تخطي إلى المحتوى

ردود على أباطيل ج3

Save 20% Save 20%
السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00 - السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00
السعر الحالي $3.20
$3.20 - $3.20
السعر الحالي $3.20

ردود على أباطيل في الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم ، والحج والنذر، والنكاح، والطلاق، وموضوعات هامة أخرى.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
208 الصفحات
24×17 القياس
2003\الأولى سنة ورقم الطبعة
ISBN
0.325 kg الوزن

الفصل الأول

في الطهارة

* مس المصحف بغير طهارة.

* وضوء المريض وتيممه.

* توسع النجاسة.

* اللصقة الطبية، وأنها كالجبيرة.

* ما رأيكم في المسح على الجوارب؟

* صحة التيمم بالحجر المجرد.

* هل ينتقض الوضوء بالدم المتجمع في الإبرة؟

* حول الدم المتجمع تحت الجلد.

* رفع الجنابة في صور فقهية متعددة.

* أجوبة تتعلق بالحيض.

* مسائل في النفاس.

* حكم الدم الذي يخرج من المرأة بعد استئصال رحمها بعملية جراحية.

* إيضاح حول قربان الحائض والنفساء بالوطء ونحوه.

* ما حكم النظر إلى ما بين الركبة والسرة لكلا الزوجين في الحيض والنفاس؟

* ما حكم النظر في الفرج في غير أيام الحيض والنفاس بالنسبة للزوجين؟

* جواب سؤال عن الكولونيا من حيث نجاستها.

* ما حكم غسل الثياب بآلة كهربائية لها خزانان؟

مس المصحف بغير طهارة

أما مس المصحف بغير طهارة فغير جائز في مذاهب الأكثرين من أئمة المسلمين وفقهاء العلماء، وقد استدلوا له بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 56/77-79] فإنه إن كان الضمير في {لا يَمَسُّهُ} عائداً إلى القرآن الكريم فقد ثبت الحكم.

والمطهَّرون هم غير المحدِثين. وقد فهم الصحابة هذا، فإن أخت عمر بن الخطاب رضي الله عنه منعته من مسِّ القرآن قبل أن يغتسل حين دخل عليها غضبان، وقد أسلمت قبل أن يسلم رضي الله عنه وعنها وعن سائر الصحابة والقرابة.

الطهارة إذا أطلقت في لغة الشرع عند بيان الأحكام، فالمتبادر منها الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وعلى احتمال معنى آخر للآية الكريمة، وهو أن يكون المراد بالمطهرين فيها الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام، وأن الضمير عائد على اللوح المحفوظ، فإن المدعى ثابت أيضاً، لأن الكلام مسوق لمدح القرآن الكريم بأنه مصون ومحفوظ من مسِّ غير المطهرين إياه، لأن اللوح المحفوظ الذي هو فيه لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، وإنه لأشرف ما في اللوح المحفوظ وأكرمه على الله سبحانه وأعزّه، فلا ينبغي أن يمسّه من البشر إلا الطاهر من الحدثين. فإن قيل: إن الجملة خبرية غير ناهية قلنا: إن الخبر هنا معناه النهي، وهو أسلوب بليغ من أساليب العرب في مكالماتهم، والقرآن نزل طبق طرائقهم فيها.

والذي يقطع الاحتمال ويحسمه نهائياً كتابُ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)) رواه أبو داود والترمذي عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما، وقد تلقى الأئمة هذا الخبر بالقبول. قال ابن عبد البر: إنه أشبه بالمتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب: لا أعلم كتاباً أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ويَدَعون رأيهم. وقال الحاكم:

قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة. اهـ. من (نيل الأوطار).

وضوء المريض وتيممه

المقرر في الفقه أن المريض إذا استطاع التوضؤ فعليه أن يتوضأ، وإن لم يستطعه؛ فإن كان له مَن يوضئه مِن ولد أو زوجة أو خادم توضأ أيضاً، وإن لم يكن له من يوضئه تيمم. ولا يشترط الغبار في الصعيد الطيب المتيمَّم به عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، فيصح التيمم عندهما بالحجر الطيب الطاهر، وأبو يوسف رحمه الله تعالى أجازه بالتراب وبالرمل، فلا يُجزئ الحجر عنده ما لم يكن عليه غبار. والشافعي رحمه الله تعالى خصه بالتراب، فالغبار الترابي شرط لصحة التيمم في قوله.

وعلى هذا يجوز التيمم بالجدار الإسمنت عند أبي حنيفة ومحمد إذا كان طاهراً لم تعلق به نجاسة حين جبله بالماء، لا كالذي نراه الآن من العمال الذين يخوضون طين الإسمنت بأحذيتهم المتنجسة، فالأحوط استصحاب حجر كبير مغسول يجففه ثم يتيمم به، فإن طَيب الصعيد مشروط بالنص.

توسع النجاسة

إذا كان موضع من الثوب متنجساً، وأصابه ماء توسعت رقعة النجاسة، وإذا كان في إناء وصب عليه ماء تنجس الإناء بما فيه.

اللصقة الطبية وأنها كالجبيرة

الذي أراه أن اللصقة الطبية إذا كانت بمقدار الحاجة وقد دعت إليها الضرورة، أنها في حكم الجبيرة، فَيُمر الماء من فوقها إمراراً عند الاغتسال ولا يكتفي بمجرد المسح إن لم يخش انقلاعها، وبذا يتبين أنها أخص من الجبيرة من هذا الوجه، لأن وظيفة الجبيرة المسح عليها فقط، أما هذه فإن تعميمها بالماء لا يضرّها، لأنها لا تشف الماء ولا تنفذه إلى ما تحتها.

والأمر مرده إلى الطبيب المسلم الحاذق العدل أو المستور على الأقل، فعلى ضوء تعليماته يسير المريض.

ما رأيكم في المسح على الجوارب؟

المسح على الجوربين جائز بشروط هي:

1 - أن يكونا ثخينين بحيث يمكن المشي فيهما فرسخاً، أي مسيرة ساعة ونصف على الأقل.

2 - أن يَثبتا على الساقين بأنفسهما من غير شد برباط.

3 - أن لا يُرى ما تحتهما.

4 - أن لا يَشِفّا الماء ولا يشرباه فيبلغ ظهور القدمين، والمراد بالماء ماء المسح، لا ماء الغَسل.

وما جُعل لهما نعل من أسفلهما الذي يلي الأرض، يشترط فيهما الثخانة.

أما الجوربان الرقيقان فيشترط لجواز المسح عليهما أن يكونا مجلدين، أي أن يجعل الجلد مخيطاً بهما من أسفلهما كله، ومن أعلاهما من رؤوس الأصابع إلى ظهور القدمين، ولكن لا يشترط استيعاب جميع الجلد جميع ما يستر القدمين - وإنْ شَرَطَه بعض الفقهاء - بل يكفي أن يكون الجلد ساتراً لأسفلهما جميعاً، أما لأعلاهما فيشترط ستره لِما كان من رؤوس الأصابع إلى ظهور القدمين، وهو موضع المسح.

هذا ملخص ما في (تنوير الأبصار) للتمرتاشي، وشرحه (الدر المختار) للعلائي، وحاشية (رد المحتار) لابن عابدين، و (التحرير المختار) للرافعي، وكل هؤلاء الفضلاء من فقهاء السادة الحنفية.

صحة التيمم بالحجر المجرد

لا يشترط الغبار في التيمم على الأصح إذا كان المُتَيَمَّمُ عليه من جنس الأرض مما لا يحترق ويترمَّد كالخشب، ومما لا ينطبع ويتمدد كالمعادن.

لكن التيمم له ضربتان؛ كل منهما بكلتا اليدين، فإن كان الحجر صغيراً لا يتسع لليدين معاً يطلب أن يكون من الحجم بحيث يتسع لاستيعاب اليد الواحدة حين ضربها بها، ثم يضرب اليد الثانية بها ويمسح وجهه بهما جميعاً، ويفعل لمسح الذراعين مثل ذلك.

هل ينتقض الوضوء بالدم المتجمع في الإبرة؟

الدم الخارج من بدن الإنسان ينقض الوضوء إذا كانت فيه قوة السيلان، وهذا الذي يتجمع في الإبرة فيه هذه القوة، فالوضوء به منتقض.

حول الدم المتجمع تحت الجلد

الحمد لله رب العالمين. وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

ما نقل عن كتاب (الأم) للإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - من وجوب إخراج الدم المدخل تحت الجلد وإعادة كل صلاة صلاها بعد إدخال ذلك الدم. اهـ.

لعل المراد منه ما يشبه الوشم الذي ورد لفاعله اللعن في الأحاديث النبوية الشريفة، إذ هو حبس الدم تحت الجلد، وغرزه بإبر، وذَرُّ نحو كحل عليه حتى يبدو أزرقاً. وهو - على ما فيه من تغيير خلق الله تعالى - حبس لنجاسة هذا الدم المسفوح، وإنه مفسد للطهارة المفروضة، فلا تتم بوجوده، والواجب إخراجه قياماً بها كما فرضت. ومذهب الحنفية لا يوجب هذا من حيث إن التطهير بما يعنى به تطهير ما بدا على سطح الجلد فقط. وهذا الذي تحته له حكم الباطن، وهو غير واجب التطهير. هذا البحث من حيث الطهارةُ. وهو - فيما أرى - لا يمس مسألة التداوي بالمحرم عند الاضطرار إليه، وقد وضحت ذلك سابقاً، وبينت الخلاف فيه ووجهات نظر المختلفين وهم حنفية. والذي أراه هو الرجوع إلى فقهاء الشافعية.

رفع الجنابة في صور فقهية متعددة

الجواب على سؤال عن: مسافرَيْن معهما ماء يكفي لاغتسال من جنابة أو غسل ميت، ولا يزيد على أحدهما، وفي الليل مات أحدهما، واستيقظ الآخر جنباً. هذا

الماء: إما أن يكون مملوكاً لأحدهما، أو مشتركاً بينهما، أو مباحاً غير مملوك كما لو كان مجتمعاً في صخرة منقورة مثلاً لا يملكه أحد.

الأمر لا يعدو هذه الصور الثلاث؛ فإن كان لأحدهما فهو أولى به، لأنه أحق بملكه كما هو في (رد المحتار) عن (السراج) من كتب الحنفية. وعليه فإنْ كان للحي اغتسل به، ويمَّم الميت، ودفنه، والتيمم طهارة معتبرة ومعتد بها شرعاً عند فَقد الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله. وإن كان للميت غَسَّلَه الحيُّ به، وتيمم هذا الحيُّ الجُنُبُ، وصلى، إذ لا ماء لديه.

وإن كان مشتركاً بينهما ينبغي صرفه في غسل الميت كما هو في (الدر المختار) للعلائي من كتب الحنفية، وأيده المحقق الشيخ ابن عابدين في حاشيته (رد المحتار) عليه. والعلة الفقهية فيه هو أنه لمّا كان استقلال الحي به غير ممكن - لمكان حصة الميت منه فهو مشغول بها - تعين صرفُه للميت فَيُغَسَّل به، ولا يباح للحي استعماله وإن كانت الجنابة أغلظ من غيرها من الأحداث، إذ في الإمكان دفعها مؤقتاً بالتيمم.

وأما إذا كان الماء مباحاً فالحي الجُنُبُ أولى به، ونصيب الميت التيمم له بالتراب، لأن الجنابة أغلظ الأحداث، فيصرف الماء إلى إسقاطها، وفي الإمكان تطهير الميت بالتيمم له، فتعيَّن المصير إليه.

وبعد: فالمسألة مصوَّرة فقهاً بأوسع مما سألت عنه، وإليك ما كتبه الفقهاء - رحمهم الله - فيها: قال في (الدر المختار): الجُنُبُ أولى بمباح من حائض أو ميت، ولو لأحدهم فهو أولى به، ولو مشتركاً ينبغي صرفه للميت. اهـ.

وقد كتب عليه الشيخ المحقق ابن عابدين في حاشيته عليه، فقال: ((قوله الجنب أولى بمباح.. إلخ)) هذا بالإجماع و (التاترخانية) أي: وييمم الميت ليصلى عليه، وكذا المرأة والمحدث - أي حدثاً أصغر -، ويقتديان به، لأن الجنابة أغلظ من الحدث، والمرأة لا تصلح إماماً، لكن في (السراج): أن الميت أولى، لأن غَسْله يراد للتنظيف، وهو لا يحصل بالتراب، اهـ. تأمل، ثم رأيت بخط الشارح عن (الظهرية) أن الأول أصح، وأنه جزم به صاحب (الخلاصة) وغيره. اهـ. وفي (السراج) أيضاً: لو كان الماء يكفي للمحدث فقط كان أولى، لأنه يرفع حدثه. انتهى كلام الشيخ ابن عابدين.

وقد كتب على كلامه الرافعي في تقريراته فقال: ((قوله: لأن الجنابة أغلظ من الحدث.. إلخ)) ووجه تقديمه على الميت أن مصلحة نفسه مقدمة على مصلحة غيره على ما في (السّندي)، وقال الطحطاوي: لعل أوليته عليه بسبب أنه يؤدي ما كُلف به من صلاة وغيرها، فاحتياجه إليه أكثر من الميت. وأما أوليته على الحائض فلأنه لو اغتسل، وتيممت جاز اقتداؤها به اتفاقاً، وبالعكس لا تصلح إماماً، وفي اقتدائها به خلاف محمد حيث قال: لا يصح اقتداء المغتسل بالمتيمِّم. اهـ. عن السّندي الفقيه العظيم.

ثم كتب الشيخ ابن عابدين على كلام صاحب (الدر المختار)، فقال: ((قوله: ينبغي صرفه للميت)) أي ينبغي لكل منهم أن يصرف نصيبه للميت، حيث كان كل واحد لا يكفيه نصيبه، ولا يمكن الجنب ولا غيره أن يستقل بالكل، لأنه مشغول بحصة الميت، وكون الجنابة أغلظ لا يبيح استعمال حصة الميت، فلم يكن الجنب أولى، بخلاف ما لو كان الماء مباحاً، فإنه حيث أمكن به رفع الجنابة كان أولى، فافهم. اهـ. كلام المحقق ابن عابدين.

أجوبة تتعلق بالحَيْض

1 - العادة في الحيض قد تتقدم وقد تتأخر. ولا بد من ملاحظة أن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين أو بين الحيض والنفاس هو خمسة عشر يوماً، فإن كان أقل منهما لم يأخذ حكم الطهر الصحيح الذي يترتب عليه ما قبله وما بعده، بل هو كالدم الجاري. وعلى هذا فإنْ طَرَقَ المرأةَ دمٌ بعد طهر صحيح اعتبر حيضاً إذا استوفى أقل نصاب له، وهو ثلاثة أيام بلياليها (72 ساعة). ولا فرق فيه بين أن يكون أحمر قانئاً - أي شديد الحمرة - أو دون ذلك من صفرة أو كدرة، فإن ما عدا البياض

الخالص حيضٌ خالص على الصحيح المعتمد. أما إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً فإن المرأة ترد إلى عادتها، أي إلى المدة التي انقطع دم الحيض في نهايتها، وما زاد عليها مما جاوز العشرة يكون استحاضة كدم الجراحة، ويأتي هذا موضَّحاً في الجواب التالي:

2 - ليس من شرط اعتبار الدم حيضاً دفقه وغزارته، فإن قليلَه وكثيرَه سواءٌ، والقطرة منه وما فوقها حيض، وعليه فإن زادت مدة الدم عن سابقتها في الحيض المار قبل هذا الحيض كانت مدة حيض إذا انقطع لدون عشرة أيام أو لتمامها وهي (240) أربعون ومئتا ساعة بالضبط، وهي أقصى مدة في الحيض، وبذا تكون العادة قد انتقلت إلى ما حصل الانقطاع عليه آخراً.

أما إذا جاوز الدم عشرة أيام فإن ما زاد على العادة السابقة يعتبر دم استحاضة، وهو كدم الجرح والرعاف ينقض الوضوء فقط، وليست له أحكام الحيض.

والصفرة والحمرة سواء فيما زاد على العادة كما بينا، فما تراه من صفرة، أو كدرة وراء العادة، حكمه كالدم الأحمر القانئ إن انقطع لتمام عشرة أيام أو لدونها كان حيضاً، والعادة تنتقل به، وإن زاد على العشرة تُرَد المرأة إلى أيام عادتها التي كانت عليها قبل هذه الحيضة، وما زاد يكون استحاضة. والعادة تثبت بمرة واحدة، فلينتبه إلى هذا، فقد يقع الغلط فيه.

3 - العبرة في انتقاض الوضوء بما يخرج من المرأة هي في مجاوزة الفرج الداخل - أي المدور، لا حَياء في الدين - أما المستطيل فهو بالنسبة إليه كالإليتين بالنسبة إلى الدبر، وعليه: فإن برزت الرطوبة من الفرج الداخل، أو حاذت أطرافه انتقض الوضوء. وما دامت داخله فلا انتقاض، لأنها في معدنها ومكمنها لم تنتقل عنه، فلا حكم لها إلا بالبروز أو المحاذاة.

مسائل في النِّفَاس

وبعد: فإن أقصى مدة للنِّفاس في مذهب الحنفية أربعون يوماً بلياليها، فإن زاد الدم عليها كان استحاضة، أي كدم الجراحة والرعاف، فتغتسل المرأة على تمام

الأربعين، ثم تصلي وتصوم، ولو قطر الدم على الحصير، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، هذا إذا لم يكن قطع الدم باحتشاء بقطن ونحوه، فإن أمكن وجب، وفي حالة عدم الإمكان تكون معذورة؛ لكن بشرط أن يستغرق خروج الدم وقتاً كاملاً للصلاة، أي من أول وقت الظهر إلى آخره لأول مرة، وأن يُرى في الأوقات التالية له - ولو قليلاً - في كل وقت، فإن خلا عنه وقت كامل كانت صحيحة غير معذورة.

ويشترط لصحة صلاتها - إن كانت معذورة - أن تتوضأ ضمن الوقت على السيلان، فإن توضأت على الانقطاع ثم سال انتقض وضوؤها، ويجب عليها أن تهيء ثوباً للصلاة خاصاً في حالة العذر إن كانت ثيابها لا تتلوث إلى أن تفرغ من أداء الفرض أقل من قدر الدرهم - أي مقدار مقعر الكف في النجاسة المائعة - أما إذا كان التلوث أكثر منه فلا يجب.

ومدة النفاس - وهي أربعون يوماً - لا يشترط استيعابها بالدم، فإن التقطع فيها كالسيلان، ويعتبر الدم جارياً طول المدة، فخروج الدم في أولها وآخرها يجعلها كلها مدة نفاس. فإن صلت خلالها فصلاتها لاغية، وإن صامت وجب عليها قضاء صومها، وغير البياض كالدم في الحكم، ما لم تر الأبيض الخالص الذي هو بياض القطن، فقد كانت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها تقول للنساء: ((لا تعجلن حتى ترين القَصَّة البيضاء))، أي حتى يرين قطعة القماش التي يضعها النسوة في مخرج الدم بيضاء ناصعة. فالحمرة والصفرة والكدرة سواء في الحكم، وكلها كالدم الأحمر القانئ.

والحيض والنفاس لا يمنعان الذِّكر والدعاء والاستغفار، لكن لا ينبغي أن يكون هذا والعورة منكشفة، إنما يمنعان تلاوة القرآن ومسّ المصحف الشريف بغير غلاف منفصل، أمّا به منفصلاً عن الماسِّ وعنه فيجوز، فجلد المصحف كالمصحف، والثوب الملبوس كاليد. ويمنعان أيضاً الصلاة والصوم ودخول المسجد والطواف بالكعبة المعظمة، زادها الله بركةً وشرفاً وتكريماً وتعظيماً، آمين.

ودم الاستحاضة، وهو ما زاد على أربعين في النفاس، وعلى عشرة في الحيض، أو نقص عن اثنتين وسبعين ساعة في الحيض، ودام انقطاع الدم وراءه خمسة عشر يوماً فأكثر، دم الاستحاضة هذا كدم الجرح، تكون المرأة معه معذورة كما ذكرنا، وتتوضأ لكل صلاة بعد انقضاء مدة الحيض ومدة النفاس كما وصفنا، ولا يُحَرِّم صوماً ولا صلاة ولا وطأً.

حكم الدم الذي يخرج من المرأة

بعد استئصال رحمها بعملية جراحية

ما يأتي المرأةَ من الدم بعد استئصال رحمها بعملية جراحية ليس بحيض، لأن دم الحيض ينفضه الرحم، وهو هنا منعدم، فهو إذن دم جراحة. والمرأة تأخذ فيه صفة المعذور إذا استمر بها الدم ولم يمكن منعه بنحو احتشاء بقطن، فتتوضأ لوقت كل صلاة. وصيامها صحيح لأنها ليست بحائض يحرم الصوم عليها، ولزوجها أن يطأها، لكن يلزم التطهر قبل الوطء بالماء قدر المستطاع تقليلاً للنجاسة بحسب الإمكان، وعِدَّتها من الطلاق ثلاثة أشهر، كالتي بلغت سن الإياس وهو خمس وخمسون سنة ثم انقطع عنها فإنها تعتد بثلاثة أشهر، بل إن هذه أولى منها بالحكم، لأن الآيسة إذا عاودها الدم بعد سن الإياس على الصفة الأولى كان حيضاً، فالحيض منها متصوَّر بالجملة. أما هذه فقد زال رحمها، فلا يتصور منها حيض مطلقاً، فهي أولى من الآيسة بالاعتداد بثلاثة أشهر، هذا مذهب الحنفية. وإليك بعضَ النقول الفقهية في أن هذا الدم ليس دم حيض: قال في (متن الكنز) للنسفي، وشرحه للعيني: (هو دم ينفضه) أي يسكبه ويدفعه (رحم امرأة) احترز به عن الرعاف والدماء الخارجة عن الجراحات، وبقوله: (سليمة عن داء) عن دم النفاس، فإن النفساء في حكم المريضة، حتى اعتُبرت تبرعاتُها من الثلث، وعن دم خرج من جراحة أو دمّل في الرحم اهـ.

فإذا كان الدم الخارج من جراحة أو دمّل في الرحم ليس بحيض، مع أن الرحم باق، فكيف به إذا استؤصل كله؟

وقال في المتن المذكور وشرحه (البحر الرائق) للعلامة ابن نجيم: (وهو دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داء وصَفَر) فدخل في قوله: دم، غير المعروف، وشمل الدم الحقيقي والحكمي، وخرج بقوله: ينفضه رحم امرأة، دم الرعاف والجراحات وما يكون منه لا من آدمية، وما خرج من الدبر من الدم فإنه ليس بحيض، لكن يستحب لها أن تغتسل عند انقطاع الدم، فإن أمسك زوجها عن الإتيان أحب إليّ. كذا في (الخلاصة)، ولم تخرج الاستحاضة، لأن المراد بالرحم هنا الفرج، وخرج بقوله: سليمة عن داء، أي: داء برحمها. وإنما قيدنا به لأن مرض المرأة السليمة الرحم لا يمنع كون ما تراه في عادتها مثلاً حيضاً، كما لا يخفى، وخرج النفاس أيضاً، لأن بالرحم داء بسبب الولادة. اهـ. وأنت ترى أن سلامة الرحم مشروطة لاعتباره حيضاً، والتي استؤصل رحمها أولى بألا تكون حائضاً من التي في رحمها داء. فالخروج من الرحم أصل في اعتباره حيضاً، قال في متن رسالة البَرْكوي في الحيض وشرحها للعلامة ابن عابدين: هو (دم صادر من رحم) أي منبت الولد ووطؤه. اهـ قاموس.

إيضاح حول قربان الحائض والنفساء بالوطء ونحوه

وطء الحائض، ومثلها النفساء، حرام بصريح القرآن الكريم: }وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ [البقرة: 2/222].

إتيان المرأة مدة الحيض حرام بالإجماع، ما لم تطهر الحائض، وأما الاستمتاع بغير الوطء فيما دون القبل فهو موضوع خلاف بين أئمة المسلمين وفقهائهم؛ فذهب فريق منهم إلى أن للرجل الاستمتاع بامرأته بغير الوطء حتى فيما بين السرة والركبة، وإنما يجتنب شعار الدم الذي هو المأتى، فلا لمس له، ولا استمتاع به مدة الحيض.

ورأى آخرون قَصْرَ جواز الاستمتاع على ما فوق السرة وتحت الركبة ولو بغير حائل، وأما ما بينهما فلا، إلا بحائل صفيق يمنع الإحساس بحرارة الجسد.

فمن الفريق الأول: عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحاكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن حسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود.

وبدهي أن يكون لهؤلاء - وقد جوزوا الاستمتاع بنحو التفخيذ والتبطين - أن يسمحوا بالنظر واللمس، باستثناء مكان الوطء الذي هو القبل، لأنهما دون الاستمتاع بما هو أقوى منهما.

ومن الفريق الثاني: مالك وأبو حنيفة والشافعي، وهو قول أكثر العلماء كسعيد بن المسيب وشريح وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وقتادة، فلا يسوغ عند هؤلاء استمتاع الرجل بامرأته الحائض فيما بين السرة والركبة إلا بحائل غليظ، من حيث أن حريم المأتي له حكمُه خشية الزلل والإتيانِ في القبل المحرم بالإجماع. ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

دليل الفريق الأول ما رواه أبو داود عن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها شيئاً.

وما رواه مسروق بن الأجدع قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء، إلا الفرج. رواه البخاري في تاريخه.

وروى الجماعة إلا البخاري عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها، ولم يجامعوها في البيوت - أي لم يجتمعوا بها - فسأل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: }وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ{ [البقرة: 2/222] إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) وفي رواية: ((إلا الجماع)).

وحجة الفريق الثاني ما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي عليه الصلاة والسلام قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض. وهذا لفظ البخاري.

وللبخاري ومسلم عن عائشة نحوه. وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء عن حكيم بن حزام عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: ((ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل)).

وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها، ثم يباشرها.

فهذه الأحاديث مخصصة عموم الإباحة في الأحاديث التي احتج بها الفريق الأول. ومن القواعد الشرعية أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح، وما اجتمع حرام وحلال إلا غلب الحرام الحلال، أخذاً بالحيطة واستبراءاً للدين.

بقي علي أن قول هؤلاء المانعين: هل يحل للرجل النظر إلى ما بين السرة والركبة مدة الحيض؟ المسألة ذات خلاف بين الفقهاء، والراجح المنع، وقد أوضح هذا أتم إيضاح العلامة الفقيه الشيخ ابن عابدين في حاشيته المشهورة المسماة (رد المحتار على الدر المختار)، فإنه بعد أن ذكر الخلاف وانتصار بعضهم للقول بحل النظر قال: وأقول: فيه نظر - يعني به عدم تسليمه لقائله - فإنه من عبَّر بالمباشرة أي التقاء البشرة ساكت عن النظر، ومن عبَّر بالاستمتاع مانع للنظر، فيؤخذ به لتقدمه على المفهوم.

على أنه نقل في (الحقائق) في باب الاستحسان عن (التحفة) و (الخانية): يجتنب الرجل من الحائض ما تحت الإزار عند الإمام، وقال محمد: يجتنب شعار الدم، يعني الجماع فقط، ثم اختلفوا في تفسير قول الإمام؛ قيل: لا يباح من النظر ونحوه بما دون السرة إلى الركبة، ويباح ما وراءه، وقيل: يباح مع الإزار. اهـ.

ولا يخفى أن الأول صريح في عدم حل النظر إلى ما تحت الإزار، والثاني قريب منه، وليس معه النقل إلا الرجوع إليه، فافهم. اهـ كلام ابن عابدين، وهو حق، فإن النظر يدعو إلى الوقاع. واللمس كالنظر، وهو المراد بقول الفقهاء (ونحوه)، وقد سكت عليه الشيخ الرافعي في تقريراته وأقرّه.

ما حكم النظر إلى ما بين السرة والركبة

لكلا الزوجين في الحيض والنفاس؟

حكم نظر الرجل إلى ما بين السرة والركبة - والركبة من العورة - من امرأته زمن الحيض ممنوع في أقوى الوجهين للفقهاء، لئلا يُفضي هذا النظر إلى الوطء المحظور، واللمس كالنظر، أما هي فلها أن تنظر إلى ما بين سرته وركبته، بل لها أن تلمس أيضاً. لكن لا بما بين سرتها وركبتها. والمسألة مذكورة في باب الحيض من كتاب (الدر المختار) للعلائي، وحاشية (رد المحتار) للعلامة ابن عابدين الحنفيَّيْن.

ما حكم النظر في الفرج

في غير أيام الحيض والنفاس بالنسبة للزوجين؟

حكم نظر الرجل إلى فرج امرأته في غير زمن الحيض، ونظرها إلى ذكره، الحِلُّ؛ بشهوة وبغير شهوة. والأولى أن لا يكون هذا النظر لقول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيت منه، وما رأى مني)). تعني العورة، وإن هذا النظر يورث النسيان، كما في (الدر المختار)، ويضعف البدن، كما نقله في (رد المحتار) عن العلامة الطحطاوي الحنفي، وذكره صاحب (الهداية) أيضاً. وفي (الجوهرة) عن (الينابيع): يباح للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته ومملوكته وفرج نفسه، إلا أنه ليس من الأدب. اهـ.

قال الشيخ ابن عابدين في الجزء الخامس من (رد المحتار) في كتاب الحظر والإباحة، قال في (الهداية): الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولا يتجردان تجرد العير)). - بالعين المهملة وهو الحمار -، ولأن ذلك يورث النسيان لورود الأثر، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. اهـ. وتعقبه الشيخ ابن عابدين، فقال: لكن في شرحها - أي (الهداية) للعيني - أن هذا لم يثبتْ عن ابن عمر لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف. وعن أبي يوسف سألت أبا حنيفة عن الرجل يمسّ فرج امرأته، وهي تمس فرجه ليتحرك عليها، هل ترى بذلك بأساً؟ قال: لا، وأرجو أن يعظم الأجر. اهـ من كتاب (الذخيرة في الفقه). وعِظَم الأجر المذكور مأخوذ من قوله عليه وآله الصلاة والسلام في حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه: ((.. وفي بُضع أحدكم صدقة - أي في جماعه امرأتَه ثوابُ صدقة - قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ فقال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)).

جواب السؤال عن الكولونيا، من حيث نجاستُها

أما سؤالكم عن الكولونيا، فجوابه أنها نجسة عند الحنفية، لأن (الإسبيرتو) نجس نجاسة غليظة عند الإمام، وخفيفة عند صاحبيه - رحمهم الله تعالى كلهم أجمعين - والخلاف بينهم قائم في الأشربة المسكرة المتخذة من غير ماء العنب، أما المتخذ من مائه فنجس غليظ قطعاً باتفاق. وقد حكى الخلاف في (الدر المختار) للعلائي، ونقل عن صاحب (النهر) ترجيح التخفيف، أي فيعفى عما دون ربع الثوب منها. وفي (رد المحتار) لابن عابدين: ونقل هذا عن صاحب (البحر) ترجيح التغليظ وهو أحوط، لاسيما وهو قول الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه. والذي نقله صاحب كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) عن السادة الشافعية، يتوهم الناظر فيه طهارتها، ولكن هذا الوهم غير سائغ، ذلك أن قال: ومنها - أي المعفوات - المائعات النجسة التي تضاف على الأدوية والروائح العطرية لإصلاحها فإنه يعفى عن القدر الذي به الإصلاح قياساً على الأنفحة المصلحة للجبن، اهـ.

إن المفهوم من هذه العبارة هو أن المضاف قليل، والمضاف إليه كثير، والكولونيا بعكس هذا، لأن (الإسبيرتو) النجس كثير، والرائحة العطرية قليلة، فلا ينطبق كلام الشافعية على واقع حال الكولونيا. هذا ما ظهر لي، والله سبحانه أعلم، ويُسْتَفْسَرُ فقهاء الشافعية عن حكم الكولونيا عندهم.

ما حكم غسل الثياب بآلة كهربائية لها خزانان؟

يرتفع الماء من أحدهما، ثم يهبط إلى الآخر، ثم يعود مرتفعاً كما كان، ثم ينخفض ثانية، وهكذا..، فهل تتنجس الثياب بغسلها فيها إذا كان بعضها نجساً؟

أما جواب السؤال عن الغسل بالآلة الكهربائية بالمائع المسمى بالكلور؛ فإن الحكم فيه أذكره على مذهب السادة الحنفية الذين يرون أن المائعات الطاهرة غير الماء تقوم مقام الماء في التطهر من النجاسة الحقيقية، لا في التطهر من النجاسة الحكمية الذي هو الوضوء والغسل، فإنه لا يجزئ ولا يكفي فيها إلا الماء.

وغير الحنفية لا يجوِّزون التطهر من النجاسة الحقيقية أيضاً إلا بالماء، فجوابنا إذن على السؤال قاصر على مذهب الحنفية، وإليك هو:

الكلور مائع إذا صبَّ على ثوب نَجِسٍ تنجس تبعاً له إذا كان قليلاً كبرميل مثلاً على نحو ما ورد في السؤال. أما إذا كان كثيراً، بأن كان عشرة أذرع في مثلها وألقيت فيه القطعة المتنجسة فإنه لا يتنجس إلا إذا ظهر فيه أحد أوصاف النجاسة من لون أو طعم أو ريح. ومقدار البرميل ونحوه يتنجس وإن لم يظهر فيه أثر النجاسة لقلته، فالحكم في الماء والمائع واحد من هذا الوجه.

وإذا حكمنا على الكلور بالتنجس، كما في صورة السؤال، فإن مروره على الثوب المتنجس من جانب في الوعاء إلى جانب آخر منه لا يطهره، بل يبقى متنجساً، والخزانان (1 و 2) في آلة الغسل هما جانبان منه. ثم إن العصر والتنشيف بعد الغسل بالكلور المتنجس لا يطهران الثوب المتنجس، إذ الجفاف يطهر الأرض وما في حكمها - كالجدران مثلاً - بشرط ذهاب أثر النجاسة منها من لون وطعم وريح، ولا يُطَهِّر الجفافُ الثيابَ والأيديَ والوجوه إذا دهنت بنجس كالإسبيرتو الذي هو من المواد الغولية المسكرة التي تُعرف الآن بالكحولية، وكونُ تبخره سريعاً لا يخرجه عن كونه جفافاً سريعاً، فلا يطهر الموضع المصاب به.

هذا كتابٌ عُريَ فيه الباطل عن زخرفه فبدا عواره، وظهر شناره، فمقته القلب، وقذرته العين كارهةً له.

وعرض فيه الحق عرضاً لم يبال معه برونق لفظٍ أو بحسن عرضٍ وإن كانا متوفرين فيه لثقة صاحبه أن بالحق وحده يستقيم أمر الإنسان، وأن للحق وحده جولة الانتصار، وأن في الحق وحده القوة الرادعة، والروعة الآسرة، التي تجعل القلب يستسلم باطناً وإن رفض صاحبه الخضوع ظاهراً.

وهذا الكتاب لم يساير ولم يدار ولم يطل حيث أمكن الاختصار، ولم يختصر حيث ينبغي التطويل، ولم يكتب لزمان غير زماننا وإن كان الحق الذي فيه حق كل زمان، بل هو نبع لِرَيِّنا - نحن أبناء هذا الزمان - فهو ابن زمانه إذ كتب وقلَّ العارفون بالحق البصيرون به، وندر المجاهرون بالحق المصارحون به، وفقد الناصحون للخلق في الله إلا قليلاً، وهذا الكتاب رمزٌ على هذا القليل، جوهرة وحده بجانب خزف كثير، درة وحده بجانب خرز كثير، ما أرى قارئه يندم، وأرجو له إن قبل الحق الذي فيه أن يَسْلَمْ يوم لا يَسْلَمُ إلا من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة.