من قصة الجدة والساحرة نانو .. سرٌّ من بئر العِلْم

الثلاثاء, August 1, 2017
كاتب المقالة: 

اعتادتِ الجدةُ (إيونا) أن ترويَ حكاياتِها الخياليةَ لحفيدَتِها الصغيرةِ (فيونا). ولكنَّ (فيونا) اليومَ لم تَعُد صغيرةً بل شابَّةً ذكية، وعالِمةً تبحث في علومِ الذرة والجُزَيئات. ولم تكنِ الجدُّةُ لتعلمَ أن تلك الحفيدةَ أصبحت تُمسكُ بخيوطٍ سحريةٍ يمكِنُها أن تنسِجَ معها قصصاً تفوقُ خيالَ الجدَّة وما تعبِّئه في حكاياتِها من سِحْرٍ وأسرار.

تدخلُ الجدَّة إلى غرفةٍ من المنزل هي أشبَهُ بمختَبرٍ صغيرٍ أقامته (فيونا) لتنعزِلَ فيه مع أبحاثِها وتجاربِها العلمية، فتذهلُ من أوراقٍ كثيرةٍ تكدَّست فوق طاولةٍ وطيئة، قالت في نفسِها: "ما هذه الأوراقُ؟ ولماذا تحتفِظُ بها (فيونا) هنا، ولم تضعْها في أدراج المكتب؟"..
وبينما الجدة تفتحُ النافذةَ لتجدِّدَ هواءَ الغرفةِ دخلتْ هَبَّةُ ريحٍ قويةٌ بعثرتْ بعضَ الأوراقِ فانتثرت فوقَ الأرضية. أسرعتِ الجدة لتجمعَها، وتعيدَها إلى مكانها.. فكانتِ المفاجأةُ.. المفاجأةُ التي أصبحت فيما بعدُ سلسلةً من المفاجآت.
نظرت الجدةُ باندهاشٍ إلى تلك الأوراقِ وهي تقرأ عبارات كتبت باللون الأحمر: (تقاريرُ سرِّيَّةٌ خاصَّةٌ بالعالمة فيونا).. (لا يجوزُ أن يطَّلِعَ أحدٌ على هذه التقارير).. (تقاريرُ حديثة وخطيرة).. وغيرها.. وغيرها.
قالت الجدة في نفسها: "تقاريرُ خاصَّةٌ وسرية!!.. هذا يعني أنه لا يجوز حتى لي أن أطَّلعَ على ما فيها.. ولكنني سأسأل فيونا عن هذا الأمر".
وبينما هي ترتب الأوراق من جديد لفتت انتباهها صورة ملونة تحمل رسماً لذرةِ مادةٍ ما.. نظرتِ الجدةُ طويلاً إليها، وتذكَّرت كيف كانت هي في شبابها تحب المعادلاتِ الرياضيَّةَ والكيمياءَ والفيزياءَ ما جعلها تتابعُ دراستَها الجامعيةَ في هذه العلوم.. وها هي حفيدتها الآن تسير بخطىً مشابهةٍ، إلا أنها أكثر تطوراً حسب العصرِ والتقدم العلمي.. كيف لا وهي الآن في العام 2020 من القرنِ الحادي والعشرين؟
أزالتِ الجدةُ الغبارَ عن الأشياءِ الموجودةِ في المختَبر، وأغلقتِ النَّوافذَ. وقبل أن تنصرِفَ سمعت همساً خفيفاً كأنما يأتيها من حيث تركت تلك الصورة.. تنبَّهت، ونظرتْ في الاتجاه الذي حددَتْه فسمعتْ من جديدٍ همساً يناديها: " إيونا.. إيونا.. عودي إلينا".. سرت رَعْشةٌ في جسمِ الجدة.. وارتسمتِ الدهشةُ الممزوجةُ بالخوفِ على ملامِحها.. ومع ذلك اقتربت من الأوراق، ونظرت بعيونٍ متسعةٍ إلى الصورة، فإذا بها ترى رسم تلك الذَّرَّة وقد أصبحَ لها وجهٌ بملامِحَ تُشبهها.
شِهقت الجدة من المفاجأة وهي ترتدُّ إلى الوراء، فنادَتْها الصورةُ من جديد:
ـ تعالَي يا إيونا ولا تخافي.. أنا جدة أيضاً واسمي أتوما.. ولي حفيداتٌ صغيراتٌ.. بل صغيرات جداً.. ألا تحبين أن تتعرفيهنَّ؟.. يا سُبحانَ اللهِ.. كلُّ شيء في الكون زوجان اثنان ومنهما أبناءٌ وبنات.. وأحفاد وحفيدات.
تجرَّأتِ الجدة، واقتربت، وهي تحدث نفسها: "ماذا؟.. الصورةُ تتحدَّث إلي!.. هل أنا أحلُم؟"
قالت أتوما:
ـ أمَا كنت تبحثينَ عنا عندما كنت طالبة؟.. ها هو الزمن قد قطعَ أشواطاً عديدة فوصلنا نحن إليك.
وكأنما هي لعبةٌ خياليّةٌ أعجبت الجدة إيونا فانسجمت معها، وتركت كل تساؤلاتها عنها، وراحت تتعرف الى أتوما لتعقِدَ معها فيما بعدُ صداقةً من نوعٍ غريب وفريد.
أخذت الجدة أتوما تحدث الجدة إيونا عن نفسِها، وعنِ العلماءِ الذين اكتشفوها لأول مرة، فأدخلوها إلى مخابرهم وسخّروها في علومهم.
قالت أتوما:
ـ أنا أتوما.. الذرّةُ المعجزة.. الذرةُ التي تكوّن كل الأشياء والأحياء في الطبيعة.. وُجدتُ منذ زمن بعيد.. سحيقٍ.. سحيق.. وها أنا اليوم أحتفل بعيد ميلاد حفيدَتي النانو التي ولدت في أوائل هذا القرن في العام 2004.. صحيحٌ أنها صغيرة جداً، ويكادُ حجمُها لا يتجاوزُ جزءاً من مليون جزء من الملليمتر، إلا أنها ذكيةٌ وخارقة، وتستطيع _ بمساعدة العلماء _ أن تغزوَ كل عوالم التكنولوجيا، وجميع المجالاتِ التي لا تُرى بالعين المجردة.
وقفت الجدةُ إيونا ذاهلةً مما تسمع، وكأنها تكادُ لا تفهم شيئاً مما تقوله أتوما.. ولكن أتوما لم تتوقف، وظلتْ تتحدث عن نفسها وعن حفيدتِها النانو. قالت كلاماً كثيراً حفِظَتْ إيونا بعضه، ولم تحفظْ بعضَه الآخر.
وفجأةً انفتحتِ النافذة، ودخلَ هواءٌ عاصف، وصَفَقَ بابَ المختبرِ وكأنَّ قوة مجهولة أغلقَته بعنف.
انقطع الحوار بين الجدتين.. وتبعثرت الأوراقُ في أرجاء المختبر. وعندما هُرِعَتِ الجدة إيونا لتفتحَ الباب لم تستطع؛ فقد كان موصداً من الخارج.. وهكذا ظلت الجدةُ إيونا حبيسةَ المختبر.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.