يوميات حاج إلى بيت الله الحرام (17)

الأحد, September 4, 2016
كاتب المقالة: 

يوميات الحج إلى بيت الله الحرام...أيام معدودة، وينعقد المؤتمر العالمي السنوي في مكة...أقدم مؤتمر إنساني، وأوسعه تمثيلاً

الثلاثاء 04 ذو الحجة 1437

البعد الجماعي للحج

ليس في الإسلام عبادة تقتصر على البعد الفردي للإنسان يؤديها بمعزل عن الجماعة والمجتمع، فإلى جانب ما يحققه المسلم إثر كل عبادة يقوم بها من رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه في الآخرة، يقف المجتمع ليتلقى نصيبه الوافر منها، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يكسر حدة الشهوة والميل إلى إيذاء الآخرين، والزكاة ضمان اجتماعي فريد، والحج مؤتمر يفترض أن يعالج مشكلات المسلمين ويرسم لهم طريق عزتهم وكرامتهم.

وما يقتطعه كل من الفرد والمجتمع من ثمرات العمل في الدنيا - متى كان خالصاً لوجه الله - هو المنفعة العاجلة للإنسان من دون أن ينقص ذلك من ثوابه في الآخرة شيئاً.

هذا التوازن العجيب ، بين البعدين الفردي والجماعي، هو ما يميز شخصية الإنسان المسلم، ويبني فيه النفس المطمئنة الراضية.

فما أدركه من المنفعة في الدنيا كان خيراً ساقه الله إليه، وما فاته فيها كان خيراً ادخره الله له سيدركه في الآخرة، فهو المنتفع دائماً عاجلاً أو آجلاً.

وأي إخلال في هذا التوازن يؤدي إلى تعطيل المنهج الرباني عن العمل في بناء النفس الإنسانية واستقرار الحياة.

إن التركيز على البعد الفردي للحج ، غالباً ما يسوِّغ للحاج مزاحمة الآخرين للفوز بنصيبه وإنجاز مناسكه على الوجه الأكمل الذي ينشده، غير مبالٍ بما يسببه لإخوانه من أذى التدافع والتسابق والاستئثار، ضارباً عرض الحائط بكل قيم التسامح والإيثار والتعاون، تلك القيم التي هي في الحج أشد طلباً وإلحاحاً. وغالباً ما يكون صارفاً للحاج عن هموم المسلمين، وما يعانونه من ضعف وجهل وتخلف وكلالة وعجز، وما يحيق بهم جراء ذلك من ذل وهوان على الناس.. ينشد ثواب الآخرة لنفسه، ذاهلاً عن كل ما يدور حوله، كمن يتصور نفسه في يوم الحشر قبل أن يقوم الحشر.

وما ذلك من أهداف الحج التي رسمها الله تعالى بشيء: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج: 22/28] .

وما ذلك من حجة رسول الله بشيء، وهي حجته الأولى والأخيرة (حجة الوداع)، التي خاطب فيها من على جبل الرحمة الإنسانيةَ كلها؛ حاضرها وغائبها وأجيالها القادمة، فلم يدع شيئاً من مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا رسم الخطوط العريضة لمعالجته وتقويمه وترشيده.

 [وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!! ص39-43]

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

You must have Javascript enabled to use this form.