هلال الصوم: ملف طال أمده، وآن لنا طيه

الأحد, June 5, 2016
كاتب المقالة: 

هل أثبتوها عندكم؟سؤال ما تزال أسلاك الهاتف تلتهب به كلما أقبل رمضان أو استعد للرحيل.وحيرة تتسمر لها الأعين على التلفاز، تقلبه من قناة لأخرى، تحرياً لجواب يترتب عليه تغيير جذري في برامج الحياة اليومية للمسلمين.

الصبية ومعدو ألعابهم، وبعض من أرهقهم صوم رمضان، يتوقون إلى ولادة متعجلة لهلال شوال، بينما أهل الأسواق تدق قلوبهم متمنين له ولادة عسرة تكسبهم يوماً إضافياً من أيام التسوق المحموم قبل عطلة العيد.

إنها ولادة القمر؛ التي ما تزال عندنا مرهونة برؤيته البصرية الحسية؛ يشهد بها شاهد يصوم الناس بشهادته، ثم يحتاجون إلى شاهدين لكي يفطروا..

ونتيجة لإصرار المسلمين على ربط هذه الشعيرة العظيمة من شعائر دينهم، بالرؤية البصرية الحسية، يخبرهم بها شاهد متطوع لم يكلفوه، ولم يزود بأي أداة للرصد..   

فإن مأساة، أشبه ما تكون بالملهاة في الوقت ذاته، تتكرر في العالم الإسلامي كل عام، تثير الضحك ،إن لم تثر الدهشة والاشمئزاز، أو الرثاء لحال هذا العالم الإسلامي.

فعلى الرغم من كون القمر واحداً من الأجرام السماوية التي تدور في أفلاكها بقدر ونظام دقيق محسوب ]لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون [ [ يس36/ 40].

وعلى الرغم من أن العلم قد رصد حركة النجوم في أفلاكها، وحدد أبعادها، وقدر مواقيتها بدقة متناهية تبلغ أجزاء الثانية، تحرك بموجبها لغزو الفضاء، فكان القمر أول محطة تطؤها أقدامه فيه.

وعلى الرغم من أن الإنسان المسلم تلقى بالقبول حسابات علماء الفضاء عن كسوف الشمس وخسوف القمر فضلاً عن مواعيد ولاداته الشهرية، وأنه أقبل على دراستها وتعليمها أبناءه من دون أي تحرج أو ارتياب.

وعلى الرغم من أن المسلمين قد طبقوا الحسابات العلمية على مواقيت الصلاة، وهي عبادة أعظم شأناً وأكثر تكراراً في حياتهم اليومية من عبادة صوم رمضان ، فراحوا يؤذنون للصلاة بحسب جداول زمنية محددة بالدقيقة لكل صلاة، من دون أن يتبينوا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ومن دون أن يستخدموا أدوات الأقدمين في تحديد بقية المواقيت بحسب ظلال الشواخص. بل إنهم يعتمدون هذه الحسابات حتى في صيامهم يومياً عند إمساكهم وإفطارهم.

وعلى الرغم من أن فقهاء المسلمين قديماً وحديثاً قد أشبعوا مسألة هلال رمضان بحثاً؛ عقدوا لها الندوات والمؤتمرات، وحاضروا وكتبوا، وبينوا أن الرؤية العلمية أدق من الرؤية البصرية التي تعتريها عيوب خداع النظر وضعف البصر وعوائق الرؤية وسائر العوامل الفيزيولوجية والجغرافية، مثلما بينوا أن ربط الصيام بالرؤية الحسية البصرية للهلال حكم زال بزوال علته التي بينها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وأصدر حكمه على أساسها "صوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته" فلو أن الأمة في زمن الرسول كانت تكتب وتحسب، وكان عندها حساب فلكي مضبوط ومتيقن لا شك فيه، لاعتمد عندئذ هذا الحساب الفلكي، وسيكون بالإمكان اعتماده متى أصبحت الأمة تكتب وتحسب.  

على الرغم من كل ما ذكر فإن المسلمين في مطلع كل رمضان وعند أفوله؛ ما يزالون مختلفين؛ بعض يفطر وبعض يصوم؛ بعضهم يصوم مع المدفع، أي أنه يربط عبادته بالإعلان الرسمي من الحاكم، وبعضهم يصوم مع شيخه، وبعضهم يرى أنه متعبَّد من الله تعالى بشخصه فهو يصوم بقناعته التي يطمئن إليها.

وهكذا رحنا نرى بلدين متجاورين؛ أحدهما أثبت الشهر والآخر لم يثبته، والناس على تخومهما صائم ومفطر.. وفي البلد الواحد أناس يتبعون المدفع، وآخرون يتبعون الشيخ، فتتعدد مواقفهم بتعدد الشيوخ والمذاهب، وزمرة تدور مع الحديث الشريف: " استفت قلبك وإن أفتاك الناس أفتوك".. وربما حدث هذا التمزق في الأسرة الواحدة؛ في عبادة من أهم مقاصدها اجتماع الأمة، بله الأسرة، على إيقاع واحد، يتغير معه نمط حياتها ومعيشتها ومواعيدها وأشواقها واهتماماتها.

والاختلاف ذاته يقع في المهاجر على مرأى ومسمع من أهل الملل الأخرى، يرون المسلمين كيف يخفقون في الاتفاق على الدخول في عبادة ترمي إلى توحيد موقفهم، وكذلك على الخروج منها، فأنى لهم أن يحظوا بالاحترام لديهم.

]ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون[ [ الحديد57/16].

ألم يأن للمسلمين أن ينفضوا عنهم غبار الجمود والتقليد والوهن والكلالة والعجز، ويحزموا أمرهم على رأي واحد؟!

وإذا كان اختلافهم فيما يمكن أن يكون موضع خلاف، مقبولاً، فهل يجوز أن يكون القمر الذي يدور في فلكه بحسبان موضع خلاف بينهم؟ هل قد اقتربت ساعة المسلمين فانشق لها قمرهم، فكان لكل شيعة منهم قمر يخصها؟!

" لقد كتبت آلاف الصفحات ومئات المقالات والبحوث والكتب تعالج مشكلة إثبات بدايات الشهور القمرية، لكنها بقيت عاجزة عن ذلك ". [ عبد الرحمن الحاج – جريدة الحياة 29/10/2005] .

أهو الانفصام بين القول والعمل الذي ينتاب الأمة عندما تتردى في حمأة التخلف والسقوط الحضاري فتفقد فعاليتها؟! أم هو التسييس والاستتباع الذي يدفع البعض للإمساك بزمام إثبات الأهلة وتسيير الناس على هواه وحساباته الخاصة؟!

أياً كان السبب فقد آن للمجتمع المسلم أن يستعيد زمام المبادرة، وأن يرفع عن الأمة عار الجمود، والعجز عن تسخير العلم لخدمة دين الله وشرعه، وأن يتخلص من حالة الفوضى التي أريد له أن يستمر عليها، فيعمل بما اطمأنت إليه نفسه من أقوال العلماء الأجلاء، ويضع هذه الأقوال موضع التنفيذ.

ولئن تدرجت قرارات المؤتمرات والمجمع الفقهي من رفض الحساب الفلكي، إلى الاستئناس به، إلى قبوله في نفي الثبوت، إلى قبوله عند تعذر الرؤية.. وإلى أن يتحقق حلم الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله في اعتماد الرؤية العلمية بديلاً أكثر وثوقاً وتيقناً من الرؤية البصرية..

فلا أقل من أن يعمل المسلمون برأي الجمهور الذي أورده الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته الرائعة (الفقه الإسلامي وأدلته) [ ص 1662]، من أنه إذا رآه أهل بلد، لزم أهل البلاد كلها [نيل الأوطار للشوكاني:4/195].

ثم إن الشيخ الزحيلي عقب على رأي الجمهور هذا بقوله: وهذا الرأي هو الراجح لدي، توحيداً للعبادة بين المسلمين، ومنعاً من الاختلاف غير المقبول في عصرنا، ولأن إيجاب الصوم معلق بالرؤية، دون تفرقة بين الأقطار.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.