تخطي إلى المحتوى
وماذا بعد الحصار؟

وماذا بعد الحصار؟": بين توثيق الألم واستشراف الأمل.

تُقدّم الدكتورة هدية محمود الكردي في عملها الصادر حديثاً عن دار الفكر بدمشق، "وماذا بعد الحصار؟"، مشروعاً أدبياً وتوثيقياً متكاملاً يتجاوز كونه مجرد سرد للأحداث، ليصبح صرخة وجدانية ووثيقة اجتماعية تاريخية صِيغت في جزأين. يبدأ الجزء الأول (520 صفحة) بوضع القارئ في قلب بدايات الوجع اليومي، بينما يستكمل الجزء الثاني (480 صفحة) رحلة الصمود الأسطورية، طارحاً السؤال الذي لا يزال ينبض بالألم: "وماذا بعد الحصار؟"؛ وهو تساؤل تظل إجابته معلقة على واقع حياة السوريين الذي لا تزال الأقدار تخط فصوله الملحمية.

يفتتح الكتاب فصوله بتسليط الضوء على "أطفال الحصار" الذين يمثلون المركز الأخلاقي للعمل؛ فترصد الكاتبة براءتهم الموؤودة خلف رصاص القناصة، كقصة الطفلة "سمر" التي استُؤصلت أحشاؤها، والطفلين اللذين اختصرا المأساة بتغيير اسميهما من "براءة وملهم" إلى "شرارة وعلقم"، في تعبير صارخ عن وعي مبكر بمأساة وجودهم. وتكشف الكاتبة الفجوة السحيقة بين أحلامهم البسيطة في امتلاك دمية، وبين واقع الفقر المدقع وغلاء الأسعار الذي حول الطفولة إلى ساحة للمعاناة.

ومن وجع الطفولة، تنتقل الدكتورة الكردي بسلاسة إلى تفاصيل الحياة اليومية، محولةً "خبز الغوطة والزيتون" من لقمة عيش إلى رمز للصمود الأسطوري في وجه "عضة الجوع" التي لم ترحم أحداً. وترصد بمرارة قهر المعيل في مقالتها "أنا المديون"، حيث يجسد عجزه عن تأمين القوت لأسرته أو الدواء لأمه ذروة الانكسار البشري في ظل حصار استنزف المدخرات والأرواح.

وسط هذا الظلام، تبرق صورة المرأة السورية كـ "ملكة" تدير بيتها بحكمة وانضباط، متكيفة مع أقسى الظروف دون شكوى. ويظهر التكافل الاجتماعي كقيمة عليا، يتجسد في مواقف مؤثرة مثل العروس التي تصر على زيارة عائلة خطيبها الشهيد مع زوجها الحالي، في لوحة تعكس شموخ النفس وسمو القيم الإنسانية.

سياسياً وفكرياً، يقف الكتاب بشجاعة منتقداً النظام المسؤول عن الدمار، ومعبراً عن خيبة أمل عميقة تجاه صمت المجتمع الدولي. وتوجه الدكتورة هدية نداءات صادقة للعقول المهاجرة بالعودة لبناء الوطن، محذرة من "خفافيش الظلام" وتجار الدم والشائعات التي تهدف لاقتلاع الهوية وتفتيت الصفوف. وفي الجزء الثاني، تتسع الرؤية لتشمل مسيرة "سبع وسبع من السنين" العجاف، حيث ينطق البشر والحجر والشجر بألم الحصار والنزوح القسري والنداءات الوجدانية لدمشق، وصولاً إلى ربط المأساة بالقضية الفلسطينية وفصول غزة و"طوفان الأقصى"، مؤكدة أن فجر الشام القادم هو امتداد لكرامة الأمة.

تكمن أهمية هذا المشروع في كونه ضرورة تاريخية وخزانة ذاكرة تحفظ للأجيال القادمة تفاصيل إنسانية لم تنقلها شاشات الأخبار، حيث استطاعت الدكتورة هدية الكردي تحويل الوجع الشخصي إلى قضية عالمية بأسلوب أدبي يمزج بين الحزن الشفيف والأمل الصلب.

إن "وماذا بعد الحصار؟" ليس مجرد سردٍ للألم، بل هو قصيدة حب للأرض وفسيلة أمل تُغرس وسط الركام، لتؤكد بروح إيمانية صلبة أن الحق والحرية هما المبتدأ والمنتهى. إنه عملٌ كُتب ليبقى، شاهداً على أن الشعوب لا تموت طالما أن هناك أقلاماً ترفض الانكسار، وأن ربيع النصر لا بد أن يتلو شتاء الحصار الطويل.

المصدر: 
دار الفكر