في كتابه الصادر حديثًا عن دار الفكر بدمشق، بعنوان (مقالات الإسلاميين في الدولة والمجتمع)، يقدِّم الباحث الدكتور أنور أبو طه دراسة سوسيولوجية ومعرفية معمقة لا تشتبك فقط مع النصوص التأسيسية للحركات الإسلامية، بل تغوص في سياقاتها التاريخية وتحولاتها الراهنة. الكتاب ليس مجرد رصد تاريخي، بل هو محاولة لتفكيك (أزمة الهوية) التي عصفت بالذات العربية منذ سقوط الدولة العثمانية وظهور الدولة القطرية الحديثة.
مركزية (الدولة) في الوعي الإسلامي ينطلق أبو طه من فرضية مفادها أن (الدولة) تمثل القطب الذي يدور حوله تنظير وحراك التيارات الإسلامية المعاصرة. وفي مقابل الطروحات التي تصنف انخراط هذه الحركات في العمل العام على أنه مجرد (تسييس للدين)، يوضح المؤلف أن الفكر السياسي الإسلامي يمنح الدولة دورًا جوهريًّا، باعتبارها (الذراع التنفيذية) والضمانة المؤسساتية اللازمة لتنزيل أحكام القرآن في واقع المجتمع. فمن وجهة نظر هذا الفكر، يظل تجسيد الإيمان وتحقيق مقاصد الشريعة في الفضاء العام مشروعًا غير مكتمل ما لم تسنده سلطة دولة ترعى قيم الدين وتنظم شؤون الدنيا بها.
بانوراما التيارات من الإصلاح إلى الجهادية يحلل الكتاب خطاب أربعة تيارات رئيسية، كاشفًا عن تباينات جوهرية في رؤيتها للمجتمع والدولة وهي (جماعة الإخوان المسلمين: التي اعتبرت الإسلام نظامًا شاملًا يغطي الدولة والوطن، ورأت في الحكومة «قلب الإصلاح»)، (حزب التحرير: الذي ركز بصورة حصرية على «الخلافة» كظل لله في الأرض، معتبرًا أن غيابها هو «الفتنة» الكبرى)، (حركة النهضة «راشد الغنوشي») التي تمثل الجناح التجديدي، حيث حاول الغنوشي المزاوجة بين الإسلام والحداثة، مقدمًا نموذجًا للدولة المدنية التي يكون فيها الحاكم «أجيرًا عند الشعب»)، (السلفية الجهادية: التي تتبنى رؤية انقسامية للعالم «دار إسلام ودار كفر»، وتؤمن بحتمية المواجهة مع «الجاهلية» المعاصرة).
إشكاليات المواطنة والمرأة يفرد المؤلف مساحة نقدية لموقف هذه الحركات من الآخر(الأقليات الدينية) وحقوق المرأة. ويشير إلى وجود فجوة بين التنظير والواقع، فبينما يميل الغنوشي نحو (المواطنة الكاملة)، تظل رؤى تيارات أخرى محصورة في أطر (الذمة) أو استبعاد المرأة من (الولاية الكبرى). يخلص أبو طه إلى أن الخطاب الإسلامي المعاصر يعيش مأزقًا بين (المرجعية الماضوية) وإكراهات (الواقع الحديث).
الكتاب يمثِّل دعوة جادة لفهم آليَّات انبعاث هذا الخطاب، مؤكدًا أن تجاوز (أزمة الهوية) يتطلب شجاعة في المراجعة النقدية وتجاوز روح المحافظة في الفقه السياسي القديم لصالح إجابات تواكب تحديات الحاضر. وأخيرًا جاء الكتاب في 500 صفحة من القطع الكبير.