من مقدمة الأعمال الكاملة لـ مالك بن نبي

الثلاثاء, December 5, 2017
كاتب المقالة: 

كنت قدَّمت لقارئي فيلسوفنا مالك بن نبي؛ شهادتي في صحبتي له في مجلدين صدرا منذ عامين عن دار الفكر. تعرَّفت عليه طالباً عام 1956 أثناء دراستي في القاهرة، وكنت على اتصال وثيق به في مرحلة الدراسة ثمَّ التخرج عام 1961، وفي عام 1963 عاد إلى الجزائر، وفي الأعوام الأخيرة من حياته 1971، 1972، 1973 عندما كان يتردد إلى بيروت متابعاً لإصدار بعض كتبه. تلك مسيرة في صحبة بن نبي؛ حدثت عنها طويلاً، وباتت العودة إلى تفصيلها فضول حديث، يكفي أن أشير هنا إلى أنَّ ما يعرفه قراء كتب مالك حول مشكلات الحضارة، وذلك من إصداراتي لها بعد وفاته، وتوقيعي على مقدِّمات بعض منها، أنَّ صحبتي لأفكاره منذ وفاته عام 1973 إلى يومنا جاءت لزام يد كتبها بخطه (حين زارني في طرابلس عام 1971 وسجلها في المحكمة الشرعيَّة)؛ وذلك بأن أرعى تراثه الفكري ونشر كتبه بعد وفاته ما حييت، وكان ذلك منه إلحاحاً لم أجد لي فيه مخرجاً. وهكذا نحن اليوم وكلمات بن نبي وكتبه وصلت إلى قارئيه باللُّغة العربيَّة والحمد لله، ثمَّ بالفرنسيَّة أخيراً، وذلك ما قام به تلامذته من الجزائر؛ وبات فكر بن نبي دُولةً بين أهل الفكر والرأي سارت به رسائل من قرائه، وأشرع المفكرون له طَولاً في بساط التحليل والتأمل، وغدت البنابيَّة بالتعاون مع مؤسسة دار الفكر ومديرها الأستاذ محمد عدنان سالم، أوسع مدى وعمقاً في دقائق ما أُنجز في سلسلة مشكلات الحضارة؛ رسالةً وتأسيساً لدور عالم إسلامي جديد. تلك رؤيا جيل بدت طلائعه في مختلف الدراسات الجامعيَّة في جامعات القاهرة، وماليزيا، والسعودية، ودول الخليج، وباريس، وجميعها تتخذ جوانب من فكر بن نبي تؤسس بها لمرتكزات عالم إسلامي متفاعل. وهكذا عاد بن نبي إلى الجزائر تراثاً في الثقافة الوطنية والإسلامية؛ وكان قد خرج منها غاضباً ومحبطاً إلى مصر ولبنان وسورية من الخمسينيات إلى بداية الستينيات ثمَّ عاد إلينا في السبعينيات قبل وفاته، وألقى في دمشق أكثر من عشرين محاضرة عام 1972 جمعتُ بعضها في كتاب صدر بعد وفاته تحت عنوان (مجالس دمشق)، وهكذا بتوجيه من الحكومة الجزائريَّة عام 2003 وردتني دعوة من حكومة الجزائر حين اتصل بي سعادة سفير الجزائر في بيروت، وأبلغني رغبة المسؤولين في الجزائر الاتصال بي لدعوتي للمشاركة بيوم الجزائر في باريس عام 2003 وحضور الاحتفال الذي يقوم في النادي العربي في باريس بمناسبة تكريم سلسلة رجال الجزائر من الأمير عبد القادر الجزائري إلى مالك بن نبي. وقد ألقيت على منبره كلمة حول اتصالنا به كطلاب. ثمَّ تبعتها دعوة لزيارة شبه رسمية للجزائر، والتحدث مع طلاب جامعة الجزائر وجامعة وهران وقسنطينة، وذلك ما فصلته في كتابي «مقاربات حول فكر مالك بن نبي» من على منبر الجزائر، ثمَّ وردتني دعوة أخرى من المجلس الأعلى الإسلامي للمشاركة في أعمال الملتقى الدولي أيام 23، 24 و25 شعبان 1424 الموافق 18، 19، و20 أكتوبر 2003 تحت عنوان: مالك بن نبي فكره وأعماله؛ تحت رعاية فخامة الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، الذي افتتح المؤتمر بكلمة جاء فيها: «لقد كرس بن نبي كل حياته في التفكير والكتابة والنشاط في خدمة المصالح المعنوية والمادية للدول الإسلاميَّة؛ وعينه دائماً تنظر إلى المستقبل البعيد، لقد وضع إلى حد كبير أسس فكر إسلامي جديد، يساير تطور العالم ويعي الرهانات الدوليَّة، لكن فكره كان ولا شك سابقاً لأوانه، فوجد نفسه مهمشاً من قبل التيارات السائدة؛ إلَّا أنَّ الأحداث أكدت ما ذهب إليه في نظرته وأكدت تحليلاته. أمَّا اليوم فالجامعات والمفكرون بحاجة إلى اكتشاف هذا الفكر من جديد؛ لاستقاء أفكار تساعدهم على الإلمام بدور الإسلام ،وتحديد إسهامه في بناء العالم المعولم الذي تنبأ به قبل خمسين عاماً». فلماذا مالك بن نبي إذن؟ ولماذا الحضارة؟ ولماذا التربية؟ في واقع الأمر، إنَّ السؤال «لماذا مالك بن نبي» هو نفسه السؤال «لماذا الحضارة»، ذلك أنَّ اسم مالك بن نبي قد ارتبط بكلمة «الحضارة»، حيث مثلت مشكلاتها عنده، فركز كل اهتماماته الفكريَّة ومؤلفاته كلها تحت هذا العنوان الجامع: «مشكلات الحضارة». «وقد بدأ منذ نهاية الثمانينيات من القرن العشرين في اعتقادنا؛ الاهتمام المتزايد بفكر مالك بن نبي الذي شهدته وتشهده الساحة الفكريَّة في الشرق العربي والإسلامي وحتى الغرب، بعد تغييب وتجاهل طويلين، وكان من أسباب ذلك أهميَّة الطرح الشمولي لما يعرف بقضايا التخلُّف المتعلِّقة بدول العالم الثالث عموماً، والعالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص، والذي تجسده فكرة الحضارة. هذه الأهميَّة عند مالك بن نبي؛ تعود إلى عدم قدرة المعالجات التجزيئيَّة والمباشرة لمشكلات التخلُّف المحصورة في مظاهره، وإلى التجارب المستوردة والمطبقة في هذه الدُّول، وما صاحبها من إيديولوجيات، على مقاومة تقلبات الزمن، لأنَّ هذه المعالجات والحلول لم تكن تنبع من التربة الأصليَّة لهذه الدُّول». كما تعود هذه الأهميَّة في الوقت نفسه؛ إلى صمود الطرح البنيوي طوال هذه العقود؛ في وجه التغيرات الحاصلة في الداخل والخارج، ممَّا يضفي على هذا الطرح صفة المعاصرة، ويُعزى هذا الصمود (علاوة على طرحه لفكرة الحضارة) من جهة ، إلى منهجيَّة مالك بن نبي التحليليَّة الموضوعيَّة؛ في تناول هذه المشكلات وفي رصد أسبابها العميقة. من جهة أخرى، إلى تأكيده على الأهميَّة البالغة للذاتيَّة الثقافيَّة، ثمَّ بيانه لخطورة الاستعارة الارتجاليَّة الاستعجاليَّة، دونما تخطيط مسبق ومدروس بدقة. فالحضارة عند مالك بن نبي ليست بضاعة تباع وتشترى؛ بل هي بناء داخلي تحدِّده عبقريَّة المجتمع وتعكس خصوصيَّته الثقافيَّة عبر مسيرته التاريخيَّة، وبالتالي فهي غير قابلة للاستعارة، وكل محاولة في هذا السبيل تعرِّض الثقافة المغلوبة على أمرها للمسخ بعد سقوطها في شباك التبعيَّة. من هنا تبدو، في نظرنا، قراءة أو إعادة قراءة المشروع المجتمعي الحضاري لمالك بن نبي؛ قراءة معمَّقة وموضوعيَّة بعيدة عن الأحكام التعسفيَّة، مهمَّة وذلك لعدَّة اعتبارات منها: كونه صاحب طرح جديد ومتميِّز، فهو أوَّل من كتب في العالمين العربي والإسلامي عمَّا يُسمى اليوم بالتنمية، وأوَّل من تناول بشكل منهجي مستقل مشكلة التراث والمعاصرة «فضلاً عن كونه من القلائل الذين طرحوا من منظور نقدي فعَّال مشكلة التراث والمعاصرة» . فالفكرة في حركة التغيير؛ هي المركب النفسي الذي به أبحرت سلسلة مشكلات الحضارة، وهي تشمل الإنسان والإطار، وهنا يجب على الثقافة أن تبحث عن روحها؛ في مجموع القيم الروحيَّة التي تحملها الحضارة الإسلاميَّة، يتقدمها نوع من التراث، له خصائصه في المدى العالمي؛ يشبه التراث الذي قدمته الإنسانيَّة الإغريقيَّة اللاتينيَّة في الغرب؛ من أجل حضارة عالميَّة . هذه النقطة الفقهية هي خلاصة تراث بن نبي؛ في نقطة تحوُّل في الحياة الإنسانيَّة على هذا الكوكب، إذ يتاح للإسلام الدور الأكبر - بحكم حضوره الثقافي والتاريخي في آسيا وإفريقيا - في إبلاغ رسالته إلى العالم. هذا التكامل الذي تسلكه تباعاً مجلدات هذا الإصدار؛ لا بُدَّ من أن نقدم له رؤية معمَّقة لتتابع مسيرته ونشأته الفكريَّة التي انعكست على عناوين إصداراته. لذا كان من تمام ما صدر تاريخيًّا: «الظاهرة القرآنيَّة 1946، لبيك 1947، شروط النهضة 1949، وجهة العالم الإسلامي الجزء الأول والثاني انتهت كتابة كلّ منهما 1950 ــ 1951، فكرة كومنولث إسلامي 1960، الصراع الفكري 1961 وميلاد مجتمع 1962» ثمَّ إنه أحاط مسيرة هذه السلسلة بكتابه «الشاهد على العصر، مرحلة الطفل، والطالب والكاتب». وهكذا قاسم مفكرنا قارئه شهاداته على العصر، وما أخرج إلى تلاميذه وقرائه من منهج ثقافي وتربوي واجتماعي؛ تخوِّله مرتكزاته في عالم الأفكار تجدداً في بناء حضارة.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.