يوميات حاج إلى بيت الله الحرام (3)

الثلاثاء, August 23, 2016
كاتب المقالة: 

يوميات حاج إلى بيت الله الحرام  (3)

أيام معدودة، وينعقد المؤتمر العالمي السنوي في مكة

أقدم مؤتمر إنساني، وأوسعه تمثيلاً

الثلاثاء 20 ذو القعدة 1437

 

لمكة كلمة لو تقولها !!!

ومَنْ أجدر من مكة أن تكون لها هذه الكلمة كل عام، وهي التي تحتضن أعظم وأقدم وأخلد مؤتمر سنوي عالمي، يتوافد إليه الناس من كل جنس وعرق ولون؛ رجالاً وعلى كل ضامر، يأتين من كل فج عميق، منذ أذَّن فيهم بالحج إليها أبو الأنبياء إبراهيم ▬لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ♂ [الحج: 22/28] ؟!

ومَنْ غير مكة تستحق أن تكون عاصمة للثقافة وهي التي تضم أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات، جعله الله حراماً ليكون للناس قياماً، وليكون لهم مثابة وأمناً، يقيمون فيه مؤتمرهم السنويَّ، مخبتين إلى الله، متّحدين تحت لواء أصلهم الإنساني الواحد، متبرئين من كل ما يمكن أن يفرق بينهم من لون أو عرق أو لسان أو مال أو لباس أو رياش؟!

ومَنْ غير المسلم يملك خطاباً إنسانياً شاملاً، مرتكزاً إلى قيم ربانيةٍ تهفو إليه الفِطر الإنسانية السليمة، لا يصدر عن شخصٍ مهما علت مكانته الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، ولا عن هيئة أو حزب أو سلطة مهما كانت صفتها محلية أو إقليمية أو دولية، إنما يصدر عن مؤتمر شعبي عالمي عريق راسخ لا يخضعُ لشيء من مؤثرات الزمان والمكان؟!

حلم ما زال يراودني منذ حجي الأول في ستينيات القرن الماضي، وسؤال عريض يلح عليّ كلما حلَّ موسم للحج وارتحل:

لمَ لا يحتل نبأ الحج الأكبر في وسائل الإعلام العالمية مساحة أكبر من خبر أداء أي طائفة منعزلة في العالم لطقوسها الدينية التقليدية؟!

وهل يحتشد مليونا مسلم كل عام في مكة، يهرعون إليها من كل أنحاء الأرض يتكبدون لها المشاق والنفقات، لمجرد أداء طقوس تخصهم، بمعزل عن القضايا الإنسانية الكبرى؟!

أهكذا كان حج رسول الله يوم خطب الناس فحرم دماءهم وأموالهم، ووضع عنهم ربا الجاهلية، وأوصاهم بالنساء خيراً، فتناولت خطبته أخطر جوانب حياتهم التشريعية والاقتصادية والاجتماعية؟!

أليس في تجاهل المشكلات التي تعاني منها البشرية - ما كان منها متعلقاً مباشرة بالمسلمين، وما لم يكن له بهم علاقة مباشرة- بعداً عن مقاصد الحج التي قدم الله تعالى فيها شهود المنافع على ذكر اسمه، ونكوصاً عن أداء المهمة التي أناطها الله تعالى بالمسلمين؛ إذ جعلهم أمة وسطاً وأشهد عليهم الرسول ليكونوا بدورهم شهداء على الناس؟!

وهل تضاءلت المعاني الكبيرة للحج، والمثل العليا التي ينطوي عليها، والرموز السامية الرفيعة التي يحفل بها، لتقتصر على خبر عابر لا يحرك في المشهد الدولي ساكناً، ولا يبلِّغ رسالة الإسلام جاهلاً، ولا يصحح من ضلالات الإعلام العالمي خطأ، ولا يحقق للإسلام والمسلمين في المحافل الدولية حضوراً؟!

وتتوالى مواسم الحج عاماً بعد عام، وتنفتح الثقافات الإنسانية على بعضها؛ إثر ثورة الاتصالات العارمة التي أخذت تغمر العالم بالمعلومات، وتضعنا أحداث سبتمبر 2001 على تماسٍّ مباشر مع هذه الثقافات.. فيكبر السؤال:

ألم يأنِ أن يكون لنا منبر نبلغ منه رسالتنا ونوضح قضيتنا، ونصحح المفاهيم المغلوطة عن ديننا؟!

وهل غير الحج الأكبر يصلح لأن يكون هذا المنبر؟!

[وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!! ص 49-52]

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: