تخطي إلى المحتوى

الإسلام والإعلاموفوبيا الإعلام الغربي والإسلام : تشويه وتخويف

Save 20% Save 20%
السعر الأصلي $5.00
السعر الأصلي $5.00 - السعر الأصلي $5.00
السعر الأصلي $5.00
السعر الحالي $4.00
$4.00 - $4.00
السعر الحالي $4.00
منذ متى بدأ الصراع مع الغرب، هل مع بداية الفتوحات الإسلامية وهزيمة جيوش الروم في بلاد الشام، أم عندما غزى الفرنجة البلاد الإسلامية، أو مع الاستعمار الحديث، ربما كل ذلك، حملت العلاقة العديد من الصور والأفكار النمطية، بحيث أصبحت كلمة الإسلام مشحونة بكل صور الماضي، ولهذا فإن نشر الصور الكاريكاتيرية والمعلومات المشوهة عن الإسلام في الصحف والمجلات والمحطات الفضائية، ليس وليداً للحظة الآتية بل سبقه عمليات تشويه متعددة، الكتاب يرصد علاقة الإسلام مع وسائل الإعلام الغربية، وكيف تم تشويه صورة الإسلام كدين وصورة المسلمين الذين يعتنقون هذا الدين، ويحاولوا أن يعيشوا بسلام على هذه الأرض.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
176 الصفحات
25×17 القياس
2010\الأولى سنة ورقم الطبعة
978-9933-10-141-1 ISBN
0.28 kg الوزن

مقدمة

تتعرض صورة العالم الإسلامي لكثير من التشويه والتحريف والتضليل في أغلب وسائل الإعلام الغربية، التي تروج صوراً نمطية عن الإسلام والمسلمين تثير الشك والريبة والخوف، وتخلق أسباب النفور من كل ما له صلة بالدين الإسلامي.
ويواجه الإسلام اليوم جملة من التحديات تختلف عن كل الأشكال الأخرى من التحديات التي عرضت له في تاريخه؛ فهي تضع المسلمين أمام اختيار عسير يمس هويتهم وصورتهم ومكانتهم بين الأمم، ويهدد مستقبلهم ويعوق تحقيق أهداف رسالة دينهم ذات الأبعاد الكونية والحضارية.
ومن بين أخطر هذه التحديات انتشار ظاهرة التشويه الإعلامي لصورة الإسلام والمسلمين في العديد من وسائل الإعلام الغربية، مما أدى إلى تحريف الحقائق وتضليل الرأي العام الغربي وتأليبه ضد المسلمين في كل مكان، بمن فيهم المسلمون الذين يعيشون في المجتمعات الغربية، والمسلمون الذين هم من الأبناء الأصليين لهذه المجتمعات.
إن محاولة رصد الملامح العامة لصورة الإسلام في الوعي الثقافي الغربي تتسم إجمالاً بالضبابية والارتباك؛ إذ إن غشاء سميكاً من الأحكام القَبْلية يحول دون إدراك حقيقة الإسلام وجوهره ومقاصده النبيلة.
ولذلك تنامى الوعي على صعيد العالم الإسلامي بضرورة النظر إلى مسألة الصورة المشوهة للإسلام في الإعلام الغربي بجدية تامة، وعدم اعتبارها قضية هامشية لا قيمة لها.
وتبلور هذا الاهتمام على صعيد المنظمات الإقليمية كمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، إذ تم تخصيص العديد من الندوات والدراسات لتسليط الضوء على خصائص ظاهرة التشويه الإعلامي الغربي للإسلام والمسلمين والبحث عن سبل مواجهته، كما نبه كثير من الباحثين والمتخصصين في العالمين الإسلامي والغربي إلى خطورة هذه الظاهرة، وتأثيراتها السلبية في العقل الغربي وسلوك المواطنين في المجتمعات الغربية ومواقفهم، وفي الأمن والسلم والتعايش بين شعوب العالم.
ومن خلال استيعاب مختلف القضايا والموضوعات التي انصبت عليها حملات التشويه الإعلامي الغربي للإسلام وحضارته، ومن منطلق الوعي بطبيعة المهام الملقاة على عاتق الجهات المسؤولة عن الرد على حملات التشويه الإعلامي للإسلام وللحضارة الإسلامية، فإن (الإطار العام لبرنامج الرد على حملات التشويه الإعلامي للإسلام وللحضارة الإسلامية) الذي أعدته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، وصادق عليه المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة (الجزائر، كانون الأول/ ديسمبر 2004م) حدد مجالات العمل التي ينبغي أن تتوجه إليها الجهود وتفرغ فيها الطاقات. ويتعلق الأمر بالمجال الإعلامي، والمجال الثقافي، والمجال التربوي، ومجال الدعوة الإسلامية، والمجال العلمي، والمجال الأكاديمي.
ويندرج هذا الكتاب في المجال الأكاديمي الذي لا يقل أهمية عن غيره من المجالات ذات الصلة بتنفيذ برنامج الرد على حملات التشويه الإعلامي للإسلام ولحضارته. فإذا وضعنا في الاعتبار أن الصور النمطية المسيئة للإسلام ازدادت انتشاراً على الصعيد العالمي بواسطة وسائل الإعلام المختلفة، فقد أكد برنامج الرد على حملات التشويه الإعلامي للإسلام وللحضارة الإسلامية أهميةَ إنجاز دراسات تحليلية حول ما تنشره وسائل الإعلام الغربية من مغالطات حول الإسلام وحضارته وضرورتَها، سواء من طرف الباحثين في إطار الجامعات والمعاهد المتخصصة، أو من طرف المؤسسات العلمية في إطار مراكز للبحث تحت إشراف منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات المتخصصة المتفرعة عنها.
إن صنع الصور النمطية المسيئة إلى الإسلام والمسلمين وترسيخها في العقل الغربي ظاهرة قديمة ومتجددة. ويمكن القول بأن الإسلام كان - ولا يزال - أكثر الأديان تعرضاً للإساءة في الغرب، كما أن المسلمين هم أكثر شعوب الأرض حظاً من التشويه والتجريح في المجتمعات الغربية.
ويدلنا الرصد التاريخي لتطور تلك الظاهرة على أن ساسة الغرب وقادة الرأي فيه كانوا ينظرون دائماً إلى الإسلام باعتباره يمثل تهديداً لهم. فاللاهوتيون في العصور الوسطى كانوا قلقين مما أسموه بتأثير القيم الإسلامية في القيم المسيحية تأثيراً تدميرياً، ولذلك رأى هؤلاء أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكرياً، والاستيلاء على أرضه وإقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية ديناً. وقد كان هدف الحملات العسكرية الصليبية في المرحلة التالية مواجهة ما أسموه (التهديد الإسلامي) قبل أن يغزو ديار الغرب.
ولم يختلف موقف الغربيين من الإسلام في حقبة الاستعمار مع مطلع القرن العشرين عن مواقفهم في الحقب السابقة. لقد كانت حركة الاستشراق في مجملها أداة من أدوات مواجهة التهديد الإسلامي المزعوم. فقد كان المطلوب من هذه الحركة استكشاف معالم العقلية الإسلامية وفهمها فهماً جيداً لتسهيل عملية استعمار الشعوب الإسلامية، واستغلال خيرات البلاد الإسلامية.
وفي المرحلة المعاصرة، تتسق نظرة الغربيين إلى الإسلام مع تلك المنظومة من الرؤى المعادية التي ورثها العقل الغربي من التراكمات التاريخية التي حفل بها تاريخه الكنيسي (نسبة إلى الكنيسة) الصليبي والاستشراقي الاستعماري. فالإسلام يمثل تهديداً للغرب كما هو واضح من نظرية زبجنيو برجنسكي عن (هلال الأزمات)، مروراً بنظرية برنارد لويس عن (عودة الإسلام)، وانتهاء بنظرية صامويل هنتنغتون عن (صدام الحضارات).
إن نهضة الإسلام بالنسبة إلى هؤلاء جميعاً تعني نهاية الحضارة الغربية، لا باعتبار الإسلام مجرد منافس إيديولوجي فحسب؛ بل لأنه أيضاً يمثل تحدياً حضارياً بالغ الخطورة. لذلك فإن العالم الإسلامي والمسلمين اليوم ليسوا إزاء حالة عداء غربي محدود النطاق والتأثير، إن الواقع المعاصر يشهد ما أسماه الباحث البريطاني فرد هاليداي ظاهرة (معاداة الإسلام) إذ يرى أن الاتجاه المعادي للإسلام وللمسلمين أخذ يتسع في العالم، وليس في الغرب وحده، مع أواخر الثمانينيات من القرن العشرين نتيجة لعدد من العوامل؛ منها انتهاء الحرب الباردة، وذيوع فكرة حلول الإسلام عدواً للغرب عوضاً عن الشيوعية التي أفل نجمها بانهيار الاتحاد السوفييتي، ثم أخيراً صعود التيار اليميني المتطرف في أوربة والولايات المتحدة الأمريكية.
في هذا السياق يرى المفكر المغربي محمد عابد الجابري أن الحملة على الإسلام هي عملية من قبيل (كل سلب تعين)، بمعنى أن الغرب لم يعد قادراً على التعرف على نفسه، بعد انهيار خصمه الشيوعية، إلا من خلال تنصيب الإسلام (آخرَ) جديداً، بل هو يصنعه صنعاً ليضمنه جميع أنواع السلب أو النفي التي تمكنه من تحديد هويته هو (أي الغرب) إيجابياً. وهكذا يصبح الإسلام وعاء لكل ما لا يرغب فيه الغرب ولكل ما يخاف منه.
استناداً إلى هذا التحليل يمكن القول بأن بناء الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين مرتبط بتراكمات تاريخية، ذات صلة بالحروب الصليبية وبحركة الاستشراق والحملات الاستعمارية. كما أنها إفراز لعقل أوربي لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، ومن ثمَّ لا يعرف (الأنا) إلا من خلال (الآخر).
من هنا يمكن للباحث السيكولوجي في رأي د. عابد الجابري "أن يلتمس لخطاب الخوف من الإسلام من وسائل الإعلام الغربية دوافع دفينة في الرغبات التي لا يريد الخطاب الغربي التعبير عنها صراحة، والتي تنبع من حاجات أشبه بالحاجات البيولوجية بالنسبة إلى اللاشعور الفردي. مثل الحاجة إلى البترول والرغبة في استمرار الهيمنة عليه، والحاجة إلى المهاجرين المتناقضة مع الرغبة في التخلص منهم تحت ضغط هواجس اقتصادية أو عنصرية، والحاجة إلى بقاء العالم الإسلامي قائماً كـ(آخر) لابد منه، والرغبة في أن يظل مشتتاً ومتخلفاً تابعاً"[(1)].
إن عودة الإسلام إلى مسرح الأحداث من خلال (الصحوة الإسلامية) تشكل نقطة بداية إعادة تفعيل خطاب يخيف من الإسلام، يقوم بإنتاجه (خبراء الإسلام) في الغرب، وتتولى وسائل الإعلام الترويج له وتقديمه وفق نموذج نمطي، تتكثف فيه وحدات ذهنية ضاربة في القدم، تشكلت مع الخطاب الكنسي حول الإسلام في القرون الوسطى[(2)].
وتعد فرنسة، التي اخترنا صحافتها المكتوبة عينة للدراسة المضمنة في الفصل الثاني من هذا الكتاب، من أهم الدول الأوربية التي تتجسد فيها تناقضات العقل الأوربي إزاء الإسلام، وتتبلور فيها بجلاء التفاعلات والارتباطات القوية والمستمرة لسيرورة الرؤية الغربية للإسلام ومختلف مراحل بناء الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين.
إن الرؤية الفرنسية للإسلام ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإشكالية الحوار الإسلامي في الغرب التي تتصل بإشكالية كبرى هي إشكالية المغايرة أو الآخرية (نسبة إلى الآخر). فالمغايرة مفهوم حاضر في كل الثقافات وقائم على أساس ثنائية الاختلاف بين الأنا والآخر. وعلى هذا الأساس فإن الرؤية الفرنسية للإسلام هي محصلة تراكمات تاريخية غذتها - ولا زالت - مجموعة من المواقف القَبْلية الجاهزة والقوالب المشوهة، مما جعل مقاربة الإسلام في فرنسة تراوح مكانها، بل إنها تتنافس مع المقاربة اللاهوتية في لغتها ومحتوياتها. كما أن الرؤية الفرنسية للإسلام هي حصيلة مجموعة من العناصر المتداخلة والمتشابكة أهمها عنصران: التراكمات السلبية حول الإسلام داخل الفضاء التاريخي الغربي، وبعض الممارسات السائدة داخل الفضاء الإسلامي[(3)].
ويرى الباحث صادق رابح أن الرؤية الفرنسية للإسلام تستند إلى أربعة مكونات أساسية هي:
أ-الخطاب القروسطيŽ(*): وهو ذو طبيعة دينية إقصائية، من إنتاج المؤسسة الدينية وعلى رأسها البابا، ذلك أن الكنيسة ظلت تُظهر الإسلام والمسلمين بمظهر الكارثة الطبيعية المدمرة.
ب-الخطاب التنويري: وتجسده فلسفة الأنوار التي تمثل أحد أهم الأركان المؤسسة للفكر الغربي المعاصر ومرجعية يعتز بها الفرنسيون. هذه الفلسفة، كما هو معلوم، ظلت حبيسة رؤية توفيقية براغماتية تجمع بين مدح الإسلام وذمه، والإعجاب به واستهجانه، والانبهار به والسخرية منه. وقد تجسد ذلك في مواقف فولتير ( Voltaire ) الذي أقر بأن الإسلام لم ينتشر بواسطة السيف، لكنه في الوقت نفسه يعدّ الرسول (ص) (متمرداً) و(خائناً) و(مجرماً).
ج-الخطاب الاستشراقي: ويمثل الرؤية الأكاديمية العلمية للإسلام، وهو بمنزلة تعبير فوقي يكشف عقلية أصحابه أكثر من التعبير عن حقيقة موضوعه. وقد نفى إدوارد سعيد في كتابه المشهور (الاستشراق) الطابع العلمي للكتابات الاستشراقية التي ترى العرب والمسلمين متخلفين ذهنياً، وغير متحضرين وخاملين تتحكم بهم عيوب فطرية تمنعهم من التطلع، وتجعل حركيتهم مراوحة في المكان نفسه. ولذلك عدَّ إدوارد سعيد أن الاستشراق ليس إخفاقاً علمياً فقط، ولكنه إخفاق إنساني أيضاً.
د-خطاب الكتاب المدرسي: ويعدُّ أحد أهم مصادر الرؤية الفرنسية للإسلام. فصورة المسلمين، وخاصة العرب، في الكتب المدرسية الفرنسية، هي امتداد للصورة التاريخية التراكمية السلبية لهذا الدين وحضارته وأتباعه. كما أن هذه الكتب حافلة بمصطلحات تحمل أحكاماً قيمية خطيرة بشأن الإسلام والمسلمين؛ كالتطرف وعدم التسامح والتواكل والعنف والقمع.
لقد وضعت الصحافة الفرنسية على عاتق المسلمين الأزمة الاقتصادية برمتها، والبطالة واختلال الأمن والعمليات الإرهابية، وأصبح الناخبون الفرنسيون، في مواقع عدة يصوتون لأكثر المرشحين عدوانية ضد الإسلام والمسلمين. كما أن المجلات الفرنسية التي تخصص أعداداً تدور محاورها حول الإسلام ترتفع معدلات مبيعاتها 15%، ومن بين هذه المجلات مجلتا الإكسبريس ( L’Express )، ولونوفيل أوبسرفاتور ( Le Nouvel Observateur ).
إن صناعة صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي، بالإضافة إلى ارتباطها وتأثرها بالتراكمات التاريخية ذات الصلة بالحروب الصليبية، والدراسات الاستشراقية، والأفكار النمطية المضمنة في الكتب والمقررات الدراسية، وتداعيات الحقبة الاستعمارية الإمبريالية لأجزاء من العالم الإسلامي (دول المغرب العربي خصوصاً)، فإن هذه الصناعة، حسب الباحث الفرنسي توماس ديلتومب في مؤلف له تحت عنوان (الإسلام الفرنسي المتخيل)[(4)]، عرفت محطات ساهمت بخصوصياتها في عملية تطور بناء صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي المرئي والمسموع والمكتوب. وقد خلص توماس ديلتومب إلى أن الصورة التي رسخت في العقل الفرنسي عن الإسلام والمسلمين ليست هي الصورة الحقيقية، وإنما الصورة التي أراد الإعلام أن يرسخها في أذهان الجمهور الفرنسي.
لقد مرت صناعة صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي بثلاث محطات رئيسة، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أ- مرحلة الأحداث المهمة بالنسبة إلى الإعلام الفرنسي، وتتحدد هذه المرحلة زمنياً خلال السنوات (1978-1989م). لقد كان الإسلام حتى بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين بالنسبة إلى الرأي العام الفرنسي ديناً (غريباً)، لكن منذ الثورة الإيرانية عام 1979م أصبح الإسلام موضوعاً للنقاشات العائلية بفعل تغطية إعلامية مكثفة لحدث الثورة الإيرانية التي كان قائدها الإمام الخميني منفياً في الديار الفرنسية. كما تعدُّ هذه المرحلة فاصلاً عما قبلها في تصور الفرنسيين للإسلام؛ إذ كان الإسلام من قبل مرتبطاً بمجموعة من التصورات والرؤى النمطية الجاهزة التي رسخها المستشرقون عن الشرق، بوصفه مجالاً جغرافياً وثقافياً يسود فيه الدين الإسلامي ويوجد فيه مسلمون "غارقون في التخلف والجهل، ومولعون بتعدد الزوجات، وتواقون إلى الجهاد ضد المسيحيين الكفار". لقد بدأت ملامح صورة أخرى عن الإسلام تتبلور خصوصاً، وقد تزامنت هذه المرحلة مع بروز ظاهرة الهجرة من بلدان المغرب العربي، إذ أولى الإعلام الفرنسي اهتماماً بالغاً للمهاجرين المغاربيين، وجعل الفرنسيين ينظرون إليهم على أنهم تهديد للمجتمع الفرنسي بسبب ديانتهم الإسلامية. ويؤكد توماس ديلتومب في كتابه المذكور سلفاً أن "الفرنسيين اكتشفوا هويتهم الخاصة والمتميزة ليس بالنظر إلى تاريخهم، بل بالنظر إلى المهاجرين الآخرين القادمين من بلدان العالم العربي"، فقضية الهجرة فتحت نقاشاً عاماً حول الهوية الفرنسية والطابع المسيحي لها، ولا سيما بعدما ظهرت قضية إدماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي.
إلى جانب ذلك ركز الإعلام الفرنسي خلال هذه المرحلة على قضايا أخرى تتعلق بالإسلام والمسلمين والغرب؛ مثل الحرية في المجتمعات الغربية مقابل الاستبداد في العالم الإسلامي، وحرية المرأة في فرنسة مقابل خضوع المرأة المسلمة لزوجها في المجتمعات الإسلامية، والحداثة مقابل التخلف، والديمقراطية مقابل سيطرة التقاليد الدينية.
ومن الأحداث المهمة ذات الصلة بالإسلام والمسلمين المميزة لهذه المرحلة نذكر على سبيل المثال قضية الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي، صاحب كتاب (آيات شيطانية)، وقضية الحجاب في المدارس الفرنسية.
ب- مرحلة ضبط الأقليات والجاليات المسلمة في فرنسة التي تمتد من سنة 1990 إلى 2000 م. وخلال هذه المرحلة تراجعت صورة إيران بوصفها ممثلاً للإسلام لتحل محلها صورة العراق والرئيس الراحل صدام حسين في أثناء غزو الكويت، والجزائر بمناسبة ظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ. في هذا السياق أصبح الإسلام يجسد في الذهنية الفرنسية ووسائل الإعلام العدو المضاد للغرب.
ج- وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين عادت قضية الهجرة لتحتل الواجهة الإعلامية، لكن بشكل مختلف عن المرحلة السابقة؛ إذ تداولت المنابر الإعلامية الفرنسية مصطلح (انتفاضة الضواحي) لتوصيف حالة المهاجرين المسلمين القادمين من دول المغرب العربي، الذين قاموا بمظاهرات عنيفة واشتباكات دموية مع رجال الشرطة احتجاجاً على انعدام شروط الحياة الكريمة في أحيائهم الهامشية في باريس وليون ومارسيلية. فصار الإعلام الفرنسي يسلط الضوء أكثر على هذه الأحياء واصفاً إياها بـ (الغيتوهات) و(المناطق الخارجة عن القانون).
د- مرحلة ما بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001م وتمتد إلى 2005م. لقد أفرزت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001م في نيويورك وواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية تداعيات خطيرة على المسلمين في فرنسة، حيث استفحلت ظاهرة الحقد والكراهية والاستفزاز ضدهم أكانوا أفراداً أم مؤسسات دينية (المساجد، المقابر)، وكذلك التضييق على نشاطهم الثقافي والاجتماعي والدعوي. ومنذ تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر دخل الفرنسيون مرحلة جديدة في التعاطي مع الإسلام والمسلمين، فقد أصبح الحديث الرائج عبر وسائل الإعلام هو المؤامرة التي تستهدف أبناء الجاليات المسلمة في فرنسة من طرف تنظيم القاعدة، مما أدى إلى سيطرة العقلية الأمنية داخل الدولة الفرنسية في تعاملها مع المسلمين، فأصبحت المساجد والخطب ولقاءات المسلمين وجمعياتهم خاضعة لرقابة شديدة من طرف وزارة الداخلية ورجال المخابرات. وفي هذا السياق أقدمت الحكومة الفرنسية في كانون الأول/ ديسمبر 2002م على إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وبذلك انطلقت مرحلة جديدة في تاريخ الجاليات والأقليات المسلمة في فرنسة؛ إذ أصبح ينظر إليهم على أنهم (مسلمو فرنسة) وليس (المسلمون في فرنسة). ومما لا شك فيه أن الغاية من وراء ذلك كانت هي احتواء العمل الإسلامي في فرنسة من منظور أمني صرف.
إن ما يميز مرحلة ما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001م الانتشار الواسع لثقافة (الخوف من الإسلام)، أو ما اصطلح عليه بالإسلاموفوبيا، مما زاد في تعميق الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين ترويجها بواسطة أحدث تقنيات الإعلام والاتصال من فضائيات وصحف ومجلات وإنترنيت ووسائط متعددة.
وفي مجال الإعلام المكتوب، ساهمت الصحافة الفرنسية (المجلات والجرائد) بدور فاعل في صناعة صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي؛ حيث ركزت الصحافة اليومية والأسبوعية على تناول مواضيع ذات صلة بالإسلام والمسلمين بنوع من الإثارة والجاذبية والتشويه والتحريف والافتراء. ومن المجلات الفرنسية التي خصصت أعداداً كثيرة في هذا الشأن:
.( le Point ) و( le Nouvel observateur ) و( l’Express ) و( la Croix )
إن المتابعة الدقيقة للكتابات الصحفية حول الإسلام والمسلمين المنشورة في الصحافة الفرنسية خلال المدة (2001-2005م) جعلت الباحث الفرنسي توماس ديلتومب في كتابه (الإسلام الفرنسي المتخيل)[(5)]، يحدد مستويين من الكتابة الصحافية في فرنسة وذلك على النحو التالي:
أ) المستوى الأول: ويضم الكتابات الصحفية التي سعى أصحابها إلى ربط الإرهاب بالإسلام، والبحث عن عنف المتطرفين في النصوص القرآنية. ومن أمثلة تلك افتتاحية مجلة لوبوان ( le Point ) بتاريخ 19/11/2001م التي نشرت تحت عنوان (العقاب)، حيث يتساءل كاتب الافتتاحية: "كيف يمكننا أن نعاقب مجانين الله دون أن نبعث الجنون في الجموع المضطربة جراء تقديسها لله؟ إن الإسلام متحفظ على دور الفرد، ويبقى رافضاً للإنتاج الرأسمالي، وهو ما يؤدي إلى البؤس، وهذا يؤدي بدوره إلى الثورة، والثورة تنتج الإرهاب الذي ينشده المتعصبون طلباً للشهادة... فكروا في الغرابة المروعة التي تجري في ديارنا من الحاسوب الذي ينادي للصلاة وإلى تدريب الطيارين الانتحاريين وتحضيرهم لقتال الكفار تمجيداً لله".
ب) المستوى الثاني: ويتضمن عدداً قليلاً من الكتابات الصحفية التي قال أصحابها بإن أفضل دفاع ضد الإرهاب هو العدالة. ومن هذا المنطلق رأت هذه الجماعة القليلة من الصحافيين الفرنسيين بأن الأحداث الدامية التي حصلت قبل تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وما بعدها هي نتيجة طبيعية لسياسات ظالمة. ومن أمثلة هذه الكتابات الافتتاحية التي نشرتها صحيفة ليبراسيون ( Libإration ) يوم 13/9/2001م بعنوان (اللانظام العالمي الجديد) يقول كاتب هذه الافتتاحية: "إن هذا الهجوم الإرهابي على أمريكة هو إعلان حرب، وما يليه منطقياً هو الحرب الشاملة، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بهذه الحرب ضد عدو سيهرب منها، أو على الأقل قسم منه. وهذا القسم يمتلك مئات بل آلاف الانتحاريين المستعدين للموت لكي يحطموا أمريكة وإسرائيل... لابد للولايات المتحدة أن تنزع أولاً فتائل القنابل الموقوتة لعدد من الصراعات أولها في الشرق الأوسط. إن أفضل دفاع ضد الإرهاب ليس الحرب ولكن العدالة".

الإسلام والإعلاموفوبيا

بدأ احتكاك الإسلام بالحضارة الغربية مبكراً؛ فمن الفتوحات الإسلامية والصدام مع روما، إلى حروب الفرنجة في بلاد الشام خاصةً، حيث تنامت العداوة والريبة تحت غطاء الدين ، إلى عصر النهضة الأوربية والرؤية الرومانسية للشرق، إلى عصر الأنوار والشك بكل ما هو مقدس. حتى إذا كان القرن الحادي والعشرون تحولت الرؤية إلى صورة نمطية مضللة واستعلائية، تتهم الإسلام بالتطرف والإرهاب.
كيف ساهم المستشرقون في رسم هذه الصورة؟
ولماذا استمرت الكتب والمقررات في العديد من الدول الغربية تحتوي على معلومات مغلوطة عن الإسلام؟
لماذا استفحلت مقولة الغرب: الإسلام هو العدو البديل بعد أن انهارت المنظمة الشيوعية، واتسع النقاش حول صراع الحضارات؟
في هذا الكتاب يحلل المؤلف المعلومات والأخبار والصور في وسائل الإعلام، ليصل إلى الأسباب الحقيقية والأساسية للخوف من الإسلام.