من للدب يخرجه من الكرم؟! من" الكتاب في الألفية الثالثة لا ورق ولا حدود!! "

السبت, October 10, 2015
كاتب المقالة: 

يعاد نشره بعد 15 عاماً من طباعته للمرة الأولى 

ربما كان من الأفضل – من أجل إجابة مجدية عن هذا السؤال – أن يطرح على وجه آخر: من أدخل الدب إلى الكرم؟! من المستفيد من دخول الدب إلى الكرم؟!

الذي حدث أن أصحاب الكرم كانوا يعيشون داخل كرمهم في رغد وهناءٍ، عيشاً لا يخلو من بعض منغصات وإشكالاتٍ تحدث بين الحين والحين، يحلونها حسب أعرافهم وما توارثوه من قيم وتقاليد يحكمونها فيما شجر بينهم.

وكانوا يقدمون للدبِّ، خارج السور، بعض الثمرات من كرمهم ليأمنوا شره، وليدفع عنهم طمع الطامعين، وغائلة الحاسدين.

ثم إن أمر الدبِّ قد تغير، فقد كان يرمق أصحاب القرية من بعيد، ويتلمظ لمشاطرتهم عيشهم، ويرى نفسه أحق بتفيء ظلال كرمهم، وجني ثمراته منهم.. فتدبر أمره، ورأى أن لا يهيجهم، فيؤلبهم عليه، ويوحد صفهم ضده، وأن افتعال قضية تبرر تدخله، ودعوته من قبلهم لإصلاح ذات البين، أدعى لفرض احترامه عليهم، وقبولهم بل ترحيبهم به وتصفيقهم له.

فلم يجد حيلة أفضل من أن يغري بينهم العداوة والبغضاء، ويبذر فيهم بذور التحاسد والتناحر، ويقتل فيهم روح الحمية والإباء، فيعدو بعضهم على بعض ويصفق رعاعهم إعجاباً بشجاعة المغامر الطامح، بينما يلوذ الحكماء منهم بالصمت اجتناباً للفتنة والفضيحة، ويخذلون المبغي عليه فلا يجد بداً من استدعاء الدب من خارج الكرم ليفصل بينهم، ويتحقق للدب المراد.. وهكذا كان.

وارتاح الدب لمهمته الجديدة، فقد بات سيد الكرم وحامي حماه، يفصل بين أصحابه كلما نزغ الشيطان بينهم، ووجد أن وجوده في الكرم مرتبط باستمرار الشيطان في هذا النـزغ،  وأن أي استرخاء من الشيطان أو تقصير في أداء وظيفته، سيفقد الدبَّ مبرر وجوده.. فقرر أن يتحالف مع الشيطان، أو يتقمص روحه، فيصبح كأنه هو، ويقوم عنه بأدواره.

ومضى الدبُّ في مهمته الشيطانية؛ يختلق الأزمات، وينبري لوأدها، ويشعل الحرائق ويهب لإطفائها، ويتقاضى أجوره أضعافاً مضاعفة، حتى ناءت كواهل أصحاب الكرم بتسديد فواتيره، وعجزت محاصيلهم عن الوفاء بمطالبه.

وكان من عادة أصحاب الكرم كل عام ، أن يصوموا شهر رمضان كلما أهل عليهم هلاله، فيمسكون في أيامه عن الطعام والشراب، وتصفو نفوسهم، وتتطهر قلوبهم، وتنشط أفئدتهم للتفكر والتدبر، فيكف الظالم منهم عن ظلمه، والجار عن إيذاء جاره، ويتحلى بمحاسن الأخلاق، وتشف نفسه وترهُف أحاسيسه، فيألم لألم إخوانه، ويحزن لحزنهم ويحنو عليهم.

وكلما دنا رمضان، تنتاب الدب – بعد أن تقمص روح الشيطان، واحترف حرفته – خشية ورعدة، أن يؤتي رمضان أكله، ويفعل فعله في نفوس الصائمين، فينتبهوا لمكر الدب ويبطلوا أحابيله.. فقرر عند اقتراب أول رمضان أن يقوم – إلى جانب مهماته في الحراسة – بمهمة المسحِّر يوقظ النائمين للسحور وصلاة الفجر، فيزداد اطمئنانهم إليه وإلى ورعه وتقواه وحبه للخير، فلم يجد – بحكم انتمائه إلى فصيلة الدببة – غير متفجرات نارية، يضرب بها فتنفجر؛ تضيء السماء برقاً يخطف الأبصار، وتملأ الدنيا رعداً يذهب بالأسماع، وتذرع الأرض دماراً وخراباً.

ويصحو أصحاب القربة على صواريخ المسحِّر، فتعاف أنفسهم طعام السحور، وينطلقون إلى المساجد لأداء صلاة الفجر.. فهذا إمام يقيم فيهم الصلاة قائلاً: سووا صفوفكم! تراصوا، لا تتركوا للشيطان فرجات بينكم!!.. وهذا خطيب يقف بعد الصلاة يقص عليهم قصة قريش عندما تداعت قبائل منها إلى حلفٍ " اجتمعوا له في دار عبد الله بن جُدعان لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم، ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك حلف الفضول" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"(1)

وذاك محدث يذكر لهم حديث السفينة، التي شرع ركاب في أسفلها بخرقها ابتغاء الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعاً" [رياض الصالحين، الحديث 187، دار الفكر، دمشق].

وتعتلج المواعظ في نفوسهم، ويذكرون ما قرأه الإمام عليهم من كلام الله في الركعة الأولى ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[ [آل عمران 3/103] وفي الركعة الثانية ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ [الأنفال 9/46] ويتداعى إلى ذاكرتهم حديث كانوا قد سمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"

فيعودون من ذلك كله بالجواب الشافي عن أسئلة البداية:

من أدخل الدب إلى الكرم؟!

* أدخله أصحاب القرية، الذين قدموا له الذريعة والمبرر؛

 فئة اخترقت الحدود، وقفزت فوق الحواجز، تعرض عضلاتها وتباهي بقوتها.

وفئة قعدت عاجزة عن نصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، ومنعه من خرق السفينة، وتعريض أهلها جميعاً للخطر. ]واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فكانوا من الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون[.

- من للدب يخرجه من الكرم؟!

* الذي أدخله عليه أن يخرجه:

آ- الذي قدم له الذريعة، يجب أن يسقطها ويحرمه منها، ويعتذر لإخوانه عن فعلته، ويطمئنهم إلى التزامه بحسن جوارهم.

ب- الذين توانوا عن نصرة المظلوم، عليهم أن يقفوا إلى جانبه، ويقدموا له الضمانات الكافية التي تهدئ من روعه، وتطمئن بها نفسه.

ج- أصحاب القرية جميعاً، عليهم أن يبرهنوا على أنهم كالجسد الواحد، لن يتركوا في صفوفهم فرجات للشيطان، وعليهم أن يثبتوا للدب، أنهم الأجدر بحل مشكلاتهم وفض نزاعاتهم، ولا حاجة بهم إليه.

د-وعلى الناشر العربي- الذي لا يزال الأرسخ تأثيراً والأكثر توثيقاً من بين وسائل الإعلام – أن ينشر قصة (الدب والكرم) لكي تكون درساً لأصحاب القرية ولأحفادهم من بعدهم، يتعلمون منه قيمة التضامن، ورصِّ الصفوف، وسد الثغرات والفرجات التي يمكن أن يتسلل  منها إليهم الشيطان.

 

  (1)  السيرة النبوية لابن هشام: ج1 ص 119 – 120 ، دار الفكر  - بيروت

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.