من مسرح الدمى إلى مسرح الفعالية والبناء

الاثنين, March 7, 2016
كاتب المقالة: 

 لم يشهد المسرح العالمي فصولاً أكثر إثارة وتأثيراً؛ كالتي شهدها وما يزال، منذ أوائل القرن العشرين:بطلاها: الاستعمار والصهيونية.وشخصياتها: شعوب العالم الإسلامي.وموضوعها: اقتسام تركة الرجل المريض، والحيلولة دون استرداده عافيته.أرجوحة أوباما: كانت العنوان الأبرز للفصول التي أديت خلال ولايته؛ الكيماوي خط أحمر، ما لبث أن فقد احمراره تدريجاً.. والنووي ضوء أصفر قابل للتفاوض، ما لبث أن اخضوضر، وأطلقت أيدي أصحابه في المنطقة بأسرها.. وسائر أساليب اللعب على الحبلين التي باتت مكشوفة حتى للسذج من الناس!!
وها هو ذا الستار الآن يزاح عن أقذر مشهد مقزز؛ جون كيري يدخل خشبة المسرح مرتدياً جبة الوصيِّ الحكيم؛ ليطرح مشروعه (الخطة ب) لتقسيم سورية، فيدخل سيرغي لا فروف من الطرف المقابل، لينادي بمشروعه (لفدرلتها).. كلاهما يعلق مشروعه على فشل الهدنة، التي تمت هندستها من قبلهما حاملة بذور فشلها!!
كم هي مكلفة تلك الصفقة النووية المبرمة مع إيران؟! وما هي أبعادها الإقليمية بعد الفراغ من تفتيت العراق، وإنهاك ليبيا، وإجهاض مصر، والتخطيط لتفكيك لبنان بعد سورية، وتوريط السعودية في اليمن، والحبل على الجرار؟!
كم أصبحت مكشوفة لعبة الأمم التي أصبحنا فيها سلعة تتداول في سوق النخاسة الدولية.
من المؤكد أن الدول التي تتطوع بتقديم مشاريعها لحل مشكلاتنا؛ ليست صادقة فيها، فهي صانعتها، ولا هي بريئة من دمائنا التي تراق بأسلحتها!!
وها هو بوتين يبرر لشعبه تدخله في سورية بأنها حقل لتجريب أسلحته الحديثة المتطورة؛ يوفر عليهم تجربتها في أرضهم، مخفياً عنهم مبرراته الأهم التي هي إقامة القواعد العسكرية المتقدمة، لعدم حاجتهم لهذه المعلومات التي يجب أن تبقى سرية!!
ومن المؤكد أن الدول الأوربية التي تستضيف اللاجئين في مخيماتها، ليست كلها مخلصة في تقديم خدماتها، تحت غطاء المساعدات الإنسانية للاجئين، ولو أخلصت لقدمت هذه الخدمات لاقتلاع المشكلة من جذورها، وإنهاء أسباب الهجرة واللجوء إليها!!
إسرائيل ليست بعيدة عن المسرح، وكل ما يُعرض فيه يستهدف ضمان أمنها واستمرار بقائها.. وصورة حطين وصلاح الدين الذي أنهى مئتي عام من حروب الفرنجة (الصليبية)، تشكل هاجساً لديها، تبذل ما بوسعها لعدم تكرارها.. والتمزيق الطائفي والديني والعرقي بإثارة النعرات، والتغيير السكاني والديمغرافي بالتهجير، وإفراغ البلد من طاقاته البشرية والاقتصادية بالقتل والتخويف، ووضعه تحت وصاية أكثر ضمانة وقرباً منها.. كل ذلك وسائل يجري عرضها بكل وضوح على مسرح الدمى!!
***
ألم يأن للدمى أن تغادر مسرح الذلِّ والهوان، وتبني لنفسها مسرحاً تكون هي بطله الرئيسي، ويكون موضوعه: استرداد الرجل المريض عافيته، واسترداد المجتمع المتعدد بكل أطيافه دوره، وإغماد السيوف وإحلال لغة الحوار والتفاوض محلها، وبناء الثقة وقبول الآخر فوق أنقاض اتهامات التخوين والتشكيك، وطي صفحات الماضي السود وفتح صفحات جديدة بيضاء..
وإذ ذاك ستكف الوصايات عن تقديم خدماتها لانتفاء الحاجة إليها، وستتلاشى الدواعش لانتهاء أدوارها، ولن يكون من الصعب الإبقاء على سورية موحدة، كما تخيل جون كيري، ولن تكون سورية بحاجة إلى فيديرالية لافروف!!
وإذ ذاك ستسقط كل الأقنعة، وستنزاح لافتة مسرح الدمى من على باب المسرح؛ لتحل محلها لافتة مسرح الفعالية والبناء!!

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: