مَن يملك سلطة الرقابة على الأخلاق ... الدولة أم المجتمع؟

السبت, September 23, 2017
كاتب المقالة: 

تثور من حين إلى آخر تساؤلات حول الرقابة على الأخلاق ما زادت متغيرات المجتمع ومهدداته، وفي تلك اللحظات القلقة يحاول المجتمع الانكفاء على هويته القيمية عندما يشعر بأن تلك المتغيرات تمثل تهديداً لكيانه الاجتماعي المستمد من قيمه الأخلاقية، لذلك يطرح بعضهم عدداً من الأسئلة عن حدود هذه القيم الحامية، أو لنقل سياجها الأخلاقي العام، وهل يشوب ذلك السياج تلبّس العادات والأعراف به؟ وما هي معايير المنع من السلوكيات الخاطئة؟ وهل هناك سلوكيات فردية وأخرى مجتمعية تفترق من حيث التعامل معها؟ والأهم برأيي من يتولى سلطة الرقابة على الأخلاق، الدولة أم المجتمع؟ هذه العلاقات الأخلاقية التي يعيشها الفرد في مجتمعه مع تغول سلطات الدولة الحديثة، تعيد طرح تلك التساؤلات المفاهيمية للوصول إلى مقاربات مصلحية، لا تتداخل فيها واجبات المجتمع مع سيادة الدولة، ولا واجبات الدولة مع خصوصيات الفرد، فهذا العنوان المثقل والمثير للبعض والذي يحمل معه العديد من التساؤلات الغائب أكثرها عن ساحة النقاش الإسلامية، كثيراً ما يتم تمريره من دون تأمل، أو بناء مواقف قطعية على أرضية متحركة لا تحتمل تلك المفاصلات الفكرية، ومن خلال المساحة القصيرة للمقال أحاول تقديم بعض الرؤى حول هذا الموضوع عبر المسائل التالية:

أولا: سأبدأ بتحرير مفهوم السلطة وفق سياقه في هذا المقام، فهو من أكثر المفاهيم التباساً وتغيراً، لأن منزع النظر فيه يمتزج بين القوة والتمكّن، ووفق تعبير ابن خلدون يسمى هذا الامتزاج (العصبية) واختار ابن تيمية مصطلح (الشوكة)، ولا يقف المعنى عند قوة السلطة، بل لا بد من شرعنة هذه القوة بالطاعة والقبول من الشعب أو الأمة، أما نفاذ السلطة وآليات تفاعلاتها في المجتمع فيتم من خلال تداخل النظم والقوانين الصارمة بالالتزام العقدي أحياناً، أو من خلال التقديس المتعالي لرموزها في أحيان أخرى، هذا في شكل عام أهم تمظهرات السلطة باعتبارها كياناً متجسداً في الدولة بوضوح، لكن هذا الاحتكار كُسر بوجود نماذج عدة من السلطات نشأت مع الدول الحديثة، وتمأسست في شكل منافس للسلطة العليا، ما يعنينا هنا في مفهوم السلطة معرفة من الأحق بالرقابة على الأخلاق، في ظل تموُّج لمفهوم السلطة المعاصرة، ويمكن أن نلتمس من تعريف جورج بلانتييه محددات المفهوم في شكله العام حين قال: «السلطة القدرة على التأثير في الأشخاص ومجريات الأحداث باللجوء إلى مجموعة من الوسائل تتراوح بين الإقناع والإكراه» (أنظر كتابه: الأنثروبولوجيا السياسية، ترجمة جورج ابي صالح، طبعة مركز الانماء القومي، بيروت، 1968، ص37) فالسلطة في غالب أدبياتها المعاصرة تقوم على تقديم الخدمة للمجتمع واغتنام الظفر بالطاعة، وبما أنها لا تتحقق إلا في جماعة من الناس فهي ظاهرة اجتماعية بالضرورة، وأجد بعد بحث ليس بالمستقصي، أن ماكس فيبر(1864-1920) وميشال فوكو (1826-1984) قدما تحليلاً لواقع السلطة وتداخلاتها الحديثة وتنوعاتها في المجال الاجتماعي في شكل متفرد، فماكس فيبر يعتبر التهديد والقوة في السلطة مرجعه حصولها على الشرعية، وأساسات هذه الشرعية السلطوية يجعلها في ثلاثة أنواع: الأول السلطة التقليدية، ومرجعها قداسة الاعتقاد وسلطة الأعراف، والثاني الذي يسميه السلطة الكارزماتية والمبنية على قدرات شخصية استثنائية وبطولات خارقة للفرد الزعيم، والثالث السلطة القانونية المستمدة من التشريعات والقوانين. (انظر كتاب فيبر: رجل العلم ورجل السياسة، ترجمة نادر ذكرى، دار الحقيقة، بيروت، 1982م، ص 47،48) وهذه السلطة الأخيرة وفق تطوراتها الحديثة لم تعد منفردة عن بقية السلطات، بل تماهت ببعضها وتداخلت بطريقة تُظهر حجم التعقيد في السلطات المعاصرة، أما فوكو فنظريته للسلطة متعددة وتحليلاته واسعة، ولعلنا نقتصر على سلطة الدولة الحديثة المتمترسة بقوة القوانين وقوانين القوة، وهنا فوكو يقدم لنا السلطة، لا باعتبارها طبقة حاكمة في مواجهة طبقات يتم استغلالها، لكن باعتبارها استراتيجية تتشكل وتتجسد في أجهزة الدولة، وفي صياغات القانون وفي الهيمنات الاجتماعية المتعددة، فالسلطة توجد في كل مكان ليس لأنها تشمل كل الأشياء، لكن لأنها تأتي من كل مكان، أعتقد أن تحليل السلطة وفقاً لفوكو يجب أن يكون كشيء حركي ومنتشر ومتداول أو باعتبارها تعمل كالسلسلة، لا تتموضع السلطة هنا أو هناك، وليس بين يديّ أي أحد، وهي لا تمتلك كما تمتلك الثروة والأملاك، فالسلطة تُمارس في شبكة يكون الأفراد في وضع الخاضعين وأيضاً الممارسين لها. لهذا يرى فوكو أن الدولة والسلطة الحديثة هي بالتعريف مشروع للاستعمار اليومي، فكل تعامل مع الأجهزة والمؤسسات هو بمثابة إدماج وإعادة خلق وإنتاج للذات الفردية ضمن هذا الكيان الضخم، لذلك يدعو إلى توجيه البحث في تحليل السلطة نحو اختراعاتها للهيمنة وليس في واقعها التقليدي نحو تعزيز السيادة (انظر: مفهوم الخطاب في فلسفة ميشال فوكو، د.الزواوي بغوره ،القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م، الفصل الرابع: الخطاب والسلطة، ص 215-267، وكتاب: ميشال فوكو المعرفة والسلطة، للدكتور عبدالعزيز العيادي، المؤسسة الجامعية ببيروت، 1994م، الفصل الثاني ص45-69)، إن مقاربات فوكو للسلطة جديرة بالنظر وهي محاولة لتحليل وتفكيك طبيعتها الملتبسة، وما يهمنا هو تأثيرها في الفرد بالهيمنة الطوعية، إذ يقوم الفرد بالسعي لإخضاع نفسه تحت سلطات الدولة الحديثة بكل رضا ومن دون تفكير.

ثانياً: بناءً على ما سبق، نشعر أن سلطات الدولة الحديثة تدخلت في الهيمنة الشمولية بنعومة، وبقيود حريرية، وجعلت المواطن بطواعية يسعى لتنظيم ذاته داخل أطرها ويتقولب بتشريعات تحكم علاقاته حتى داخل بيته، وتغزو هوياته، حتى الخاص منها، وتتحكم في رغباته حتى المتخفي منها عن أعين الناس، أمام هذه الحال، نعود للسؤال الأول: هل يحق للدولة أن تراقب وتتحكم في أخلاق الفرد الذاتية؟ إذا نظرنا إلى منطق الدولة وسلطاتها، فسنقول نعم، ولا بد من أن يدخل هناك معنى الحفاظ على الشأن العام، علماً أن المقصود بالأخلاق الذاتية للفرد تلك الأخلاق التي لا يتضرر من الإخلال بها سوى صاحبها، ومثلها المنكرات الفردية التي تدخل المجال العام من دون ضرر أو أذية تصيب أحداً من الناس، مثل مخالفات الفرد في اللباس أو الهيئة كحلق اللحية، وشكل الحجاب والعباءة للمرأة، أو عدم الصلاة مع الجماعة في المسجد، أو الإفطار في رمضان، أما إذا نظرنا إلى المجال الأخلاقي الإنساني وطبيعة التعاطي معه، فإن الخيار الآخر للرقابة هو للمجتمع ومؤسساته المدنية بعيداً من الدولة وأدواتها السلطوية، وأمام هذين الخيارين، نتساءل أيهما أنفع في الإصلاح والمعالجة أو الرقابة على الفرد في هذا المجال، منطق الدولة أم منطق المجتمع؟ هذان الخياران هما أدوات الضبط الخارجي للفرد، بينما الخيارات الأخرى تكمن في الضمير والوازع الإيماني الداخلي، لهذا تتراوح المقارنة بين هذين الخيارين الظاهرين، فلو رجحنا خيار الدولة في رقابتها على الفعل الفردي الأخلاقي فإنها ستنجح في القدرة على إخضاع الفرد على الاستجابة طوعاً وكرهاً، وقد يكون ذلك التطويع وفق الأطر الديموقراطية وأحياناً من خلال ذراع الدولة الديني، بينما الطبيعة الأخلاقية لا تستجيب للقهر دائماً، والصلاح الفردي لا يتهذب بالتخويف العقابي في كل حال، وهذا ما يفتح الأبواب السفلية للفرد ليعيش بوجهين، أحدهما يرضي سلطة الدولة، والآخر يرضي نزعاته النفسية وعناده الرغبوي. وتظهر ملامح هذا النفاق عندما تنفك الدولة عن رقابتها لفئة ما، أو لظرف استثنائي، أو عند السفر خارج الحدود الرقابية، بينما تظهر منافع سلطة المجتمع لوقامت بالرقابة على المجال العام للأخلاق ومارست رقابتها على الفرد، والتي لن تكون قاسية في التعاطي، بل ستتجه نحو النصح بدلاً من التهديد، والاقناع بدلاً من الإخضاع، والتزكية بدلاً من فرض المزيد العقابي، وهذا الفرق المهم في النتيجة مبنيٌ على أن أدوات الرقابة المجتمعية هي الوعظ والكلمة والبرهان فحسب، وقد تتحول تلك الممارسات التهذيبية إلى مؤسسات مجتمع مدني احتسابية، تهتم بالفرد والجماعة وتحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود إمكاناتها المصلحية، ولكن بلا أي أداة عقابية على ما مضى من فعل منكر، لأنها من خصائص القضاة، ولا الزجر على المتوقّع حدوثه لأنها من خصائص ولاة الأمر، فلا يبقى حينئذ إلا وسائل التغيير الناعمة. (أنظر: إحياء علوم الدين للغزالي، مع تخريج العراقي، طبعة دار الكتب العلمية، 2/352)، وهذه الممارسة المدنية بالنصح والإرشاد هي ما يصلح لمعالجة الخطأ الفردي وتنمية المعالجة الحقيقية للنفس البشرية، أما في حال تنامى الخطأ وتعاظم شره ودخوله دائرة التأثير السلبي على بقية أفراد المجتمع، فحينئذ ستكون المعالجة أمنيةً وعقابية، لا مناص فيها من تدخل الدولة، لاجتثاث الخطر المهدد سلامة الجميع.

ثالثا: إذا سلّمنا بجدوى رقابة المجتمع على الفرد أخلاقياً، وأنها الحال الأمثل لصلاح الفرد واستقرار المجتمع، وبالتالي التخفيف على الدولة في بعض مسؤولياتها المرهقة وذات العواقب السلبية على مستوى المواطنة والولاء، في حال استساغت الدولة تقحّم مجال الإنكار على الأفراد في كل خطأ وشبه خطأ، هذا التفريق الدقيق بين المجتمع والدولة، لا يعني إخراج الأخلاق من رقابة الدولة على المجال العام، والتي قد يصفها البعض بالعلمنة، بل في حماية الفرد من النفاق وعدم تسييس قيمه والتحكّم فيها، فالمهمة الإصلاحية للمجتمع لن تلغي نهائياً دور الدولة، وإنما ستخرجها من المباشرة والمواجهة الصلبة مع أفرادها، إلى الرقابة العليا والمتابعة غير المباشرة بوصفها الأخ الأكبر للجميع. وقد يقودنا هذا التفريق إلى طرح السؤال الشرعي لأصل هذا الفصل بين تدخل الدولة في المجال العام وعدم تدخلها في المجال الفردي الخاص؟ وللإجابة عن هذا التفريق، يحسن التأكيد على المعنى العميق الذي جاء في القرآن الكريم مؤكداً أن خيرية الأمة والدولة في العناية بالأمر والنهي الأخلاقي، يقول تعالى: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (آل عمران 110)، كما أن اللعنة والنهاية السُننية قد تقع على من يفرّط في حفظ نظام الرقابة الأخلاقية، كما في قوله تعالى :» لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ، لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»(المائدة 78 ،79). فهذه المجتمعات المقصرّة في دورها الرقابي على الأخلاق استحقت اللعنة وما يتبعها من هلاك ، وهذا المآل منطقي، لأن ترك المنكرات تستفحل من دون مدافعة أخلاقية يورث الفوضى والتغالب وانعدام الاستقرار ومن ثمَّ الضعف والانهيار، ونظراً إلى علو هذا المقصد المتعلق ببقاء الدولة واستقرارها كان من المفيد أن تتكامل كل الأدوار وتتضافر جميعها لحفظ نظام القيم من الانهيار، بتحفيز المجتمع على هذا الدور الصالح له، علماً أن هذا الدور الرقابي للمجتمع، كان من مهمات الأمة في عبارات الفقهاء، ففي إحياء الغزالي تأكيد لسلطة المجتمع في الاحتساب على المنكرات، في كل مراتبها من التعريف إلى التعنيف، وحتى استخدام القوة في الإنكار رجّح عدم الحاجة لأذن السلطان! (إحياء علوم الدين 2/361) وهذا الأمر لا يستقيم في الدولة الحديثة، وقد يولد فتنا لا تسكن وأضراراً لا تنتهي في حال سُمح للأفراد بمزاولة الإنكار باليد من دون إذن الحاكم، أما ابن تيمية فله نظر مختلف وغير تقليدي في عمل سلطات الرقابة والاحتساب على المنكرات، إذ يرى أن جميع الولايات في الدولة إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (مجموع الفتاوى 28/81، طبعة الرياض) فالمقصد الحقيقي من وراء الولايات أياً كانت، الأمر والنهي، ويرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملزم لكل قادر عليه وفق الاستطاعة، مع ضرورة العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده، لكن ما برع فيه ابن تيمية أن جعل معيار الأمر والنهي مرتباً على ميزان جلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا قد يتغير وفق الزمان والمكان والحال، فلا يجوز أن يتحول فعل المعروف إلى منكر بسبب الغلظة والشدة أو سوء التقدير (انظر: المرجع السابق 28/129) ثم إنه نصّ على أن: «عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع» (المرجع السابق 28/68)، فإذا كان مقصود هذه السلطات الإصلاح فإن وسائل ذلك الاحتساب متروكة لنظر الناس العقلي وأعرافهم المقبولة في تحقيق هذا المقصود، ومن ثمَّ يشعر المتأمل بأن ممارسة المجتمع دوره التاريخي –كما كان سابقاً- في التعليم والإفتاء والصحة والرقابة الأخلاقية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جلبت معها مصالح الاستقرار والأمان النفسي والمجتمعي، لذلك يجب تكرار هذا الدور وتسويغه وتمكينه من العمل، علماً أن سلطات المجتمع الرقابية حتى تستطيع أداء دورها المطلوب لا بد من أن تتكامل مع سلطات الدولة العليا من دون أن تتقاطع أو تتزاحم.

يتضح مما سبق أن هذا التنظير قد يراه بعضهم غير واقعي ومثالي في معالجته، ولكن إثارته في التفكير وتقريبه للتنزيل واجب مفاهيمي، وحتى لو كانت المبادرة لإقراره مشروطة بموافقة السلطة السياسية، فإن حاجة السياسة اليوم ومرونتها قد تكون أقرب للقبول من معالجات بعض الفقهاء وتقولبهم وفق نصوص تراثية خضعت لسياقات ظرفية ولكنها مع الزمن والتعصب تصبح قواطع لا تلين أو تتغير، وصحة أي مجتمع ونهضته وسلامته، إنما تنمو وتزدهر من خلال تجدد النظر ومرونة البحث عن أفضل الخيارات المحققة لأمنه وسلامته، ومن تصلّب على ماضيه لأنه ألِفه واعتاده، غالباً ما يأتي متأخراً أو يتآكل مع الزمن!

المصدر: 
جريدة الحياة
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.