حمى الاستهلاك ... بقلم سحر سهيل المهايني

الخميس, May 24, 2018
كاتب المقالة: 

نعم أنا لا أنكر الحفاوة التي تحيط بالمهجرين من أبناء الوطن، والمساعدات الإنسانية التي تتتالى من أهل دمشق الطيبين، ولكن في الوقت نفسه فإن مجتمعنا الدمشقي والسوري عموماً؛ لم يعرف ذاك الترف، وذاك الكم من الإسراف والتبذير، كما عرفه اليوم؛ من خلال ظاهرة الحفلات والأعراس والولائم الفخمة؛ المقامة على مرأى ومسمع من الفقراء الذين يراقبون بصمت، وتتحرك شهيتهم بصمت، ويحسدون بصمت !!

ما أسرع ما استهلكت قيمنا، وأصبنا بفيروس فرط الاستهلاك..  مفاهيم طارئة لم نعتدها، ولكنها تسللت إلينا من شقوق ذاتنا الخاوية ، كيف؟ ولماذا ؟ 

بينما كنت أدرس مادة علم الاجتماع في أمريكا؛ كان هناك مبحث يدور حول كيفية بث أصحاب السوق الحر، وملوك الرأسمالية، رسائلهم التحفيزية لدفع الشعوب إلى المزيد من الاستهلاك، لتدور عجلة الإنتاج؛ فيزداد ملوك المال ثراء وتحكماً بالإنسان.. ولكن المشكلة إذا اعترضت تلك الثقافة الاستهلاكية السائدة ثقافة فرعية مخالفة في المضمون والمنهج، ثقافة قيم أخلاقية تتحدى قيم الاستهلاك المادية، وتعيق مسار المادية الزاحفة، كيف يكون الحل لامتصاصها ؟! ليأتيني الجواب: إما بدمجها مجدداً مع التيار السائد؛ من خلال تسليع الأفكار، وتحويلها إلى سلعة تجارية؛ مثل ما حدث منذ ٢٠ سنة تقريباً؛ حين بدأت المحطات الفضائية تعرض إعلاناتها التجارية؛ من خلال فتيات يرتدين غطاء الرأس؛ مع قبعة كبيرة ليكون شكل الفتاة أكثر جاذبية! وإذا ما وضع له علامة تجارية سهل تسويقه للفتيات بأشكال وألوان وأحجام مختلفة،  عندها يتحول غطاء القيمة والرمز إلى مجرد  بضاعة  استهلاكية ..، أما الاستراتيجية الثانية المتبعة لتدوير الأفكار وإعادة طرحها بقالب جديد؛ فيتم من خلال تسفيه القيم والأفكار الإيمانية ووصمها بالتخلف والرجعية، في الوقت الذي لا تنقطع فيه المؤسسات المدارة من القوى الاقتصادية عن عملية إنتاج وتشكيل الأفكار والقيم الاستهلاكية؛  بحيث تصبح ثقافة التبذير والاستهلاك منحىً عاماً ممارساً في المجتمع؛ وخاصة عندما يتم تحفيز الشهية لاستهلاكٍ أكثر، وتبذير أكثر، لتحصيل متع وهمية ، سواء أكانت المتعة من خلال قطعة شوكولا تقودك فوق السحاب.. أو من خلال شامبو يحول الفتاة إلى طائر يطير بشعره  في السماء ، أو من خلال بنطال ممزق عافه الفقير سابقاً ليصبح حلمه الأثير لاحقاً.. وهكذا أخذت ثقافة الأشياء رويداً رويداً، باستلاب ذاتية الفرد، واستقلالية التفكير لديه، ليصبح جزءاً من مجتمع القطيع المساق كالأنعام .... 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.