من معوقات المبدع العربي في عالم الأطفال

الأحد, May 1, 2011
كاتب المقالة: 

 

قليل من المبدعين في عالمنا العربي من تهيأت له الظروف المادية والمعنوية لإنتاج إبداعاتهم على الوجه المطلوب. أما أكثر المبدعين العرب فهم يعانون من التخبط والصراع بين تحقيق إمكاناتهم وموهبتهم الإبداعية وبين تأمين متطلباتهم المادية اليومية والتي غالباً ما تكون كفافاً.

 

من معوقات المبدع العربي في عالم الأطفال

قبل البدء

قبل  البدء أروي قصة حدثت معي شخصياً أعتقد أنها توجز الكثير من الكلام حول الموضوع المقالة

اتصل بي أحد الأصدقاء الإعلاميين والذي حالفه الحظ وأصبح يعمل في سفارة إحدى الدول الخليجية وقال لي أن أحد رجال الأعمال من بلد السفارة التي يعمل بها قد قدم إلى سورية ولديه مشروع إعلامي ضخم يحتاج إلى رسام كاريكاتير للعمل معه..طبعاً كوني رسام كاريكاتير محترف استبشرت خيراً وجمعت أرشيفي الكاريكاتيري بالإضافة إلى مؤلفي اليتيم وهو قصة لليافعين عنوانها "المملكة الإنسانية"..

وقفزت إلى الموعد بلا تلكؤ..وبعد طول استدلال بين المقاهي وطاولاتها التقيت برجل الأعمال.. والذي كان على الحقيقة شاب صغير لا يتجاوز عمره خمسة وعشرون عاماً فاستبشرت أكثر لأن الشباب أكثر مرونة وانفتاحاً.. بعد التعارف والتآلف بدأت أعرض عليه أكثر رسوماتي الكاريكاتيرية  عمقاً وترميزاً وتعقيداً علّها تجد صدى عنده وخصوصاً أنه يمتلك إحدى الوسائل الإعلامية الضخمة - كما أوحى لي صديقي -والتي ستكون إحدى المنابر الحرة لأعمالي..إلا أن شاب الأعمال استدرك أنني فهمت بشكل خاطئ وأن مشروعه هو شركة إنتاج كرتوني وما يحتاجه هو مصمم شخصيات - كاركتر- للكرتون ..والحقيقة أن هذا الأمر ليس من اختصاصي هو اختصاص لدى بعض الفنانين العاملين في مجال الكرتون...

عرض علي بعض الشخصيات التي صممها بيده فقلت له إنها مثل شخصيات كرتون الشرق أسيوي القتالية المرعبة ..قال لي بما معناه نعم هذا هو المطلوب في السوق هذه هي الموضة.. قلت له على كلٍ ربما أتعاون معك بشكل آخر هذا كتابي قصة لليافعين فيها أفكار تربوية هادفة ضمن إطار خيالي..قال لي مبتسماً بأدب وهو ينفس دخان الأركيلة على غلاف الكتاب : نحن لا نريد قصص هادفة أو ذات مغزى..!! ارتسمت على وجهي دهشة واستفسرت عن ذلك فقال: أن القصص التربوية تكون مملة وغير جذابة فنحن نريد قصص لا مغزى لها  !! فشعرت عنها أنني لكي أستطيع العمل معه لكم أحتاج أن كون تافهاً وسطحياً وأن أقدم أفكاراً بلا هدف ولا مغزى ..وأن هذه الرسمات التي عرضها أمامه كانت علي وليست لي ..فهي تنزل من قيمتي عنده  وغير مجدية بالنسبة له ..وأن هذه القصة وأمثالها من القصص الهادفة هي أشياء قد عفى عليها الزمن وليس لها قيمة استثمارية.

هذا الشاب نموذج لمستثمر مستقبلي والذي يؤسس لشركة إنتاج  كبيرة تضخ أعمال كرتونية وفق معاييره التسويقية والتي تتفق إن كان يدري أو لا يدري مع مخططات الهدم والتدمير لهوية وشخصية وأخلاقيات مجتمعاتنا العربية الإسلامية .

أين المبدعون العرب في ظل هذه التوجهات؟

قبل كل شيء من المعروف أن المبدع يحتاج إلى الدعم المادي والمعنوي لتحقيق أعماله الإبداعية وإن أي نقص في هذين الأمرين سيؤثر سلباً على المنتج الإبداعي..

وقليل من المبدعين في عالمنا العربي من تهيأت له الظروف المادية والمعنوية لإنتاج إبداعاتهم على الوجه المطلوب. أما أكثر المبدعين العرب فهم يعانون من التخبط والصراع بين تحقيق إمكاناتهم وموهبتهم الإبداعية وبين تأمين متطلباتهم المادية اليومية والتي غالباً ما تكون كفافاً.

وهذه الحال تشمل المبدعين في عالم الأطفال والناشئة وربما نجدهم الآن الأكثر معاناة من غيرهم وخصوصاً العاملين في مجال الرسوم المتحركة أو القصص المرسومة ..والسبب بكل بساطة هو طغيان الإنتاج الكرتوني والقصصي القادم إما من هوليود أو من شرق آسيا والإقبال عليها بشكل كبير من قبل القنوات التلفزيونية وتجاهل شبه كامل للإنتاج المحلي العربي.. والعامل الرئيسي في هذا الإقبال هو السعر المنخفض لهذا المنتج وخصوصاً القادم من شرق آسيا.

إذًن العامل الرئيسي لتقييم العمل الكرتوني هو السعر مع تجاهل كبير للقيمة التربوية والأهداف الأخلاقية للعمل، القنوات التلفزيونية لها مبرراتها بأن أسعار الإنتاج الكرتوني العربي مرتفعة مقارنة مع الآسيوي ولا تتمتع بنفس الجودة الفنية .

والمحصلة أن الطفل المتلقي الذي يجلس أمام الشاشة يتلقى أفكار جوفاء وأحداث وصراعات لا هدف لها ولا مغزى كما يتمناه صاحبنا شاب الأعمال الثري!! لا تزيد الطفل إلا وهماً وانفعالاً وعنفاً..

والسؤال هو أين القنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج ودور النشر العربية ؟؟

أين وزارات الإعلام العربية ودورهما في دعم الأعمال الهادفة وتمويلها؟؟

أليس من مسؤولية الحكومة رعاية وتبني المبدعين بدلاً من أن يقفون بذل على أعتاب دور النشر وشركات الإنتاج الخاصة؟؟!!

تتحكم القنوات الفضائية بأسعار أفلام الكرتون..لأنها تبحث عن الأرخص.. فالمنتج الكرتوني تحول إلى مجرد سلعة تقاس قيمتها بزمن العرض بغض النظر عن المضمون والقيمة الفنية للعمل ..لذلك يتم الأخذ من المنتج الشرق أسيوي المُستَهلك والمباع مرات عدة حتى وصل رخيص الثمن إلى قنواتنا..

هذه الحالة تسببت بتراجع أداء شركات الكرتون الوطنية والعربية والتي كانت تقدم أعمالاً هادفة وشيقة تناسب الأطفال في مجتمعاتنا..وهناك شركات غيرت من مسيرة عملها لتصبح منتجة أو مروجة لألعاب لشخصيات كرتونية مستوردة؟؟!!

إن البقاء على هذه الحالة يعني تكريس الانفلات من الهوية والثقافة والتراث العربي والإسلامي وتحول أشكال وحركات الأطفال واليافعين إلى أشكال شبيهة بأبطال الكرتون الشرق آسيوي أو الهوليوودي

ما يحدث في عالم الكرتون المتحرك  يحدث تماماً في عالم المجلات والقصص المصورة مع إهمال كبير لفئة اليافعين في العالم العربي والتركيز التجاري فقط على الأطفال .

ختاماً الحل

بكلمات بسيطة :

1- دور حكومي من خلال رعاية الموهوبين والمبدعين في مجال الأطفال.

2- دور القطاع الخاص الوطني من خلال إنشاء مؤسسات استثمارية ربحية ضخمة تستطيع أن تنافس في إنتاج وتسويق أعمال ضخمة هادفة وجذابة وتناسب بقيمها وأخلاقياتها  بيئتنا العربية الإسلامية

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.