هند العيتي: خمسون ألفاً فقط.. قصة قصيرة

السبت, July 31, 2010
كاتب المقالة: 

  (أحتاج سبعة أشهر كي أقتطع من راتبي ثمنا لمثله) أما الحذاء!.. وتكفهر ابتسامة على شفتيها:

(ربما سأشتري فردة في شهر، وفي الثاني الفردة الأخرى)  

خمسون ألفا فقط

و أخيراً لفظتها عيادة الطبيب الأنيقة مرة أخرى إلى صخب الشارع و ألوانه.. يدها بيد صغيرها.. ركبا موجة زحام وضاعا في لجتها. طفل وامرأة...امرأة تلاشت.. إلا من أفكار تتقاذفها، ويد ٍتضغط بشدة على كفِِ ّ طفل أنهكه السعال...

(لم كل هذه القائمة من الفحوصات؟.. طفل يسعل.. كل ما يحتاجه هو دواء آخر) تركض الأفكار في رأسها.. تلهث.. تتباطأ.. وصغيرها وتخلفهما موجة الزحام على حافة الرصيف، يشدّها صغيرها اللاهث من كمِّها:

(ماما بدي أكلة طيبة)

(على عيني يا روح ماما)

 تشتري له واحدة من تلك البضائع المهربة.. تركل جانباً نصائح زوجها الصحية والاقتصادية.. يقضم طفلها حلواه بتلذذ، ويستريح سعاله. يشتد صخب الألوان.. يسرق عينيها إلى ثوب فاره ارتدت صاحبتها مثله بالأمس.. تطير الأرقام الخمسة المتربعة تحته لتحط في عقلها في معادلة رياضية بسيطة:

(أحتاج سبعة أشهر كي أقتطع من راتبي ثمنا لمثله) أما الحذاء!.. وتكفهر ابتسامة على شفتيها:

(ربما سأشتري فردة في شهر، وفي الثاني الفردة الأخرى)

يعاود سعال صغيرها.. يقضم القطعة المتبقية من حلواه.. تمسح وجهه وكفيه المتسخة بالحلوى والرذاذ، ودون أن توبخه هذه المرة... وإلى أول حافلة يصعدان معا.. تنكمش وطفلها في مقعد بينما تسمح لمارد حنق أن يتمدد في صدرها.. تستجير بغضبها من قلقها.. تنفث فيه ليشتدّ ويكبر.. علّه يقلم أظافر ذلك الخوف الذي بدأ ينهش في صدرها.. يسترخي صغيرها وينام بين ذراعيها، ينتصب مارد حنقها...

( إلى متى هذه العيشة.. كل شهر لهاث وراء الأقساط والديون...)

كل يوم وقائمة المشتريات التي تتمناها تزيد ولا تنقص...

(لم لا يدبر حاله كما يفعل الآخرون)

تتذكر يوم جلست ذات مساء تجمع وتطرح وخلصت إلى نتيجة ألقتها في وجهه:

(كل ما أحتاجه خمسون ألفا فقط لوهبطت علي من السماء لاشتريت كل حاجاتي في يوم واحد وكففت عن المطالبة)

يومها توقف عن مطالعة صحيفته الصفراء ورمقها من تحت نظارته باستغراب حقيقي: (أتنفقين خمسين ألفا في يوم واحد؟!)

صعقها استغرابه فردت له الصاع صاعين:

(بالله عليك في أي زمن تعيش أنت، ألم تسمع أبدا من هنا أو هناك أن مبلغ خمسين ألفا هو مرادف لكلمة مبلغ تافه، وإذا لم تسمع فإن خمسين ألف عند البعض لا تكمل ثمن فستان وحذاء)

لم يخرج عن هدوئه وهو يعود إلى صحيفته قائلا لها:

(لا لم أسمع ، ربما لأنني لست من أولئك...البعض!) تتنهد وهي تتذكر كيف تركت له الغرفة يومها وهي تتمتم:

(يا ليتك كنت) .

تحمل صغيرها ثانية وتدلف به البيت هدير صدره اللاهث يشتد صراخ سعاله يجرح صدرها يدميه.. يتكسر غضبها وحنقها ويتمدد قلقها مارد يفترشها يلهو بها ويحولها إلى كتلة بائسة تصارع اليقظة وتصارع المنام.

ومرة أخرى في عيادة الطبيب عيناه تقبلان وتدبران وأوراق بين يديه يعبس ويبسر و يثقل الهواء في المكان الأنيق ويكاد يخنقها عطره الرتيب ووجهه المهيب والهدوء المريب ‘ تزأر اللبؤة في داخلها.. تتمنى لو تختفي وشبلها من هذا المكان ، تتمنى لو تخطفها الطير أو تهوي بها الريح في واد سحيق.

وإلى لجة الزحام هوى الثلاثة.. امرأة لم يعد في شارعها صخب ولا ألوان.. لم يعد في سمعها في عينيها سوى كلمات.. كلمات يتوسطها حرف العين، وحرف العين كما علمته لصغيرها، فم كبير يبتلع  وكلماته اليوم (خزعة وجرعة وعلاج) تبتلع ماضيها وحاضرها وتومئ  إلى قيعان ٍ من العذاب.

ورجلٌ يخفق لأول مرة في أن يحوّل الأمرَ برمته إلى تهمة يلقي بها على كاهلها ويستريح، رجلٌ بات يبتلع الكلمات غصصاً غصصاً تتكور في حلقه.. تتحدب بين كتفيه، وطفلٌ لم يعد يدري من أمره شيئاً، سوى أنه بات مشدودا إلى كفّي عملاقين بائسين يضغطان بشدة على كفيه، وأنه بات يسعل أكثر ويلهث أكثر، وأن طريق البيت باتت طويلة طويلة...

وفي إيقاع آخر لحياتها.. امتزج العذاب بنوع من الدعة في مزيج غريب.. آلاف من الليرات دُست في جيب زوجها وآلاف أخرى في حقيبة يدها، زميلات العمل شاركنها أجورهن، جارات الحي تناوبن في أعباء البيت والأولاد، نفقات علاجه في الخارج تكفل بها واحد من أولئك.. فمرض خبيث لطفل بريء يجعل أكثر القلوب قسوة؛ أكثرها رحمة، ولكن المرض لم يعد خبيثاً، ولم يعبث بجسده الطري طويلاً فأراحه ومضى...

ومضى زمن ثقيل تعودت خلاله أن تتنفس في فراغه، وأن تسمع دائماً صمت سعاله، وأن يبقى فراشه مرتباً وحذاؤه نظيفاً وأقلامه الملونة غير مكسورة، وخلال هذا الزمن بقيت الآلاف الخمسون مرمية في درج مهجور، واكتست قسماتها برضا عجيب...

هند العيتي

 

 

------------------

دار الفكر تشكر الأستاذة هند العيتي لتقديمها هذه القصة لنشرها على الموقع في باب "القصة القصيرة"

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.