“ضريبة هوليود” دفعناها وسندفع !

الخميس, October 5, 2017
كاتب المقالة: 

أقرأ كتبا وفي رحلتي مع كل منها  قصة خاصة، من الكتب ما جرني لكتابة قراءة عنها قبل إتمامها، ومنها ما  استلزم مني التريث لارتواء أفكارها وهضم محتواها الثـري، وأحسب كتاب “ضريبة  هوليوود” من الكتب الدسمة الممتعة لكل باحث ومهتم في مجال الإعلام  والسينما.

 

من يعتقد لحد الآن أن ما يعرض له في شاشة التلفزيون مجرد ترفيه وتسلية، وتمضية لأوقات الراحة فحسب بعد عناء يوم شاق، فهو مخطئ تماما، الصورة اليوم صناعة وعلم دقيق، والمشاهد ضحية جملة وصفات فكرية معلّبة إما موافقة أو مخالفة لخلفياته، يتقبلها عقله الباطني قبل الظاهري، ليرسم بها أحكاما ومواقف بل حتى معتقدات، ولا يسلم من هذا إلا متمرس يقظ.
“هوليوود” تلك المملكة التي تخطت حدودها الجغرافية الأمريكية كما هو الحال بالنسبة لعملتها “الدولار”، فهي أكبر من مجرد ضاحية من ضواحي لوس أنجلوس، دخلت بيوت الناس وحجزت مكانة متجذرة في عقولهم وأفكارهم، ورسمت لهم تصوراتهم في معظم قضايا الحياة وأحداثها، مما هو منها معلنا وما خفي كان أعظم بالتأكيد، مستعملة “الفن السابع” أو السينما وسيلة وسبيلا.
انطلق نشاطها مطلع القرن الماضي، وتطورت عاما بعد آخر من مجرد وسيلة ترفيه وبذخ، إلى هيكل قائم يدر الأرباح المادية (حوالي 75 مليار دولار سنويا) ويؤدي دوره بثبات جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة الأمريكية والغرب بصفة عامة، كوسيلة لنشر الثقافة وبث الدعاية السياسية والإيديولوجية، ذات الخلفية الصهيونية في معظمها، بأفلامها وإنتاجها السينمائي متخذة أشكالا عدة وعناوين متغيرة بمضامين ثابتة تحفظ بها مكانتها وسيطرتها وحقّ لها أن تفعل.
أعداء “هوليوود” تغيروا مع مرور الزمن، فبعدما كان الهنود والسكان الأصليون لأمريكا جاء دور اليابان وحلفائها خلال الحرب العالمية، ومر عهد الاشتراكية والاتحاد السوفياتي، ثم وصولا إلى ما أطلق عليه الحرب على الإرهاب، وبرواية أدق “الإسلام”، وكما جاء في الكتاب حسب شهادة البروفيسور جاك شاهين * فإن نحو 25 في المائة من الأفلام التي أنتجتها هوليوود تحقّر بشكل أو بآخر العرب، ومن بين ألف فيلم هوليوودي أنتج بين 1896 و 2000 لم يجد البروفيسور إلا 12 حالة إيجابية فقط للعرب والمسلمين إلى جانب 52 حالة يراها معتدلة، فيما الباقي كله مصنف ضمن السلبي المسيء.
ولمستهلك لأفلام هوليوود أن يلاحظ بسهولة مثلا التركيز على دور الرجل الأمريكي الأبيض مخلّص البشرية من مأساتها كل مرة، حيث يدخل معركة غير متكافئة مع جيش من الأعداء مدججين بكل الأسلحة ليخرج في الأخير سالما إلا من بعض الخدوش وقد قتلهم جميعا، لتنتهي القصة بمرافقة حبيبته لوجهة غير معلومة طلبا للراحة والاستقرار، وهذه الصور النمطية بالذات متكررة في أفلام كثيرة توحي بعدة تصورات يتقبلها العقل الباطني دون شعور، حتى يجد المشاهد نفسه في كل مرة يتخذ بطل الفيلم قدوة ويرتاح له نفسيا حينما يظهر وإن كان سكيرا زانيا فهي أمور مقبولة في نظره إنما تشفع له قوته وصفاء قلبه ونبل مسعاه!
من جهة أخرى نجد تجسيد العرب المسلمين في أفلام هوليوود مجموعة قطاع طرق لا هم لهم في الحياة سوى الذهب بألوانه، والنساء والخمر، يبيعون ذممهم بأبخس الأثمان، أما إن ذكرت الصلاة أو الوضوء أو الشهادتان فالأمر مقرون بالضرورة بتفجير مرتقب وسط جمع من المدنيين يعيشون حياتهم بشكل عادي، وقد أورد المؤلف أمثلة أفلام عدة لذلك في الكتاب، أما عما يسمون  في نظر هوليوود “المسلمون الأخيار”، فهم شباب مسلمون فعلا إلا أنهم يشربون الخمر ويهوون السهرات الماجنة مع الخليلات، أو شابات متحجبات مع سروال جينز ضيق، لديهن أصدقاء “يخرجن معهم” هؤلاء المسلمون الأخيار بالتكرار يقدمون ارتياحا للمشاهد باحترام هوليوود للدين الإسلامي ومعتنقيه.
أما عن الممثلين والمساهمين العرب المسلمين في هوليوود فهم للأسف ممن لا نعقد عليهم أي أمل في الدفاع عن ذلك التعدي الصارخ علينا كمسلمين، فهدفهم الأسمى شخصي بحت وهو التتويج بجوائز الأوسكار والسير ولو لخطوات في البساط الأحمر والظهور في أولى صفحات وسائل الإعلام، بمبدإ: الغاية تبرر الوسيلة، فسعيهم للنجومية جاء ليصب الزيت على النار وليعمق الجرح أكثر فأكثر، فهم ممن يمكن وصفهم بخير جنود “هوليوود” في بلاد منافسيها لتحقيق مآربها، مع بعض الاستثناءات التي أوردها المؤلف من باب الإنصاف لعل أبرزها المخرج العالمي صاحب إنجاز حضاري هو فيلم “الرسالة” الذي بقي التجربة اليتيمة لحد الآن في حجمه، فقد توفي مخرجه القدير مصطفى العقاد رحمه الله بينما كان في رحلة البحث عن ممولين لعمل ضخم آخر عن البطل صلاح الدين الأيوبي، لبيقى مجرد حلم ينتظر من يحققه.
تمثلت علاقة “هوليوود” بالدول العربية الإسلامية بالخيبة والمهزلة، فنجد تلك الدول تفتح أبوابها على مصراعيها لإنتاج ما لذ لها وطاب ولو برقابة سطحية مموّهة أحيانا، فتفرش الطريق بالورود لتواصل إنتاج ما يعجب مشاهديها وإن كان مسيئا، وقد تطرق الكاتب إلى سرد أمثلة لذلك انطلاقا من ورزازات واصفا إياها بهوليوود الصحراء المغربية، وكيف أنها أخصب أرض للإنتاج، لتوفر الأيدي العاملة الرخيصة أو بالأحرى “الوجوه العاملة” سعيا وراء لقمة عيش وضيعة ولو على حساب الكرامة والمروءة، ومرورا بتونس كمحطة إفريقية ثانية، والأردن والإمارات العربية المتحدة، وفي كل ضرب أمثلة لعدة أفلام بتفاصيلها تم تصويرها هناك، مع عدم إغفال بعض المواقف من دول أخرى كمنع عرض وتسويق أفلام معينة على أراضيها لكن هذا لا يفي بالغرض واقعيا، إذا نظرنا إلى استقبالها لمهرجانات الأفلام وتكريمها بسخاء لمن يبث سمومه في أبنائها وشعبها.
بناء على ما مضى فاللوم لا يكون كليا على “هوليوود” كونها تخدم مصالحها ولا ننتظر منها غير ذلك، إنما اللوم يكون علينا كدول وأفراد، أما عن الدول فأين هي من أعمال سينمائية تضاهي هوليوود وتقارعها في مستوياتها كلها فكرة ومحتوى وأداء وإخراجا؟، وهذا لا يأتي من فراغ إنما ثمرة عمل كبير، مع إمكانية الاستفادة من تجربة هوليوود وهذا مما يحسب لها، ولا أقصد هنا غزارة الإنتاج كمّا كما في مصر، فالإنتاج موجود لكن أغلبه مدمّر للقيم والمبادئ دينيا واجتماعيا وفكريا، فهوليوود تفوّقت بالجودة والعمق وخدمة الفكرة المتأصلة والمعبرة بناء على منطلقاتها وأهدافها طبعا، ورغم أن “بوليود” في الهند تنتج ضعف ما تنتجه هوليوود سنويا إلا أن الأثر والفرق واضح جدا، خاصة إن علمنا أن هوليوود تصدر أعمالها لأكثر من 150 دولة عبر العالم.
أما عن دورنا كأفراد ومجتمعات فيكمن في توجيه الطاقة للعمل السينمائي بعد تأصيلة شرعيا واجتماعيا، فلا ننادي بالتقليد الأعمى، إنما وجب امتلاك الوسيلة والتحكم فيها بعد اكتشاف نجاعتها وقوتها – ولو متأخرين جدا- في الدعوة لديننا وقيمنا وأخلاقنا، لا نكرر نفس الخطأ –كما سبق في تجارب ماضية- فنغرق أعمالنا بصور نمطية مسيئة للغرب، من باب الإساءة لمن أساء إلينا، إنما علينا بالإنصاف، فلا ننتج إلا ما يخدم غايتنا الأسمى بعيدا عن الأهداف الشخصية الضيقة، لنجيب على سؤال جوهري: أين هوليوودكم يا مسلمين؟
أنوه لجهود مؤلف الكتاب (أحمد دعدوش)** في إحاطته بجوانب الموضوع وجمعه للمعلومات من مصادر مترامية في عملية شاقة متعبة بالتأكيد، حيث يحيل كل مرة للمراجع سواء كان كتابا أو مقالا أو حصة تلفزيونية… إلخ وبدقة، إضافة إلى إهدائه الشيق أول الكتاب فهو جدير بالاطلاع بل أعتبر قراءته واجبة على كل مهتم بمجال الإنتاج السينمائي والإعلامي، كما أنصح به كل مستهلك لأفلام هوليوود، ليس بهدف اقتناعه بالكف عن ذلك، إنما بغرض تنمية حس الملاحظة وروح النقد لديه.
توّج الكتاب في آخره بشهادات شخصيات مرموقة لها وزنها في التخصص، كأسعد طه، ومحمد بايزيد، ود. عمار النهار، وسعيد أبو معلا، وزادته قيمة وبعدا خاصا، فهنيئا لك سيدي المؤلف على هذا النتاج القيّم، وشكرا لك على الإفادة.

عنوان الكتاب: ضريبة هوليوود، ماذا يدفع والمسلمون للظهور في الشاشات العالمية؟ في 248 صفحة، إصدار 2011م،  من منشورات دار الفكر، سوريا.
(*) أمريكي عربي من أصل لبناني، أستاذ الاتصال في جامعة إلينوي الجنوبية والمستشار السابق لشبكة CBS التلفزيونية لشؤون الشرق الأوسط.
(**) كاتب وباحث وإعلامي ومخرج سوري

المصدر: 
موقع المدى للثقافة والاعلام والفنون
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.