تخطي إلى المحتوى

الزاهدون في المناصب

Save 20% Save 20%
السعر الأصلي $3.00
السعر الأصلي $3.00 - السعر الأصلي $3.00
السعر الأصلي $3.00
السعر الحالي $2.40
$2.40 - $2.40
السعر الحالي $2.40

طائفة من الكرام الذين عرضت عليهم المناصب الهامة فرغبوا عنها، وزهدوا فيها، ومنهم من تسلم المنصب بشروطه، فكان ممن عفّوا أنفسهم عن كل مكسب

المؤلف
التصنيف الموضوعي
176 الصفحات
17×12 القياس
2010\الرابعة سنة ورقم الطبعة
1-59239-058-7 ISBN
0.14 kg الوزن

تقديم

سُئِلَ التَّابعي الجليل الحسن البصري: بِمَ نلتَ هذا المقام؟ فقال: باستغنائي عن دنيا النَّاس، وحاجتهم إِلى علمي، فقيل: هكذا يكون السُّؤدد.

بسم الله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله الطَّيِّبين الطَّاهرين، وأَصحابه الغرِّ الميامين، والتَّابعين وتابعيهم بإِحسان إِلى يوم الدِّين، وبعد..

فنظرة الإِسلام إِلى المناصب نظرة تحمُّل المسؤوليَّة، أَمام الله، وأَمام عباده، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استعمل رجلاً من عصابةٍ (جماعة أَو فئة) وفيهم من هو أَرضى للهِ منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)) .

وهناك من سيحرص على الإِمارة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((نِعْمَ الشَّيء الإِمارة لمن أَخذها بحقِّها وحِلِّها، وبئس الشَّيء الإِمارة لمن أَخذها بغير حقِّها، فتكون عليه حسرةً يوم القيامة)) .

كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إِذا قدم عليه الوفد سأَلهم عن حالهم وأَسعارهم، وعمَّن يَعْرِف من أَهل البلاد، وعن أَميرهم، هل يدخل عليه الضَّعيف؟ وهل يعود المريض؟ فإِن قالوا: نعم، حمد الله تعالى، وإِن قالوا: لا، كتب إِليه أَقْبِل .

وقال رضي الله عنه: دلُّوني على رجل أَستعمله على أَمر قد أَهمَّني، قالوا: كيف تريده؟ قال: إِذا كان في القوم وليس أَميرهم كان كأَنَّه أَميرهم، وإِذا كان أَميرهم كان كأَنَّه رجل منهم، قالوا: لا نعلمه إِلاَّ الرَّبيع بن زياد الحارثي، قال: صدقتم، هُوَ لها .

وولي عبد الرحمن بن الضَّحاك بن قيس المدينة المنوَّرة سنتين ، فأَحسن السِّيرة، وعفَّ عن أَموال النَّاس، ثمَّ عُزِل، فاجتمعوا إِليه، فأَنشد لدَرَّاج الضَّبابي:

فلا السِّجن أَبكاني ولا القيد شَفَّني
ولا أَنَّني من خشية الموتِ أَجزعُ
ولكنَّ أَقواماً أَخافُ عليهم
إِذا متُّ أَن يُعْطَوا الَّذي كنت أَمنَعُ
ثم قال: واللهِ ما أَسفت على هذه الولاية، ولكنِّي أَخشى أن يلي هذه الوجوه مَنْ لا يرعى لها حقَّها.

وأَحضر الرشيد رجلاً ليولِّيَه القضاء، فقال له: إِنِّي لا أُحسن القضاء، ولا أَنا فقيه، قال الرَّشيد: فيك ثلاث خِلاَل: لك شرف والشَّرف يمنع صاحبه من الدَّناءة، ولك حلم يمنعك من العَجَلَة، ومن لم يَعْجَل قلَّ خطؤه، وأَنت رجل تشاور في أَمرك، ومن شاور كَثُر صوابه، وأَمَّا الفقه، فسينضم إِليك من تتفقَّه به، فوَلي فما وجدوا فيه مطعناً.

كثيرون - عبر تاريخنا قديمه وحديثه - زهدوا بالمناصب، منهم من زهد بالمنصب زهداً بالمنصب ذاته وبغيره، لأُمور ارتآها، كتفرُّغه للعلم والتَّدريس، أَو ورعاً.

ومنهم من زهد بالمنصب لمن هو أَجدر منه وأَحقُّ.

ومنهم من تسلَّم المنصب بشروطه، وكان زاهداً به في كلِّ لحظاته، فلم يخشَ العزل بسبب قولة حقٍّ، أَو موقف عدل، والقناعة بالعدل من أُسِّ الشريعة:

{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ } [المائدة: 5/8].

ويوسف عليه السَّلام قبل المنصب لأَسباب وجيهة:

طلب ملك مصر إِحضاره لتوليته أَمراً فسَّره له: {وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ، قالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
[يوسف: 12/54-55].

ومع أَن الأنبياء مكلّفون بتبليغ الدَّعوة بأَمرٍ من الله بداهة، قبل يوسف عليه السَّلام المنصب حيث إِثبات براءته أَيضاً، فلو كان قد هَمَّ بها بسوءٍ ، لما رفعه الملك إلى منصب (وزير تموين) في حالة طوارئ، وظروف القحط الاستثنائيَّة.

وصام كي يشعر بثقل الأمانة الَّتي اختاره الملك لها وقبلها، وخطَّط بعلمٍ لتجاوز المحنة، فحقَّق المراد من المنصب، أَلا وهو العدل في توزيع المادَّة الأَساسيَّة لغذاء النَّاس، (القمح) عصب قوتهم اليومي، وذلك في سنينَ عجاف.

وبعد ذلك يمكن القول: قَبِل المنصب بعد سماعه رؤيا الملك الخطيرة لا قبلها، لتدارك خطرٍ لابُدَّ واقع، أَلهمه الله تأويلها، وكان الأَمر كما أَوَّل وفسَّر وتوقَّع، وجاءت قادمات السِّنين كما قال وعبَّر، وحقَّق العلاج المناسب في الوقت المناسب، لقد خطَّط لتجاوز السِّنين العجاف بسلام، فكان له ما أراد، مع عدالة التَّوزيع حيث قناعة الجميع ورضاهم، حيث العدل أساس الـمُلْك.

ولما سبق قال الحكماء: عدل السُّلطان أنفع للرَّعيَّة من خِصْب الزَّمان.

قال معاوية بن أبي سفيان: إِنِّي لأستحيي أَن أَظلم من لا يجد عليَّ ناصراً إِلاَّ الله، ولا أَضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أَضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أَنَّ بيني وبين النَّاس شعرةً ما انقطعت، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إِذا مدُّوها خلَّيتها، وإِن خلَّوْها مددتها .

وذكر الظُّلم في مجلس ابن عبَّاس، فقال كعب: إِنِّي لا أَجد في كتاب الله المنـزل أَنَّ الظُّلم يُخْرِب الدِّيار، فقال ابن عبَّاس: أَنا أَجِدُكَهُ في القرآن، قال الله عزَّ وجلَّ: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا}
[النمل: 27/52].

وكتب عاملٌ لعمر بن عبد العزيز على حِمْص إِلى عمر: إِنَّ حمص قد تهدَّم حصنها (سورها)، فإِن رأَى أَمير المؤمنين أَن يأذن لي في إِصلاحه، فكتب إِليه عمر: أمَّا بعد، فحصِّنها بالعدل، والسَّلام .

وقال الوليد لعبد الملك: يا أبتِ، ما السِّياسة؟ قال: هيبة الخاصَّة مع صدق مودَّتها، واقتياد قلوب العامَّة بالإِنصاف لها، واحتمال هفوات الصَّنائع .

ومنهج عرض هذه الباقة من أَخبار الزَّاهدين في المناصب: تسلسل سنيِّ الأَحداث وفق وقوعها، الأَقدم فالأَحدث حتَّى التَّاريخ الَّذي نعايشه.

وزُهْد بعضهم بالمنصب ليس فريضة الاقتداء بها فلصاحبها وجهة نظره الخاصَّة من ورع، أَو تفرُّغ لعمل آخر يرى فيه مكانه المناسب، حيث الخير للأُمَّة والصَّلاح، أَمَّا الواجب الَّذي يُقتدى فاستلام المنصب لمن يرى نفسه أَهلاً له، مع أَنه أكبر قدراً منه، بعلمه وعدله وعمله وإِخلاصه وورعه.. ويزهد به، ويتخلَّى عنه حينما يرى أنَّ الحقَّ أَحقُّ أَن يتَّبع، فالاستقامة والعدل والعفَّة.. نصب عينيه، فإِن لم تتحقَّق ترك المنصب، وزهد به عزيزاً كريماً، يرى نفسه ومكانته العلميَّة فوق المنصب حجماً ومكانة.

يقول تعالى في محكم التنـزيل:

{وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 2/284].

{فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 53/32].

{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 63/8].

والحمد لله ربِّ العالمين أَوَّلاً وآخراً.

دمشق في 22 ربيع الثاني 1423هـ

الموافق 2 حزيران (يونيو) 2002م

الدكتور شوقي أبو خليل

كثيرون - عبر تاريخنا قديمه وحديثه - زهدوا بالمناصب، منهم من زهد بها زهداً بتولي المناصب كافة، لأُمور ارتآها، ومنهم من زهد بها لمن هو أجدر منه وأَحقُّ، ومنهم من تسلَّم المنصب بشروطه، فكان زاهداً به في كلِّ لحظة، فلم يخشَ العزل بسبب قولة حقٍّ، أو موقف عادل..

وربما تختلف دوافع الزاهدين بالمناصب، وتكون وراء زهد كل منهم وجهة نظر خاصة؛ من ورع، أو تهيب، أو تفرغ لعمل آخر يرى الزاهد فيه مكانه المناسب، ويراه أجدى للأمة.. لكن هذا الزهد بالمناصب يظل مثلاً يحتذى في عدم الاستجابة لإغراءاتها ومنافعها.

قدَّم المؤلف - في هذا الكتاب - باقة من أخبار الزَّاهدين في المناصب حسب تسلسل سني الأحداث.

الزّاهدون في المناصب (د. شوقي أبو خليل)

يتناول هذا الكتاب بعض الشخصيات التي زهدت في المناصب في تاريخنا القديم والحديث.

يبدأ الكتاب بثابت بن أقرم الذي سلّم الراية لخالد بن الوليد في معركة مؤتة بعد أن أخذها عبد الله بن رواحة، ثم بأبي عبيدة بن الجرّاح الذي تنازل لعمرو بن العاص في معركة ذات السلاسل، ثم أبان بن سعيد الذي تنازل عن عمالة البحرين، ثم عتبة بن غزوان الذي زهد في إمارة البصرة، ثم أبي هريرة الذي رفض إمرة البحرين مرة ثانية، ثم سعيد بن عامر الجمحي الذي رفض العودة إلى ولاية حمص، ثم النعمان بن مقرّن المزني الذي تنازل عن منصب الخراج ليلتحق بالجهاد، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي رفض والده توليته الخلافة من بعده، وقال: ((بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد))، ثم عبد الرحمن بن عوف الذي تنازل عن حقه في الستة الذين أوكل إليهم عمر بن الخطاب أمر الخلافة بعد طعنه، ثم الحسن بن علي الذي تنازل عن الخلافة لمعاوية، ثم معاوية الثاني بن يزيد الذي تنازل عن الخلافة بعد مدة قصيرة من توليه، ثم عبد الرحمن بن عبيد التميمي لذي رفض منصب صاحب الشرطة للحجاج، ثم شريح بن الحارث بن قيس الكندي الذي رفض منصب القضاء في عهد الحجاج بن يوسف.

ثم انتقل الكتاب إلى الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز الذي خلع نفسه من ولاية العهد. ثم أبي حنيفة النعمان الذي رفض تولي القضاء، ثم أبي عبيدة بن أبي حذيفة الذي رفض القضاء، وسوَّار بن عبد الله الذي رفض ما أمره به المنصور عندما كان قاضياً، وأسد بن الفرات الذي زهد في منصب الإمارة وطلب الشهادة، ثم أبي بكر زكريا بن عمر الذي تنازل ليوسف بن تاشفين، ثم العزّ بن عبد السلام في موقفه مع الصالح إسماعيل والصالح نجم الدين أيوب، ثم الإمام النووي ورسالته إلى الظاهر بيبرس حول الحوطة على بساتين الشام، وابن دقيق العيد ورفضه منصب قاضي القضاء، وابن طولون الدمشقي ورفضه القضاء والخطابة، ثم الشيخ سعيد الحلبي وموقفه مع إبراهيم باشا، ثم الشيخ محسن الأمين ورفضه منصب المفتي العام للطائفة الشيعية في دمشق، ثم شكري القوتلي الذي تنازل عن منصب الرئاسة في سورية. وأخيراً عبد الرحمن سوار الذهب الذي تنحّى عن الحكم بعد عام واحد من تسلمه الرئاسة.