﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
بمزيد من الرضا بقضاء الله وقدره، تنعى دار الفكر إلى الأمة الإسلامية وجمهور العلماء والباحثين، رحيل العلامة الأصولي والفقيه الشافعي الكبير:
الأستاذ الدكتور محمد حسن هيتو (رحمه الله)
الذي ارتحل إلى جوار ربه يوم الثلاثاء 24 شباط 2026م، بعد مسيرة علمية حافلة، انطلقت من أزقة دمشق وربوعها، لتستقر في رحاب الأزهر الشريف طلباً وتحصيلاً، ثم لتفيض علماً وتأصيلاً في الكويت وإندونيسيا وسائر البلاد.
لقد فقدنا بغيابه عَالِماً ربانياً، أفنى ثمانية عقود في تحقيق التراث وبناء الأجيال، وترك بصمات لا تُمحى في المكتبة الإسلامية عبر مؤلفاته الرصينة وتحقيقاته الفريدة، فضلاً عن تأسيسه للصروح العلمية التي تخدم الدين واللغة.
أسرة دار الفكر، تتقدم بخالص العزاء لأسرته وتلاميذه، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويجعل علمه صدقة جارية ترفعه إلى مراتب الصديقين والشهداء.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
سيرته
الشيخ الدكتور محمد حسن هيتو، الأصولي الشافعي، ولد في سوريا في العاشر من تشرين الأول سنة 1943م. وهو عالم متبحّر في علم أصول الفقه، وله عناية واسعة بسائر العلوم الشرعية؛ من العقيدة، والفقه، وعلم الحديث، والتفسير، والمنطق، وقد تلقّى هذه العلوم ودرسها في الأزهر الشريف بمصر حتى نال درجة الدكتوراه في أصول الفقه. أصله ونشأته ينتمي الشيخ إلى عائلة هيتو، وهي من عشيرة الشيخانية، عشيرة عربية عاشت بين الأكراد، ويُرجع نسبها إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المنتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. عُرفت عائلته بالاهتمام بالعلوم الدينية، وكان جدّ والده قائدًا عسكريًا كبيرًا في الدولة العثمانية. نشأ والده يتيمًا؛ إذ توفيت أمه وعمره تسعة أشهر، وتوفي أبوه وعمره ست سنوات، فكفلته عمته وربّته واعتنت به وبماله. رحلته في طلب العلم كان والداه حريصين على تعليمه، فدرس المرحلة الابتدائية ثم المتوسطة، ثم التحق بثانوية جودت الهاشمي، وتخرج فيها متفوقًا. وكان في بداياته ميّالًا إلى العلوم الرياضية، وينوي السفر إلى ألمانيا لدراسة الصواريخ والأقمار الصناعية. غير أن توجهه تبدّل في الصف الحادي عشر إلى دراسة العلوم الشرعية، فأخبر أهله برغبته في الالتحاق بالأزهر الشريف، فرفض والده ذلك رفضًا شديدًا خوفًا عليه من ضيق العيش. أصرّ الشيخ على طلب العلم الشرعي، وقال لأهله: «لو بقي في عمري يوم سأموتُه في الأزهر». ولما لم يُؤذن له، سجّل في كلية الشريعة بجامعة دمشق، فلما علم والده بذلك غضب وأجبره على الانسحاب، فسجّل في قسم الجيولوجيا بكلية الآداب وهو غير راغب فيه. ثم أوهم أهله برغبته في السفر إلى ألمانيا فوافق والده، لكنه استخرج جواز سفر إلى القاهرة دون علمه، وسافر عام 1964م، فمرّ بالأردن ثم توجه إلى مصر. وكانت الظروف السياسية متأزمة، فمنع من دخول مصر وأرادوا إعادته، فأبى وأصر على البقاء حتى صدر قرار استثنائي سمح له بالدخول. واجه صعوبات أخرى للالتحاق بالأزهر، إذ كان يحمل شهادة ثانوية علمية بينما يشترط للقبول في كلية الشريعة الشهادة الأدبية، غير أن الله يسّر له الأمر بعد امتحانات وإجراءات طويلة. عاش في بداياته بلا منحة دراسية، ولم يكن أهله يمدّونه بالمال، فعاش حياة شديدة في سبيل طلب العلم، ثم نال المنحة وتوافق مع أهله، فتفرغ للتحصيل العلمي حتى حصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه. عمله ونشاطه العلمي عمل مدرسًا في دولة الكويت، وكان له نشاط دعوي وعلمي بارز، وأسهم في إعداد الموسوعة الفقهية، وله مشاركات علمية في مجال أصول الفقه خاصة وسائر العلوم الشرعية. شيوخه تلقى العلم على عدد من كبار علماء الأزهر، منهم: الشيخ شحاتة محمد شحاتة (في الفقه). الشيخ محمود عبد الدايم (في التوحيد والفقه الشافعي). الشيخ مصطفى مجاهد عبد الرحمن (في الفقه والأصول والتفسير). الشيخ مصطفى عبد الخالق (في أصول الفقه والنحو). الشيخ عبد الغني عبد الخالق (في أصول الفقه). الشيخ جاد الرب رمضان (في الفقه الشافعي). الشيخ طه الديناري. الشيخ حسن وهدان. الشيخ الحسين الشيخ (في الفقه الخلافي). الشيخ كامل حسن (في التفسير). الشيخ محمد عمارة (في النحو). الشيخ محمد علي النجار (في النحو). مؤلفاته وتحقيقاته له مؤلفات علمية نافعة، منها: الحديث المرسل، حجيته وأثره. الوجيز في أصول التشريع الإسلامي. كشف الستر عن سنية القنوت في صلاة الفجر. الإمتاع في أحكام الرضاع. الدين والعلم. العقل والغيب. المتفيهقون. الاجتهاد وطبقات مجتهدي الشافعية. الإعجاز القرآني العلمي والغيبي. كما قام بتحقيق كتاب المنخول للإمام أبو حامد الغزالي، وكتاب التمهيد للإسنوي. رحم الله الشيخ الدكتور محمد حسن هيتو رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل علمه في ميزان حسناته.