وضع المعلومات في سورية وأثره في الثقافة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

1-لا تنفرد سورية بوضع خاص يميزها عن باقي شعوب الوطن العربي، ففي عصر المعلومات والتفجر المعرفي الذي نعيشه، والذي يُقاس فيه تقدم الأمم بما تملكه من ثروة المعلومات، لا يزال المجتمع العربي يعاني من عوز كبير في هذا المجال ..وإذا كانت الثقافة تعني مدى توظيف هذه المعلومات في عادات المجتمع وسلوك أفراده، فإني أرى ثقافة المجتمع العربي عموماً تعاني – بالإضافة إلى نقص المعلومات وعوز الإبداع – من انعدام الفعالية ، وانفصام النظر عن العمل، مما أدى بها إلى حالة ركود، يكسد معها سوق المعلومات، وتخرج من التداول، وتصاب بالعقم فتعجز عن التوالد..

2- وحين يتنفس المجتمع في هذا المناخ، فإنه يتجه إلى ثقافة الترفيه والاستهلاك، ويميل إلى الاجترار والعيش في الماضي، والإخلاد إلى ثقافة التنجيم والحظ وقراءة الكف والطبخ، وهذه المعلومات لا يحتاج إنتاجها إلى كبير عناء، كما إن رواجها في السوق يغري باستثمارها، ولا يتطلب لإنتاجها مؤهلات علمية كبيرة، مما يستدرج إلى صناعة النشر دخلاء لا يتمتعون من المؤهلات بأكثر من القدرة على تحسس احتياجات السوق.. أما احتياجات المجتمع إلى مشاريع ثقافية ترتقي به إلى مواكبة الحاضر وارتياد آفاق المستقبل، فستكون مغامرة تجارية لا يقوى عليها غير أولي العزم الذين يعدونها رسالةً يؤدونها تتعادل مع الهدف التجاري لمؤسساتهم، وسوف يقع عليهم عبء إثارة الحراك الثقافي، وتنشيط عادة القراءة ، ليتمكنوا من خلق سوق لإبداعاتهم..

3-إن حجم المعلومات الإبداعية المنتجة في المجتمع العربي، يعد كافياً بل فائضاً عن حاجة مجتمع ترعرع في ظل مناهج تعليمية بغَّضت إليه القراءة وقتلت لديه روح البحث العلمي والإبداع، وأراحت عقله من عناء التفكير، وأعفته من أعباء التجديد والتطوير.

أما في مجتمع قارئ لم تستطع ثقافة الاستهلاك، ولا وسائل الاتصال والإعلام، أن تنتزع الكتاب وسائر أوعية المعلومات من بين يديه، فهو يتشبث به، ويلوب له، ليكون رفيقه، ينتهر له كل وقت انتظار ضائع، وكل فرصة سانحة، ليلتهمه ويطلب منه المزيد.. فإن حجم المعلومات الذي في أيدينا، وحجم إبداعنا فيها، يعد هزيلاً جداً بالمقارنة مع حجمه في المجتمعات المتقدمة، أعني القارئة، فالقراءة والتقدم صنوان، ومجتمع يقرأ هو مجتمع يرقى ويتقدم.

4-ليس مهماً نوع المعلومات التي ينتجها المؤلفون، ويستهلكها القراء، وإلى أي صنف معرفي تنتمي، وليس مهماً أن يتوجه القراء إلى كتاب ديني أو تاريخي أو ترفيهي أو علمي..

المهم مستوى البحث والإبداع فيه، فالإبداع هو المعيار الذي يقاس به نبض ثقافة المجتمع، ويعرف به مدى تقدمه أو تأخره، فإذا هبط مؤشر الإبداع في مجتمع، اعتلَّت ثقافته، وتباطأت خطواته، وتراخت مفاصله، وتقطعت أوصاله، وتفككت علاقاته، وفقد فعاليته، وأدركته الشيخوخة المفضية إلى الهرم.. وكلما ارتفع مؤشر الإبداع في مجتمع نهض، وانتعشت ثقافته، ودبت الفعالية في أوصاله، ووظف معلوماته في خدمة تقدمه وازدهاره.

5-المناخ الثقافي السائد في المجتمع العربي لا يعين المؤلف على الإبداع، كما لا يفتح شهية القارئ للقراءة..

لا يزكو الإبداع، ولا تتوالد الأفكار، ولا تنمو الثقافة إلا بالتعدد والتنوع، وبوارق الحقيقة لا تنقدح إلا بتصادم الأفكار واحتكاكها.. وثقافة أحادية الاتجاه ثقافة عقيم لا تنجب، وسيكون مآلها الفناء لا محالة..

إن المناخ الثقافي السائد في الوطن العربي تلفه الأحادية، والأحادية تدعي احتكار الحقيقة، ونفيها عن الآخر، ثم نفيه معها، وتفرض رقابتها على المؤلف فلا يستطيع أن يحيد عن مسلماتها قيد أنملة، ثم تفرض وصايتها على القارئ فتحدد له ماذا يقرأ، وتحجب عنه ما لا يروق لها أن يقرأه، فتقذف بالمؤلف خارج عالم الإبداع إذ تكرهه على التأليف في إطار فكرها، على الرغم من أنه لا إكراه في الدين، وتقذف بالقارئ خارج عالم القراءة إذ تكرهه على قراءة الوجبات الجاهزة التي تعدها له في مطبخها، فتعافها نفسه ويمجها..

6- ولن يخدم المجتمع ثقافة أبنائه، إلا برفع وصايته عنهم، وإزالة كل الحواجز التي أقامها في دروبهم، والقيود التي كبل بها أيديهم، وتركهم يمارسون حريتهم في التفكير والتعبير، فقانون الله الذي سنّه للمجتمع البشري يقوم على التقدم والارتقاء في معارج الحضارة ، ومقتضى التقدم أن يتمكن الأبناء من إضافة لبنة جديدة فوق البناء الذي شيده الآباء، وكل جيل لا يضيف شيئاً إلى عمل الآباء هو جيل عاطل كَلٌّ على مولاه، سيتجاوزه التاريخ ملقياً به في حاوية المهملات.

لقد تقلَّب الإنسان منذ أن لم يكن شيئاً مذكوراً في مراحل شتى؛ ارتقى بها من عصر الصيد إلى عصر الرعي فعصر الزراعة، ثم عصر الصناعة. وهاهو اليوم في منعطف ينتقل عبره بسرعة مذهلة إلى عصر المعلومات، الذي لا يسمح بأية قيود أو حدود في وجه المد المعرفي المتفجر، وطوفان المعلومات التي تنهمر من السماء عبر الفضائيات، وتنبع من الأرض عبر الشبكات..

7-وتلك هي الأوعية التي ستنتقل إليها المعلومات في المستقبل، بعد أن تغادر وعاءها الورقي الذي استقرت فيه زمناً طويلاً، وستتعايش الأوعية الجديدة مع الأوعية التقليدية ردحاً من الزمن يطول أو يقصر ريثما تتمكن الأجيال التي ترعرعت بين أزرار الحواسب وفئرانها من السيطرة عليها وامتلاك ناصيتها.

إنهم يرون ذلك بعيداً، وأراه قريباً، ويومها ستزول تلقائياً كل أنواع الرقابات والوصايات وإجراءات المنع والقمع والحجر، وستتقن الأجيال القادمة السباحة في طوفان المعلومات، إذ تجد نفسها ملقاة في خضمه، وستبني هذه الأجيال مناعتها ضد المعلومات الفاسدة والميتة والقاتلة، وستضع لنفسها البدائل النافعة التي تعينها على بناء مستقبل أفضل.

محمد عدنان سالم
15/05/2005

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة