نحو فقه مواكب لمستجدات العصر

الأربعاء, January 13, 2016
كاتب المقالة: 

لقد أفسح الفقه الإسلامي التقليدي المجال لبروز حركات إسلامية مشبوهة؛ تستخدم أدوات العصر، مرتدية في الوقت ذاته عباءة الماضي، ومتحدثة بخطابه الذي تجاوزه الزمن، مما مكنها أن تجتذب بأدواتها العصرية شباناً متهورين يعشقون المغامرة، وجعلها في الوقت ذاته مطية للقوى الاستعمارية الداعمة لإسرائيل؛ عسكرياً بتحويل اتجاه بندقيتها إلى الداخل، وفكرياً بتقديم أبشع صورة عن الإسلام إلى العالم؛ تحجب عنه نوره، وخطابه الإنساني الحضاري؛ بوصفه الرسالة السماوية الخاتمة..

وعلى الرغم من الجهود العظيمة المشكورة التي قام بها مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والقرارات التي أصدرها في عدد كبير من القضايا المستجدة كأطفال الأنابيب، ونقل الأعضاء، فما يزال خطاب الفقه الإسلامي تقليدياً، ماضوياً، عاجزاً عن تلبية احتياجات الناس المستجدة.. حتى أنكروا بعض مصطلحاته، واستعجمت عليهم بعض مفرداته..

فلم يفهموا -في عصر التحاليل المخبرية والمطهِّرات الفعالة- المقصود من القلتين اللتين لا ينجس فيهما الماء، وأحجارِ الاستجمار، والغسلِ سبع مرات إحداهن بالتراب.

واستغلق عليهم الذراع والباع والجريب، والصاع والوسق والقفيز، وما إلى ذلك من مقاييس القرون الخالية التي هجرت.

ولم يدركوا معنى لبنت المخاض وابن اللبون والتبيع والحقة والجذعة، وغيرها من أنصبة الزكاة ومستحقاتها التي كانت لها في عصر الرعي والزراعة، ولم يعرفوا لها علاقة بنشاطاتهم الاقتصادية الراهنة.

واستغربوا الحديث عن القن، والمكاتَب، والمدبَّر، والمبعَّض، وأم الولد، وغير ذلك من أنواع الرق وملك اليمين؛ التي غطت أحكامُها مساحة واسعة من كتب الفقه، على الرغم من إلغاء الرق في العالم كله.

لقد آن الأوان للفقه التقليدي أن يجدَّد جذرياً ومنهجياً، وأن يضع حلوله لمشكلات العصر المتسارعة في التغير؛ متجاوزاً بها فقه المذاهب وشروحه وحواشيه- وهي جهود بشرية خاضعة لظروف الزمان والمكان واختلاف العقول- إلى مصادره الأساسية من القرآن المتعالي فوق حدود الزمان والمكان " لا تنقضي عجائبه ولا يَخِلَق من كثرة الرد"، والسنـــــــة التي شـــــــــكلت التطبيـــــــق النموذجـــــــي الأول لتعــــــاليمه (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر 59/7].. تلك المصادر التي حجبها الفقه التقليدي قروناً طويلة من التخلف والركود الحضاري، وحل محلها!!

(فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة 9/122].

لولا نفر من علماء الأمة من سائر التخصصات الدينية والفلسفية والعلمية والاجتماعية، ليضعوا لها فقهاً جديداً؛ متحرراً من المذهبية والطائفية، ومن الصراعات التاريخية التي فقدت مبررات وجودها ومن كل مناهجه وأبنيته التقليدية!!

لقد آن الأوان!!

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

  

 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.