاب، والفكرة تصححها الفكرة: لندع الأفكار تتصارع، فإن الحقيقة لا تنقدح إلا بتصادم الأفكار.

7- إن ثقافة الاتجاه الواحد، غير قابلة للنماء، بل إن مآلها العقم والفناء، فصيرورة الإنسان إلى جنة الفكرة الواحدة، لا تعني غير دمار الكون، وقيام الساعة، ونهاية التاريخ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: 2/251].

8- وهفوة في كتاب لا تمحو كل حسناته، وزلةٌ من مؤلف لا تهوي به إلى قعر جهنم، فلقد علمنا الله تعالى كيف نتقبل من الناس ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 46/16]، ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: 11/114].

9- وتراثنا زاخر بالمناظرات، والمناقشات، بين أهل المذاهب والآراء المتباينة، اتسع لها صدرهم، وشُحذت لها هممهم، فكان هذا العطاء الواسع الكبير.

10- والحوار القرآني لم يضق ذرعاً بأعتى المخالفين، كي يعلِّمَنا كيف نستفيد من الاختلاف وتعدد الآراء، وكيف ندخل الحوار دون مسلمات مسبقة:

﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 34/24].

﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف: 43/81].

11- أليس ذلك كله بكافٍ أخي الرقيب، أن نقلص رقابتنا إلى أدنى حدّ، ونحصرها في أضيق نطاق، يحفظ للمجتمع نظامه ووحدته وقيمه الدينية والأخلاقية، وفق معايير واضحة، لا تدع مجالاً للاجتهادات العشوائية، والقرارات المزاجية؟!

12- إنَّ رقابة تحافظ على الهدوء والنَّوْم، وتحدد المسار، وتلغي التعدد، وتضيِّق القوالب، وتمنع انطلاق الأفكار، سوف تؤدي بالثقافة إلى العقم والشيخوخة والفناء.

وحريةً تتطاول على القيم والمقدسات، وتستخدم التشهير والابتزاز والتسلط والإرهاب الفكري، سوف تئدان الإبداع، وتعيقان حركة الثقافة.

والرقابة، إلى أن يتشكل وعي القارئ، وينمو حسه النقدي، يمكن أن تكون رقابة بين بين، توازن بين عوامل الهدم والبناء، وتحترم التعدد والرأي الآخر، وفق معايير واضحة، ومن لي بمثل هذه الرقابة؟!

لقد ذهب غربال الرقابات المتشددة، بأكثر من ربع العناوين المنشورة في العالم العربي على ضآلتها، فما يسمح به هنا يمنع هناك، وما يقرؤه الإنسان العربي في بلد يحرم من قراءته في بلد آخر، فماذا بعد؟!!

 


(*)  من محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي بدمشق 16/9/1995

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.