يوم عالمي للغة العربية

الاثنين, December 21, 2015
كاتب المقالة: 

 18/12 من كل عام؛ يوم عالمي للغة العربية، أعلنته منظمة اليونيسكو تقديراً منها لهذه اللغة التي هي إحدى اللغات الست المعتمدة للتخاطب في هيئة الأمم المتحدة، والتي اختارها الله تعالى لغة لكتابه القرآن العظيم؛ الذي وجهه لكل الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، فكانت الوعاء الأجدر بحمل رسالته العالمية، وكانت الرسالة التي حملها عاملاً من عوامل رسوخها وصمودها في مواجهة كل التحديات!!
أتقنها الأعاجم بوصفها لغة الدين الذي اعتنقوه، وأسهموا في وضع قواعدها إبان الفتوحات الإسلامية الأولى، فكان منهم سيبويه والفيروزآبادي وآخرون!!
وحملها المهاجرون معهم إلى مهاجرهم في القرن العشرين، فأنتجوا بها أدب المهجر قصة ورواية ومقالة وشعراً، فكان منهم جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي!!
ونهض بها أدباء وشعراء؛ فكان منهم شوقي، وحافظ، وعمر أبو ريشة، ونزار قباني!!
ما بال اللغة العربية تذوي بين أيدينا؟!
لافتات على أبواب المحلات التجارية كتبت أسماؤها العربية بأحرف لاتينية!!
مطاعم وفنادق ومصانع وشركات حملت أسماءً أجنبية؛ لا تربطها بها أي علاقة وكالةٍ لشركة، أو علامة تجارية أجنبية!!
عبارات أجنبية كتبت على صدور الشباب أو على ظهورهم، يغفلون عما وراءها من معان فاضحة، لو وعتها الفتاة لتوارت خجلاً من سوء ما تحمله!!
عطب شديد ألمَّ بالكتابة العربية فاختلطت به همزات الوصل بالقطع، والمقصور بالممدود، والمرفوع بالمنصوب!!
أهذه دمشق التي درّستني الرياضيات والفيزياء والكيمياء بالعربية الفصيحة، التي لم تعجز عن احتواء سائر مصطلحاتها، لترسِّخ لديَّ حب العربية، وتزرعها سليقة لدي، أستخدمها في كل شأنٍ دون تكلف؟!

أهذه دمشق التي وزعت مدرسيها للعلوم البحتة والإنسانية في أرجاء الوطن العربي، مشرقه ومغربه الذي خاض معركة التعريب بعد خروج المستعمر من بلاده؟!
أهذه دمشق التي تفردت بتدريس الطب في جامعتها بالعربية الفصحى منذ تأسيسها عام 1917، وعلمت جنديَّها البسيط وسم كل شيء باسمه العربي الفصيح: الخوذة، والأخمص، والزناد، والجعبة، والنطاق..؟!
أهذه دمشق التي حطمت لافتاتها المكتوبة بالفرنسية؛ على المخازن والدكاكين والمصارف والمؤسسات الأجنبية، حتى اضطرت الحكومة السورية في ظل الانتداب (الاحتلال الفرنسي) أن تصدر تشريعاً يوجب أن تكون كل لافتة مكتوبة بالعربية، فإن كتب شيء منها بالفرنسية فينبغي ألا يزيد حجمه عما كتب بالعربية في اللوحة نفسها، بحيث تبقى العربية الأبرز؟!
هل هو الجانب الثقافي من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعد تحت عنوان (تحرير العقول العربية، والقضاء على الموروثات السلبية الكامنة فيها)؟!
لقد كان من أبرز وسائل المشروع:
1-فصل اللغة العربية عن المقدس [يقصدون القرآن الكريم الذي هو سياجها وحارسها] وتنقية الكتب التعليمية من الشواهد المستقاة منه.
2-تسكين أواخر الكلم بذريعة التسهيل، تمهيداً للتخلص من قواعد اللغة التي تميز في الحركات بين الفاعل والمفعول به، والمضاف إليه المجرور.
3-الترويج للعاميات المحلية؛ تمهيداً لإقصاء الفصحى التي تشكل الرابط القوي الموحد بين كل الشعوب العربية، وإحلال العاميات الكفيلة بتمزيق هذه الشعوب؛ حين يخلو لها الجو ويطلق العنان.
4-تغيير الأبجدية العربية إلى حروف لاتينية، بذريعة صعوبة كتابتها وتعقيدها، وضرورة تحديثها لتلحق بركب الحضارة، ولتطبيق الحرية والديمقراطية.
إضعاف الذاكرة، الإنساء والإلهاء، التخدير، إطالة أمد النوم، قطع الصلة بالماضي، والإشغال بالحاضر، وصرف النظر عن المستقبل.. تلكم هي أدوات العدو المتربص للإيقاع بفريسته.
ومن الواضح تماماً أننا على الصعيدين الثقافي والسياسي؛ نغط في نوم عميق تحت تأثير عُقد الشيطان على قوافينا..
لا أخاف على اللغة العربية، وأنا ألمح في الأفق جيلاً جديداً يتأهب للنهوض بالأمانة؛ يحرك شاشات المستقبل بأصابعه؛ مستفيداً من تقنيات عصر المعرفة القادم بسرعة، ومن الفرص المتساوية التي أتاحها هذا العصر له ليفوز فيها من كان أعمق فكراً وأكثر إعمالاً لعقله.
كل ما ينبغي علينا أن نفعله؛ أن نهيئ له المناخ الملائم لنموه.. أن نفتح عينيه على قيمنا الإنسانية الخالدة التي شيدنا بها أسرع حضارة في التاريخ، صافيةً نقية من شوائب التخلف والتقاليد.. أن نرفع وصايتنا عليه.. أن نصغي إليه وهو يردد قولة إبراهيم لأبيه: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيّاً [مريم19/43]
كم سنكون فخورين به وهو يرفع عن كاهلنا أنيار الهزائم التي صنعناها بأيدينا.

من سلسلة التغيير للأستاذ محمد عدنان سالم

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة