وماذا قدمت أنت...؟!

كاتب المقالة: 

إذا كنا نستطيع أن نستخدم مفردة بسطاء لوصف شريحة معينة من الناس، فهم يعتقدون بأن الحل هو شيء سحري بيد مجموعة من الناس المسؤولين، ويتعاملون مع أنفسهم على أنهم ضحية مطلقة للظروف القاسية والحياة والظلم والفقر، والأدهى من ذلك حين يسخطون على الوطن الذي لم يقدم لهم شيئاً

 

ما يدفعني لكتابة هذا المقال هو إحساسي بالضجر من المتذمرين والسلبيين، لأنهم يبتكرون عقداً من لاشيء لتصبح مرمى لنزقهم وشتائمهم وتبرمهم.

 المتذمرون والسلبيون أحياناً يكونون أشخاصاً بسطاء وأميين ، وربما كباراً في السن يمكن بسهولة تجاوزهم، لكن المشكلة أنهم ليسوا دائماً بسطاء وأميين، إنهم في أحيان كثيرة مثقفون وإعلاميون وكتاب كبار وسياسيون ومعلمون في المدارس وآباء يربون جيل الغد، هؤلاء لايقبل منهم أن يكونوا كذلك.

 إذا كنا نستطيع أن نستخدم مفردة بسطاء لوصف شريحة معينة من الناس، فهم يعتقدون بأن الحل هو شيء سحري بيد مجموعة من الناس المسؤولين، ويتعاملون مع أنفسهم على أنهم ضحية مطلقة للظروف القاسية والحياة والظلم والفقر، والأدهى من ذلك حين يسخطون على الوطن الذي لم يقدم لهم شيئاً، لا أستطيع أن أنسى رد ذلك الشاب من بلد عربي: ماذا قدم لي البلد كي أذهب لخدمة العلم؟! كان ذلك رأيه ورأي بعض الشبان الآخرين في مسألة الخدمة الإلزامية خلال برنامج تلفزيوني.

 ضعوا خطاً أحمر عريضاً تحت «ماذا قدم لي الوطن»، وضعوا كلمة الوطن تحت مجهر دقيق، وإذا سألت هذا الشاب: «ماذا قدمت أنت للوطن أو المجتمع»!؟.

 فإنه سيقابلك بدهشة:«وماذا يمكن لشخص مثلي أن يقدم؟ ماذا أستطيع أن أغير أنا؟!.

 أستحضر الآن كتاب «سأخون وطني» لمحمد الماغوط، يقول زكريا تامر في تقديمه للكتاب :«في هذا الكتاب الأسود، الجميل الممتع، المؤلم الساخر المرح ينجح محمد الماغوط في الجمع على أرض واحدة بين الليل والنهار، بين الأمل واليأس، بين مرارة الهزائم وغضب العاجز ليقدم صورة لما يعانيه الإنسان العربي من بلاء من ساسيه ومثقفيه وجنده وشرطته وأجهزة إعلامه مكثفاً ذلك البلاء الكثير الوجوه في بلاء واحد هو فقدان الحرية.

 هذا الكتاب شهادة فاجعة صادقة على مرحلة مظلمة من حياة العرب في العصر الحديث وتصلح لأن ترفع إلى محكمة الأحفاد كوثيقة تدحض أي اتهام بالتقصير والاستكانة يوجه إلى الأجداد، فالعنق الأعزل لا يستطيع الانتصار على سكاكين المفترسين».

 ويتطلب الإنصاف مني أن أعرّج على كل النقاط الإيجابية في الكتاب ومنها أني فكرت أثناء قراءتي له بأن هذه الأفكار يمكن أن تدور في رأس أي كان لكن من يستطيع أن يبلورها هكذا !.

 لكن لست هنا بصدد تناول الكتاب أو تقديمه، فقط أوردت شهادة الكبير زكريا تامر، كي أتوقف عند فكرة تخص موضوعي، وأعتبر أنه إلى جانب احترامي الكبير للأديبين المرموقين، لكن يحق لي مثل كل إنسان أن أختلف معهما في فكرة أو أخرى، وقد تعمدت ذكر الكتاب بوضوح لئلا أكون بدوري أقاتل طواحين الهواء والأشباح المجهولة.

 الفكرة الأولى هي الإنسان الضحية والثانية هي نفي التقصير..

 أعترف بوجود الظلم لكني لا أؤمن بمفهوم الإنسان الضحية، ومفهوم الإنسان العاجز كلياً أمام الظلم، ثمة طرح مختلف للمشكلة ذاتها في فيلم كوميدي اسمه«عايز حقي».

 صابر الطيب هو بطل الفيلم وقد تأخر زواجه من خطيبته لست سنوات، إذ يتعرقل زواجهما بسبب ضيق حاله وعدم توافر شقة يعيشان فيها، وعلى سبيل المصادفة يستعير كتاباً عشوائياً من المكتبة العمومية، ويكتشف في محطة الميترو بأنه الدستور ويلفت نظره أن مادتين من الدستور تقولان بأن الملكية العامة هي ملك الشعب ، ولكل مواطن نصيب في المال العام... وهنا تلمع الفكرة في ذهنه ، فيخطر له بأنه مواطن من الشعب، إذاً هو مالك ولديه أملاك من هذا المال العام، وبالتالي وطالما أنه يحتاج كثيراً إلى شقة لماذا لا يبيع حقه في المال العام ويشتري شقة، وعندما يطرح هذه الفكرة على جاره المحامي في الحارة يقول له بأنه لا يستطيع أن يبيع نصيبه في المال العام، إذ ينبغي أن يوافق أكثر من نصف الشعب ويتم البيع جماعياً، ويتهافت الفقراء والمساكين على مكاتب الشهر العقاري لإجراء توكيل لصابر الطيب كي يبيع لهم نصيبهم في المال العام، وتصبح هذه القضية هي الشغل الشاغل للرأي العام، كان صابر يحلم بمليون جنيه لكل فرد، لكن في المزاد العلني الكبير الذي حضرته جهات عالمية ارتفع السعر ليصل إلى مليون ونصف مليون دولار نصيب كل فرد من المال العام، وأثناء المزاودة على الوطن كانت الهواجس تتخبط في رأس صابر الطيب، وقبل أن يرسو المزاد على تلك الجهة المجهولة، تراجع عن البيع وقال: «العيب مش فيها العيب فينا».

 ومن اسمه صابر الطيب يمكن أن نستشف شيئاً مهماً، صابر الطيب الذي صبر كثيراً على الفقر والضيق، في آخر لحظة اكتشف أنه ليس خارج هذه اللعبة الكبيرة، وليس معفى من واجبه، وذلك الشيء الطيب فيه جعله يكتشف أن ثمة دوراً ملقى على كاهله ينبغي أن يؤديه.

 

موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.