واقـع حـقـوق النشـر في الوطن العربي

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

حقوق النشر في الوطن العربي مصونة:

مصونة شرعاً بموجب قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (5) د5/9/1988م الذي نص في مادته الثالثة على أن " حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها"...

مصونة قانوناً؛ معظم الدول العربية قد استكمل إصدار قوانينه لحماية الحق الفكري؛ محدَّثةً أو هو منهمك في تحديثها، تحت سياط متطلبات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية من خلال اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (تريبس)، التي أصبحت واجبة التطبيق في معظم البلدان العربية اعتباراً من 1/1/2000م، والتي تلزم الدول الوطنية باتخاذ كل التدابير والتشريعات اللازمة لحماية الإنتاج الفكري الأجنبي ضمن قانونها الوطني.

مصونة عربياً؛ معظم الحكومات العربية استكمل توقيعه على الاتفاقية العربية لحق المؤلف.

لكنها مضيعة ميدانياً في مجال التطبيق، وأخلاقياً في ضمير المجتمع، وتربوياً في مناهجه وبرامجه التعليمية، وثقافياً في سلوك الفرد وعاداته وتقاليده..

لا يشعر أحد عندما تمتد يده لشراء كتاب أو قرص مقلَّد أو لاستخدام برنامج منسوخ، بأيِّ ذنب كالذي يشعر به عندما تندس يده في جيب آخر، ليسرق ماله، أو يقتحم على إنسانٍ بيته ليسرق متاعه.

وفي ظل ثقافة استباحةٍ سائدةٍ لحق المؤلف كهذه التي تسود في الوطن العربي، لا يمكن لأكثر القوانين تشدداً، ولأشد إجراءات الحماية قسوة أن تأتي بخير في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية فإذا كان السعر الأرخص، وليس الحق، هو المعيار لدى المستهلك؛ فرداً كان أو جماعة أو شركة أو مؤسسة أو وزارة أو منظمة، فإن القرصنة هي السبيل الأقرب والأسهل لتوفير هذا السعر الأرخص، ولسوف يصفِّق المجتمع للقراصنة ويَعُدّ سطوهم على المنتَج الفكري خدمة ثقافية جليلة تخلصه من جشع المنتجين الأصليين، وتيسر العلم لطلابه وتنشر المعرفة بين الناس بتكلفة زهيدة تقترب من المجان.

وإذا كان حق المؤلف مستباحاً في ضمير المجتمع؛ لا يعده مكافأة واجبة لعمل فكري يستحق الأجر، فإن هذا المجتمع لن يبحث عن الوسائل المشروعة لتخفيض ثمن المعرفة ونشرها بين الناس، مثلَ توفير الدعم المالي للأعمال الفكرية ومراكز البحث العلمي، ومثلَ التفاوض مع الناشر والمنتج للحصول على تخفيضات كالأسعار التفضيلية التي حصلت عليها الإدارة العامة السعودية لحقوق المؤلف وبلغت 90% للمؤسسات التعليمية والطلاب والباحثين وللجمعيات الخيرية، ومثلَ النشر الإجباري والترجمة الإجبارية بالسعر العادل، ومثلَ الاتفاقيات الثنائية بين الدول لتشجيع التبادل الثقافي بينها. وكذلك الاتفاقات بين دور النشر للقيام بنشر مشترك أو إعادة النشر في نطاق جغرافي محدود؛ كالذي فعلته الهند مع ناشري الكتب المدرسية والجامعية في أوروبا وأميركا، ووفرته في بلادها بأسعار رخيصة، ثم الاستفادة من الاستثناءات والمساعدات التي تقدمها المنظمات والمؤسسات الثقافية الدولية.

ومن عجب أن المجتمع العربي تقبل حماية الحقوق الفكرية المترتبة لبراءات الاختراع وللرسوم والنماذج الصناعية وللعلامات التجارية التي تستمد قيمتها من الإعلان والدعاية المركزة، فتقبَّل حماية علامات نستلة وكوكا كولا وليبتون ومالبورو وبيبسي كولا، وكلها ملكيات صناعية يتم استثمارها مادياً بشكل يتجاوز حدود المعقول، ولم يتقبل حماية الحق الفكري المترتب للإبداع العلمي والأدبي والفني من المصنفات في العلوم والآداب والقصة والشعر والمسرحيات والموسيقى والرسوم والمنحوتات،ولم يدخل في وعيه أن هذا الإبداع إنما هو نتاج عمل فكري أسمى وأرقى وأجدر بالحماية من العمل اليدوي.

وحين نتذكر أن الإنسان منذ عصوره الأولى كان يكافح ويُعمل فكره لكي يتحرر من عمله اليدوي، ويريح عضلاته باحثاً عن الطاقة البديلة في كل مكان، ليجدها في النار والريح والعجلة والبخار والفحم والنفط والشمس، وأن عمالته العضلية كانت تتناقص دائماً لمصلحة عمالته الفكرية، كلما اكتشف مزيداً من الطاقة، وأنه الآن يجتاز منعطفاً حاداً ينتقل به من اقتصادات الزراعة والتجارة والصناعة، إلى اقتصاد المعرفة الذي يقوم على وفرة المعلومات والقدرة على توليدها وتنميتها، وأن صناعة المعلومات لا تحتاج إلى مصانع ضخمة ومداخن شاهقة، بقدر ما تحتاج إلى إعمال عقل وفكر، وأن اقتصاد المعرفة هذا يضع جميع الشعوب والأمم على عتبة سباق واحدة، ويتيح لها فرصاً للتفوق متكافئة، لأن مادته الأولية هي الفكر، والفكر مشاع بين الشعوب موزع بينها بالتساوي، خلافاً لاقتصاد الصناعة الذي يستمد مادته الأولية من التراب، والتراب يتفاوت غنىً وفقراً بين الشعوب.. حين نتذكر ذلك نعرف كم لحماية الحق الفكري للمصنفات الأدبية والفنية من أهمية في عصر المعلومات.

ومن المؤسف أن قوانين الحماية وإجراءاتها لم تستطع أن تقدم للحد من أعمال القرصنة الفكرية شيئاً يذكر، بل زادت من تفاقمها وتعملقها، إلى حد بلغت فيه نسبة المبيعات المقرصنة إلى حجم المبيعات الثقافية في تقديري 65% للكتاب و 90% للبرامج الإلكترونية.

فبالإضافة إلى ما كان الغطاء الاجتماعي المشبع بثقافة الاستباحة للحقوق الفكرية يوفره لها من فرص الإغضاء والتستر والتشجيع والترحيب وأفضلية التعامل، هنالك الخبرة المكتسبة لديها، بسبب طول التمرس بإخفاء الجريمة والالتفاف على القوانين والتهرب من مواجهتها وإطالة أمد المحاكمات وتسويفها، يقابلها لدى أصحاب الحقوق من المؤلفين والناشرين إحباط ويأس من جدوى اللجوء إلى المحاكم، فضلاً عن صعوبات الإثبات، والعجز عن ملاحقة جرائم القرصنة، التي غالباً ما تذهب بعيداً عن الأعين؛ إنتاجاً وتخزيناً وتوزيعاً، والغموض في عقود النشر التي غالباً ما تكون شفهية اعتماداً على الثقة القائمة بين المؤلف والناشر، كما يقابلها لدى القضاء ضآلة في التجارب والاجتهادات القضائية، وقلةُ اكتراث ناجمة عن عدم الاقتناع الكافي بالحق الفكري.

وهنالك القدرة الكامنة لديها على الاستفادة من التكنولوجيا بأسرعَ مما يستفيد منها المنتجون الأصليون، فقد أتاحت تكنولوجيا الطباعة والتصوير والنسخ فرصاً للتقليد وفك الحمايات يصعب ملاحقتها، حتى بات شعار (التكنولوجيا تحميها التكنولوجيا) بلا معنى، وبات الاحتياط للتهرب من تطبيق القوانين أسرع من محاولات تحديث القوانين.

وهنالك الفرص التي تقدمها لها المؤسسات الرسمية الثقافية والتعليمية حين تطرح مناقصاتها مشروطة بالسعر الأرخص من دون أي اشتراط للالتزام بالحقوق الفكرية، وهو ما يضمن لها الفوز بها، وإخراجَ الناشر الأصلي من حلبة المنافسة، لأنه ملتزم بأداء حقوق المؤلف، ومحمّل بأعباء إعداد المنتَج، والقراصنة متحررون من كل ذلك حتى إننا لنستطيع أن نقول بكل ثقة أن هذا التصرف من المؤسسات الرسمية قد أسهم إلى حد كبير في تشكل مافيات القرصنة في الوطن العربي وفي نموها وتفاقمها.

وهنالك القدوة غير الحسنة للقرصنة التي تضربها المؤسسات الثقافية من وزارات للتربية والتعليم العالي وللثقافة، ومن مجالس وطنية، تعفي نفسها من الالتزام بحقوق المؤلف، متذرعة بشرف المقصد ونبل الغاية؛ تطبع من دون حق، وتترجم وتنشر من دون إذن، فيما يمكن أن نطلق عليه اسم (قرصنة الكبار)،وللكبار في بلادنا حصانة ضد القانون، الذي إنما يسنُّ ليطبق على الصغار والضعفاء.

ثم إن للقانون دوراتٍ يصحو فيها لحظات ثم يغفو طويلاً، فيحني القراصنة رؤوسهم لعاصفة صحوة ريثما تمر فوق رؤوسهم بسلام، ثم يستغلون فترات غفوته الطويلة ليعتصروها حتى الثمالة.

وهاجس الأمن الثقافي عند أولي الأمر من رعاة الشعوب لدينا، أقوى من هاجس الحق الفكري وتنمية الإبداع، فهم يهتمون بحراسة فكر المجتمع، يقيمون له رقاباتٍ تفرض وصايتها على الأفكار، مخافة أن يتسرب منها ما يعكر هدوءه، فإذا ما لاحظوا فكراً يُحلِّق خارج السرب، أو صوتاً نشازاً يغرد بمعزل عن الجوقة، أو حصاة ترتمي في المستنقع فتنداح من حولها الدوائر، سارعوا إلى حماية المجتمع منها، لائذين بكل ما وضع في أيديهم من وسائل الحجر والمنع والقمع، وهم ما يزالون يمارسون هذه الهواية، حتى بعد أن أفلتت الكلمة من أيديهم وانطلقت حرة تجوب الفضاء وتسري عبر الشبكات العنكبوتية لتصل إلى كل إنسان، وتؤكدَ قدرتها على اجتياز كل الحدود و القيود والسدود..

ويستغل قراصنة النشر انشغال السدنة بهاجس الأمن عن هاجس الحق،فينقضّوا على ما تبقى في المجتمع من إبداع، بإبداع فذٍّ في التقليد والمحاكاة، ليسرقوا جهود المبدعين ويستثمروها نيابة عنهم، تاركين لهم الغصة ومرارة الصبر والإنفاق غير المحدود على مستلزمات البحث ومعاناة التفكير.. فأي إبداع يمكن أن ينمو في مناخ القرصنة، غير أن تنمو القرصنة ويضمر الإبداع، وينعم المجتمع بالهدوء والسكون يجتر تراثه، وما تصل إليه أيدي مزوِّديه القراصنة من نتاج المبدعين؟!

ففي عصر العولمة والمعلومات وحوار الثقافات أو صراع الحضارات، وما يقتضيه من تبادل ثقافي، قوامه الترجمة لكسر حواجز اللغات، تبرز ثقافة استباحة حق المؤلف لتمارس لعبتها المفضلة هذه المرة بلون جديد وأسلوب جديد وأيدٍ جديدة لم تتلوث بأوشاب القرصنة من قبل، ولا تدري أنها تنخرط في عالمها.. إنها الترجمة من دون إذن ولا حق.

فإذا بالناشر يستقبل مترجماً يعرض عليه كتاباً صدر للتوِّ في أحد مراكز الإنتاج الثقافي العالمي، ويشرح له أهميته وحاجة السوق العربية الملحة له، ويطلب منه التعاقد معه على نشره، كما لو كان هو المؤلفَ ذاتَه، فعثوره على الكتاب وترجمتُه له إبداع مستقل قائم برأسه، واهتبالُ الفرصة؛ بوصف الكتاب قضية راهنة من قضايا الساعة، لا تدع للناشر كبير وقت للتفكير في حق المؤلف الأصلي، وشيئاً فشيئاً يستمرئ الناشر العربي لعبة الترجمة من دون إذن، ويأخذ زمام المبادرة، ليتخذ له أعيناً ترصد له الفريسة عن بعد، وفريق ترجمة على أهبة الاستعداد، دونه مجموعة حنين بن إسحاق للترجمة في بيت الحكمة بين يدي المأمون.. يفعل ذلك كله هادئ البال مقتدياً بوزارات الثقافة والبحث العلمي، ومتذرعاً بعدم ارتباط بلده باتفاقات حماية دولية.

وهكذا عمت فوضى الترجمة، وتعددت طبعات الكتاب الواحد تتسابق دور النشر إليها وتتنافس عليها، ويلعق المؤلف العلقم، وخاصة إذا كان من أنصار القضايا العربية أمثال نعوم تشومسكي وتيري ماسون، وروجيه غارودي، وسبوزيتو، وكارين آرمسترونغ، وموران، وشوفالييه..

وربما حمل بعضها اسم (قسم الترجمة في الدار) لستر أسماء التراجمة المبتدئين المغمورين الذين استخدمهم وعيوب ترجماتهم، ولو أن مغامراً استهوته رغبة المقارنة بين هذه الترجمات المتعددة لخرج بالعجب العجاب، وغامت لديه الأفكار الحقيقية للمؤلف.

هكذا غرقت السوق العربية في فوضى الترجمات غير المأذونة، واضطر الناشر الملتزم بشرف مهنته أن يتعاقد مع الناشر الأصلي على أن يزوده بمخطوطة الكتاب قبل النشر، ليصدر الكتاب بلغته الأصلية وبترجمته العربية في وقت واحد، ليفوِّت الفرصة على المستبيحين، لكنه سوف يدفع الثمن غالياً: سلفةً مقدمةً غير قابلة للرد، ونسبةً على النسخ المبيعة في جملة شروط تعجيزية يتضمنها عقد الناشر النموذجي الذي صيغ وفق قوانين بلده، لا يمت بصلة لقوانين البلد المستقبل، ولا لثقافته ولا لظروفه الاقتصادية والاجتماعية، ولا لضآلة كمية النسخ التي تطبع، وضعف القدرة الشرائية لدى القلة من قراء العربية.

إنني على الرغم من قناعتي بأن تبادل الثقافات والمعارف والخبرات بين الأمم، أصبح واقعاً حتمياً ليس مجرد ضرورة، وأنه لم يعد بوسع شعب أن يتقوقع أو ينعزل مكتفياً بما في حوزته من أفكار، أو محتكراً لها يمعن في حجبها عن الآخرين، في عصر الانفجار المعرفي وطوفان المعلومات وثورة الاتصالات..

وعلى الرغم من قناعتي بقدسية حق المؤلف، وضرورة صيانته مطلقاً من دون نظر إلى جنسية أو حدودٍ جغرافية أو معاملةٍ بالمثل، أو انخراط في اتفاق دوليٍّ، أو خضوع لقانون وطني..

فإنني أرى سيل المعرفة الآن يتحدر من اتجاه واحد هو الغرب، وأن المستقبل لها على الطرف الآخر، لا يستطيع أن ينهض بتكاليفها المتعارف عليها في مواطنها، فهو لا يستطيع أن يجاري المصدِّر لها في عدد النسخ المطبوعة، ولا في فرض السعر العالي، ولا بد من مراعاة ظروفه ومساعدته على أن ينهل المعرفة بشرفٍ ومشروعية واحترام.

وبعد فإني لست هنا بصدد تفنيد ذرائع القراصنة والكشف عن زيفها، ولا بصدد سرد سلبيات ثقافة استباحة حقوق الملكية الفكرية وبيان مخاطرها، ولا بصدد إيضاح أهمية احترام حقوق المؤلف وأثره على نمو الإبداع ومستقبل الثقافة، فأنا واثق من أنني لن أزيدكم شيئاً يذكر عما هو في جعبتكم من ذلك كله..

ما أريد أن أؤكد عليه هو أن مسألة الاحترام لحقوق المؤلف مسألة حضارية تزدهر بازدهار الحضارة، وتنحسر بانحسارها، وهي شرط لازم لها، لا تقوم الحضارة بدونه.

وأنها مسألة أخلاقية، إذا نَفَذَت إلى وعي المجتمع وضمير أفراده شكلت أرضية صلبة ومناخاً ملائماً لتطبيق القوانين الناظمة لها، والالتزام الطوعي بها، والإدانة الاجتماعية لكل اعتداءٍ عليها.

ولقد ناضلنا في اتحاد الناشرين العرب طويلاً، وما زلنا نناضل من أجل ترسيخ ثقافة الاحترام لهذه الحقوق، وأخذ المواثيق لصيانتها، والدعوة إلى التحلي بأخلاق مجتمع المعلومات تمهيداً لتشكله.

لكننا نقف اليوم مشدوهين، إزاء ما يعانيه العالم من انتكاسة ورِدّة، ذهبت بكل ما أحرزه الإنسان من مكتسبات وبكل ما حققه من تقدم، وتردٍّ أخلاقي ذهب بكل قيمه ومبادئه ومصداقيته، وزيْفٍ قلَبَ المفاهيم وأفسد الموازين واقتلع الثقة، وهيَّج العداوات والبغضاءَ بين الشعوب، وأعاد الناس إلى شريعة الغاب، يحتكمون إليها فيما ينشب بينهم من نزاعات، بعد أن كانوا قد تجاوزوا هذه الشريعة، وأيقنوا أن استخدام القوة وإشعال نار الحروب والفتن لا يحل المشكلات بقدر ما يعقدها، وأن المشكلات إنما تحل على طاولة المفاوضات مهما طال أمد التفاوض، وكان الاتحاد الأوربي ثمرة هذا التحول، وشكل منعطفاً حاداً وشوطاً متقدماً في مسيرة التقدم البشري.

أي جدوى لنداء الأخلاق يطلقه اتحاد الناشرين العرب، لفرض الاحترام لحقوق الملكية الفكرية، في زمن التردي الأخلاقي الذي تتولى أميركا كبره؛فتهدم بيديها كل ما شيده الإنسان من قيم الحق والعدل والمساواة والديمقراطية وسائر حقوق الإنسان، وكل ما حققه من تقدم؟!

وماذا يبقى للإنسان من هذه القيم إذا ربُطت بالمصالح الذاتية الآنية، فلا يكون الحق حقاً ولا العدل عدلاً إلا إذا كان في خدمة المصالح الأميركية، واستجاب صاغراً للعصا الأميركية، وتحالف معها وظاهرها وسار في ركابها، وهي تتوعد بالعقاب؛ كل من تسول له نفسه أن يرفع صوته معارضاً في وجه السلطان الأميركي، إلى أن يعود إلى كنف السلطان؟!

هل يرفع اتحاد الناشرين العرب نداء الأخلاق لصيانة حقوق الملكية الفكرية في وطن يتعرض لأشرس هجمة همجية، تهدم يومياً بيوته فوق رؤوس ساكنيها، وتقتلع أشجاره على أعين زارعيها، وتغتال شبابه، وتقتل أطفاله، ثم لا يكون من سدنة النظام الدولي الجديد إلا أن يرموا الضحية بتهمة الإرهاب، ويزوِّدوا القتلة بأحدث آلات الدمار والخراب الأميركية لرفع كفايته في مواصلة عدوانه واحتلاله، وليتمكن من صد حجر الطفل الفلسطيني الذي يجمعه من أنقاض بيته المدمر، ولا يقذف به أبعد من خوذة الجندي الذي يرميه بوابل الرصاص، ويرسموا له خارطة طريق يتصدقون عليه فيها بدولة فلسطينية منـزوعة السلاح يقيمها على أرضه، في أحضان دولة محتلة مزودة بأعتى آلات القتل والدمار؟!

هل سيخفت صوت الأخلاق إلى أن يهدأ ضجيج القوة وينجلي غبارها، وتفرغ الإنسانية لإحصاء خسائرها المعنوية بعدما تداوي جراحها وتلملم نثارها من بين أنقاض الدمار والخراب الذي خلفته القوة الأميركية العاتية؟!

وما مصير العالم بعد تفرد أميركا بالسلطة والقوة فيه؟

هل انتهت به العولمة إلى الأمركة؟

هل انتهى دور منظماته الدولية ومؤسساته العالمية وهيئة الأمم المتحدة التي كانت ملاذ الضعفاء يدفنون فيها همومهم وآلامهم؟!

هل آل حوار الحضارات إلى صراع الحضارات، وتكامُل الثقافات إلى تنافي الثقافات، وآل التعدد إلى التفرد، وانتهى التاريخ عند أميركا، وقامت قيامة الإنسان، ليلاقي وجه ربه خائباً مجرداً من كل مكتسباته التي حققها عبر كفاحه المرير آلافَ السنين ليتخلص من لوثتي الفساد وسفك الدماء؟!

إننا نقرأ في جذور ثقافتنا أن للباطل جولة وتزول، وأن الزبد يذهب جفاءً ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس، وأن العاقبة لن تكون إلا للمتقين العاملين لمصلحة الإنسانية جمعاء، وأن سفينة الإنسانية ماضية إلى هدفها وفق الخريطة التي رسمها لها خالقها، لا يضيرها أن يتقدم رهط من ركابها أو يتأخر، أو يصعد إلى أعلاها أو يهبط.

ولئن سئم حاملو ألوية الحضارة الحديثة من تكاليفها، وناءوا بأعبائها ومسؤولياتها، وآثروا المصالح على القيم، وفضلوا الحق على الواجب، ونظروا إلى الظواهر وأغفلوا المسببات، وامتلكوا القوة فتعسفوا في استعمالها، ورفعوا شعارات حقوق الإنسان ثم كانوا أول من يضحي بها، ونادوا بالعدالة والمساواة ثم ارتكبوا باسمهما وتحت غطائهما أبشع أنواع المظالم والتمييز العنصري، ودعوا إلى تحرير الشعوب ثم انقضوا عليها يستعبدونها ويستذلونها، ويعيدون رسم حدودها، ويعودون بها قرنين إلى وراء؛ ليزجّوها في متاهات استعمار جديد، دونه استعمار القرن التاسع عشر..

لئن أصروا على خططهم هذه التي تستهدف تجريد الإنسان من كل مكتسباته التي اطمأن إليها، وحذْفَ قرنين من عمره وكفاحه في طريق التقدم، فإن الإنسان - كل إنسان على وجه الأرض- لن يمل من حمل الأمانة التي تصدى لحملها بجدارة منذ بداية الخلق، وسيلتزم جانب القيم والأخلاق والواجبات، مهما تعارضت مع مصالح الذات، والحقوق المتحللة من الواجبات.

ولن تضيع تجارب الإنسان عبر القرون سدى، فقد تعلم منها الكثير، وإنسان القرن الحادي والعشرين لن يكون مثل إنسان القرن التاسع عشر، ولديه من مخزونه الفكري والثقافي ما يمكن أن يهديه إلى سبل الخروج من أزماته بأمان، وإعادة الإنسانية إلى رشدها كي تستمر في طريقها الصاعد المتسامي إلى قيم الحق والخير والعدل... إلى الله

{قل كلٌّ يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} [ الإسراء17/84]

محاضرة أعدها

محمد عدنان سالم

لندوة معهد العالم العربي

باريس 11/6/2003

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة