تخطي إلى المحتوى

جذور أزمة المثقف في الوطن العربي

25% خصم 25% خصم
السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00 - السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00
السعر الحالي $3.00
$3.00 - $3.00
السعر الحالي $3.00

يتناول هذا الكتاب حوارية بين أستاذين جامعيين مشهورين عربياً وعالمياً، بإسهاماتهما الفكرية المتميزة، حول رؤية جديدة لواقع الثقافة العربية، وأزمتها، وأزمة المثقف العربي، ويكتب كل منهما بحثه وتعقيبه على بحث الآخر مستقلاً.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
232 الصفحات
17x24 القياس
2002 سنة الطبع
ISBN
0.24 kg الوزن

المثقف وعلاقته بالنهضة مسألة شغلت الفكر العربي والإسلامي الحديث منذ أمد بعيد، وساهم في تحليلها وتحديد ملامحها مفكرون يمثلون تيارات ثقافية وفكرية مختلفة. وعلى الرغم من أن علاقة المثقف بالنهضة مسألة شغلتني منذ بداية عهدي في الكتابة والتأليف، فهذه هي المرة الأولى التي أخصها ببحث مستقل.

والفضل في ذلك يعود إلى أخ عزيز كريم، الأستاذ محمد عدنان سالم، مدير دار الفكر الذي آلى على نفسه إثارة قضايا محورية مهمة في السلسلة التي تصدرها دار الفكر تحت عنوان حوارات لقرن جديد، ودعاني للمساهمة في هذه الحوارية التي اختار لها عنوان (دور المثقف في التغيير الاجتماعي ودوره السياسي).

واخترت عنواناً قريباً لمساهمتي في الحوار الجاري حول الموضوع ركزت فيه على العلاقة التبادلية بين محاور ثلاثة رئيسية: الأصالة، والعالمية، والنهوض. ولأن مفهوم (الجدل) يحمل معنى التبادل والتضايف فقد اخترت كلمة (جدلية)، مصدره الصناعي كما تواضع على تسميته النحاة، للتعبير عن العلاقة التضايفية التبادلية التراكبية التي تربط محاور (الأصالة) و(العالمية) و(النهوض).

وأنا عندما أستخدم كلمة (جدلية) لا آتي بلفظ جديد، بل أستخدم لفظاً محملاً بمعانٍ ودلالات خاصة، التصقت غالباً بالفكر الماركسي الذي يرى أن العلاقة الجدلية هي العلاقة التي تحكم منطق التطور التاريخي. فالجدلية عند (ماركس) علاقة بين طبقتين اجتماعيتين ذواتي مصالح متناقضة، يؤدي تناقض مصالحهما إلى تصادمهما عبر ثورة اجتماعية تطيح بالطبقة المهيمنة، وتؤدي إلى هيمنة الطبقة المنتجة. ولا تلبث الطبقة المهيمنة الجديدة أن تفرز نقيضتها في حركة تاريخية مستمرة تنتهي بالمرحلة الشيوعية التي تولد طبقة لا نقيض لها، معلنة بذلك نهاية التاريخ. هذا باختصار شديد مفهوم الجدلية في الفكر الماركسي.

أولاً- المثقف في الأدبيات العربية

تعريف المثقف

مفهوم المثقف مفهوم مستحدث في اللغة العربية، حاله كحال مفهوم الثقافة، شاع استخدامه في الأدبيات الاجتماعية والسياسية خلال العقود القليلة الماضية. ولفظا (مثقف) و (ثقافة) مشتقان من فعل (ثقف) بمعنى (حذق وفهم وأدرك). واللفظان العربيان يقابلان على التوالي لفظي (intellectual) و(culture) ذوي الأصل اللاتيني المستخدمان في اللغات الأوروبية. وعلى الرغم من أن الاشتقاق العربي يعين الباحث على فهم العلاقة بين المثقف والثقافة - التي تمثل مجال فعله وتأثيره - ويشدد على الترابط بين الاثنين، فإن التفكير في دور المثقف وعلاقته بالثقافة لا يزال يتبع المعاني المتولدة في الأدبيات الغربية ويحذو حذوها. فلفظ (intellectual) أقرب في معناه إلى كلمة (المفكر) لأن الكلمة مشتقة في اللغات الأوربية من كلمة (intellect) أي (الفكر). بينما تحمل كلمة (culture) معنى الرعاية والعناية. فهي تستخدم حقيقة للدلالة على الشروط التي يوفرها المزارع لنمو زرعه، وتستخدم مجازاً للدلالة على الشروط التي يوفرها المجتمع لنمو أفراده النفسي والعقلي.

فإذا انتقلنا من تبين الأصل اللغوي لكلمة (مثقف) لتحديد مجالها الدلالي، وجدنا أن الأدبيات العربية تكاد تعكس المفاهيم الرائجة في الكتابات الغربية. بل إننا نجد أصداء الحوار الجاري بين التيارات الفكرية الغربية يتردد داخل الفضاء الثقافي العربي بعد ترجمته إلى لسان عربي مبين. لذلك نجد الكتّاب العرب منقسمين بين المدارس الفكرية الرئيسية المهيمنة اليوم على ساحة الفكر الغربي:

(1) مدرسة الحداثة: التي تعتمد الرؤية الديكارتية لوظيفة الفكر، فترى المثقف ناقداً اجتماعياً، يسعى إلى نقد الممارسات الاجتماعية انطلاقاً من مرجعية نظرية محددة.

(2) المدرسة الماركسية: التي ترى أن الفكر سلاح يستخدمه المفكر للدفاع عن مصالح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ويمثلها.

(3) مدرسة بعد الحداثة: التي تشدد على أن المثقف أسير هواجسه السلطوية، وأن مهمة الفكر تفكيك وإظهار التناقضات الداخلية، والهاجس السياسي للمثقف.

ولا بأس قبل الانتقال إلى الحديث عن أزمة المثقف ودوره السياسي، وعلاقة هذين البعدين بالمرجعية الغربية للمثقف العربي، من استعراض بعض التعريفات المبثوثة في كتابات عيّنة من المفكرين المؤثرين في الساحة الفكرية.

لنبدأ بتعريف محمد عابد الجابري، أحد أبرز وجوه الاتجاه الحداثي في العالم العربي اليوم. يرى الجابري أن المثقف ((في جوهره ناقد اجتماعي. إنه الشخص الذي همه أن يحدد ويحلل ويعمل، من خلال ذلك، على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظام أكثر إنسانية وأكثر عقلانية)).

ويتسع التعريف السابق للمثقف ليشمل كل المشتغلين بعمليات توليد الثقافة وتجديدها أو الحفاظ عليها، أو باعتماد عبارة الجابري ((جميع الذين يشتغلون بالثقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً)) .

ويميز الجابري بين مستويين أو نوعين من المثقفين، ((بين نواة تتكون من المبدعين والمنتجين من علماء وفنانين وفلاسفة وكتاب وبعض الصحفيين…يحيط بها أولئك الذين يقومون بنشر ما ينتجه هؤلاء المبدعون مثل الممارسين لمختلف الفنون ومعظم المعلمين والأساتذة والصحفيين، يليهم ويحيط بهم جماعة تعمل على تطبيق الثقافة من خلال المهنة التي يمارسونها مثل الأطباء والمحامين)).

مهمة المثقف إذن داخل الرؤية الحداثية ممارسة النقد الاجتماعي المستمر بغية عقلنة السلوك الاجتماعي، أي تنظيم الحياة الاجتماعية وفق مبادئ ومفاهيم إنسانية تم تشكيلها وتحديدها في مطلع عصر الأنوار. لذلك يتحدد وضع المثقف الاجتماعي ((بالدور الذي يقوم به في المجتمع كمشرع ومعترض ومبشر بمشروع، أو على الأقل كصاحب رأي وقضية)).

المثقف ضمن الرؤية الحداثية عنصر أساسي هام في تطوير الحياة الاجتماعية والبناء على الإنجازات الثقافية السابقة. لذلك يؤكد (برهان غليون) أن وظيفة المثقف "ليست شيئاً آخر سوى وظيفة إنتاج المجتمع نفسه من حيث هو آلية تختص بجمع وتوحيد الأجزاء والعناصر التي يتألف منها، وبث الروح الجمعية فيها وتحويلها بالتالي إلى كيان حي قادر على الحركة والتنظيم والتحسين والإصلاح)).

يختار غليون تعريفاً للمثقف يتفق مع التصور العام للمثقف ضمن الاتجاه الحداثي، الذي ميزنا طرفاً من رؤيته في تعريف (الجابري)، لكنه يزيد عليه باستحضار البعد الجمعي الذي يعطي للمثقف أهمية اجتماعية وسياسية، إذ يكتسب المثقف قدرته على التأثير ضمن المجتمع الحديث من انتمائه إلى نخبة واعية لمكانتها الاجتماعية ومتعاونة لتكريس قدرتها الجمعية، وتوظيفها للتأثير في القرار السياسي والفعل الجماعي. فالمثقف جزء من نخبة مثقفة، والمثقفون ((فاعل اجتماعي جمعي وليس مجموعة أفراد يشتركون في نشاط مهني أو علمي أو ذهني واحد يقرب فيما بينهم)). ويتابع (غليون) مبيناً المقصود من عبارة فاعل اجتماعي فيقول: ((وعندما نتحدث عن فاعل اجتماعي فنحن نشير إلى قوة محركة ودينامية اجتماعية لا إلى مبدع فكري)).

إن تعريف (غليون) يضع أيدينا على أطراف أزمة المثقف العربي. فالمثقف فاعل اجتماعي يستمد فاعليته من انتمائه إلى نخبة تملك القدرة على إنتاج المجتمع من خلال إنتاج الأفكار والمفاهيم الضرورية لإعطاء أفراد المجتمع هويتهم، وتبرير مؤسساتهم وممارساتهم، أو دعوتهم إلى تأسيس حياتهم الاجتماعية على أفكار ومفاهيم جديدة. السؤال الذي يعترضنا هنا: هل ينتمي المثقف العربي إلى نخبة تعمل على إنتاج المجتمع وتحقيق تماسكه الاجتماعي؟ ومن أين يكتسب المثقف العربي سلطته وشرعيته؟ وما مصدر القيم والأفكار التي يروج لها؟ وهل لدى المثقف العربي مشروع أو مشاريع؟ وكيف ترتبط هذه المشاريع بالفضاء الثقافي والحضاري العربي الذي تنتمي إليه؟

إن الصعوبة التي تواجهنا ونحن نبحث عن إجابات للأسئلة السابقة تنبع من التناقض بين الواقع الاجتماعي والتاريخي للمجتمع الغربي الذي تولد مفهوم (المثقف) المتداول داخل سياقه التاريخي والثقافي، والواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمعات العربية والمسلمة عموماً. لذلك نجد (غليون) يعنت في جهده لتنـزيل مفهوم المثقف في الحقل الثقافي العربي.

ولا تقتصر إشكالية تعريف المثقف وتنـزيله على المجال الثقافي العربي، أو ربط المفهوم والماصدق بتعبير المنطقيين بمفكري التيار الحداثي، بل يتعداه إلى التيارات الأخرى. لذلك نجد باحثاً يسارياً يواجه المشكلة عينها عند محاولة تعريف المثقف العربي. ففي معرض إجابته عن السؤالين: من المثقف؟ ومتى يكون مثقفاً عربياً؟ يكتب علوش: ((إن المثقف من وجهة نظرنا واحد مما يُسمى (الإنتلجنسيا) يملك قدراً من الثقافة التي تؤهله لقدر من النظرة الشمولية، وقدراً من الالتزام الفكري والسياسي. ولكن هذه التعريف يضعنا أمام إشكال، لأن الإنتلجنسيا لم تتكون في وطننا، كما تكونت في روسيا أو أوروبا. فلم يحدث عندنا عصر تنوير، ولا عصر ثورة علمية، ولا ثورة برجوازية تحررية على الإقطاع والكنيسة. وكل ما حدث عندنا، منذ الحملة الفرنسية 1789م، وحتى الآن، لا يعدو أن يكون اتجاهاً إصلاحياً توفيقياً، استند إلى التراث حيناً، وإلى الثقافة الأوروبية حيناً، وإلى الاثنين معاً في بعض الأحيان، وانعكس هذا في الثقافة ضعيفاً مهزوزاً، وَوَلّد مدارس فكرية وسياسية مُقلّدة. وعليه، فنحن هنا أمام مفهوم للإنتلجنسيا لا ينسجم تماماً مع المفهوم الأوروبي المعروف)).

واضح أننا أمام جهد فكري يسعى لتحليل واقع اجتماعي عربي باستخدام مفاهيم تولدت خارج الفضاء التاريخي والثقافي العربي، ويسعى إلى تقويم سيرورة اجتماعية بالاحتكام إلى مرجعية ثقافية غربية، واعتماد ضوابط تنتمي إلى زمن ثقافي مغاير.

ولأن المساحة المتاحة لي في هذه الحوارية لا تمكنني من الاستفاضة، فإنني أكتفي بإبراز خطل الاحتكام إلى مرجعيات خارجية من خلال التركيز في المبحث التالي على نموذج واحد من نماذج عديدة لمثل هذا الاحتكام المخل، على أن أعود إلى الحديث عن الزمن الثقافي وأهميته في فهم دور المثقف في تطوير الحياة الثقافية وإثراء الخبرة الاجتماعية في مباحث لاحقة.

* * *

أزمة المثقف العربي والمرجعية الغربية

تنبع أزمة المثقف العربي من أنه أسير ثقافة أنتجها المثقف الغربي، فهو يعيش لذلك خارج الزمن الثقافي العربي. فتراه تارة ينافح عن الرؤية الحداثية، ويتبنى أطروحاتها ورؤيتها وحلولها، وتارة أخرى يدعو إلى ثورة ماركسية تطيح بالطبقة الرأسمالية وتستبدلها بطبقة الكادحين، وتراه، حين تتعرض الرؤيتان لنقد حاد من المثقف بعد الحداثي الغربي، يتبنى الطرح الجديد، ويدعو إلى تبني نتائجه الفكرية والاجتماعية غير آبه بالتباين البيّن بين التجربتين العربية والغربية، واختلاف الزمن الثقافي العربي والغربي.

ولنأخذ مثالاً على ما نقول النقد الذي وجهه علي حرب إلى المثقفين العرب في كتاب أصدره في منتصف التسعينيات تحت عنوان (أوهام النخبة أو نقد المثقف). فعلي حرب لا ينطلق في كتابه هذا من نقد المثقف العربي بالاحتكام إلى العلاقة بين المثقف والثقافة التي ينتمي إليها، بل من أطروحات الاتجاه بعد الحداثي، الذي يمثله مفكرون غربيون من أمثال فوكو ودريدا، في نقده للفكر الحداثي الذي ينافح عنه في الغرب ثلة من المفكرين الحداثيين، أو الحداثيين الجدد، يتقدمهم هابرماس الألماني.

ينطلق (حرب) في هجومه على المثقف العربي من مقولة أن المثقف يسعى من خلال عمله الفكري والتنظيري إلى توظيف سلطته العلمية والمعرفية لزيادة نفوذه الاجتماعي، وتحقيق سلطة سياسية مدفوعاً بإرادة القوة، الغريزة الوحيدة التي يعتمدها المفكر بعد الحداثي لتفسير السلوك الاجتماعي والسياسي. لذلك نجد حرباً يسارع ليعيد أزمة المثقف تحديداً إلى بداية الاضطرابات الطلابية في فرنسا، ((التي اندلعت في شوارع باريس في شهر أيار من عام 1968م)) . فقد أدت هذه الاضطرابات، كما يدعي حرب، إلى اهتزاز ((صورة المثقف، سواء في نظر نفسه أو في نظر غيره. إنه لم يعد يثق بقدرته على تنوير العقول والتأثير في الرأي العام، أو بكونه صاحب عقيدة صلبة قادرة على قود الناس لتنوير المجتمع وتغيير العالم)) .

ويحق لنا أن نتساءل: ما الذي يدفع كاتباً عربياً إلى اعتماد الاضطرابات الطلابية التي اندلعت في العاصمة الفرنسية عام 1968م بداية لأزمة المثقف؟ ما علاقة الاضطرابات الطلابية الفرنسية بمشكلات الثقافة العربية وأزمة المثقف العربي؟

لماذا لم يختر (علي حرب) هزيمة 1967م التي سبقت الاضطرابات الطلابية في فرنسا بسنة والتي هزت الوجدان العربي وزلزلت أحلام مثقفيه وتطلعاتهم؟

كان ممكناً قبول اختيار (حرب) لتاريخ الحدث الفرنسي في معرض دراسة مقارنة بين المثقف اللبناني والفرنسي، أو العربي والغربي. بيد أنه من الواضح أن حرباً لا يرى اختلافاً بين الأزمتين، ولا يميز بين الزمن الثقافي العربي والغربي، لذلك يرى أن نقد الأول نقد للآخر، وأن أزمة المثقف العربي هي أزمة المثقف الغربي. بل نجد حرباً يخلط بين السلفية في السياقين العربي والغربي، فيستعير لفظ (سلفي) لوصف موقف (هابرماس) ليعود إلى إسقاط المفهوم الناجم عن هذه الاستعارة على الحالة العربية. يقول حرب: ((بعد هذا التمهيد، سوف أدخل على المسألة، أعني نقدي للمثقف العربي على موقفه السلفي، من نقد سبق لي أن وجّهته لهابرماس، وفحواه أن هذا الفيلسوف، الذي هو صاحب نظرية في (العقل التواصلي)، لم يستطع التواصل مع مفكري ما بعد الحداثة، وفي طليعتهم ميشال فوكو، بل إن هابرماس انتقد هذا الأخير، وعلى نحو نفى فيه إنجازاته الفكرية، بحُجة أن فكره مُعادٍ للتنوير مضادٌ للعقل)).

إن الملاحظة المتكررة التي تعترضنا ونحن نقرأ لعلي حرب، وغيره كثير من الكتاب العرب، غياب الرؤية الأصيلة التي تدفع إلى النظر في الأشياء والأحداث من زاوية الكاتب، وتحليل المعطيات، كما تبدو من الموضع الذي يتمركز فيه. فكما تدعو الأصالة الوجدانية مفكراً فرنسياً إلى اعتبار الاضطرابات الطلابية في فرنسا حدثاً هاماً له تداعياته العميقة على وجدان المثقف الغربي، يؤدي غياب الأصالة عند نظيره العربي إلى تجاهل حدث ملاصق قريب كهزيمة حزيران 1967م وأثرها على العقل العربي، ويدفع به إلى تبني حدث لا يكاد يخدش وعي المفكر العربي، بَلْهَ الفرد العربي الغارق في مشكلاته وأزماته الثقافية والاقتصادية والسياسية المتلاحقة. بل إن غياب الرؤية الأصيلة تحول دون إدراك تمايز الزمن الثقافي، حتى عندما تصرخ المعطيات التاريخية في وجه المفكر مشيرة إليه. لذلك نجد حرباً يضع أصبعه على الفارق الجوهري الذي يفاضل بين المثقف العربي والغربي، ويمسك طرف الخيط الذي يؤدي إلى ملاحظة الاختلاف بين الزمن الثقافي العربي والغربي، دون طائل.

يقول حرب في معرض المقارنة بين المثقفين العرب والغربيين: ((هذا في الغرب، حيث المثقفون مارسوا مهنتهم بامتياز. أما في العالم العربي فالوضعية مختلفة. ذلك أن المثقف العربي الحديث لم يُؤتَ له أن يلعب الدور الذي لعبه المثقفون الغربيون منذ فولتير وروسو إلى سارتر وفوكو، أي لم يشارك في صناعة الرأي العام وصوغ الوعي الجماعي أو في التأثير في الدينامية الاجتماعية والسيرورة التاريخية؛ كما لم يُؤتَ له أن يمارس الدور الذي كان يمارسه العلماء والفلاسفة في العصر الإسلامي، بمعنى أنه لم يشكل سلطة رمزية معترفاً بدورها وأهميتها، وقلّما تمكَّن من إقامة علاقة فاعلة ومتوازنة مع السلطة السياسية".

نعم لم يؤت المثقف العربي أن يلعب الدور الذي لعبه نظيره في الغرب، ولم يشارك في صناعة الرأي العام وصوغ الوعي الجماهيري اللازم لتطوير حياة فاعلة كريمة تعيد للأمة دورها التاريخي، وتمكنها من التأثير في مجريات الأحداث محلياً وعالمياً. ولكن ألا يثير هذا احتمال اختلاف الزمن الثقافي الذي تخضع له الأمة والزمن الثقافي الغربي؟ ألا يجدر بالباحث الجاد والمفكر الواعي العمل على تحديد النموذج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المطلوب تحقيقه، ومن ثم السعي لتحقيق النموذج المثالي، وشحذ الهمم لذلك؟

إن الأزمة التي يعانيها المثقف العربي ترتبط مباشرة بغياب الرؤية الأصيلة التي تدفع صاحبها للنظر إلى الأشياء من موقعه الزماني والمكاني. وعجز المثقف عن التأثير في محيطه، وتطوير ثقافة مجتمعه، يعود إلى طبيعة الحلول التي يقدمها والتي لا تتوافق مع طبيعة المشكلات التي تمر بها الشعوب العربية. فإذا عجزت النماذج الليبرالية والاشتراكية والقومية والسلفية عن تحقيق نهوض اجتماعي وإحداث تنمية سياسية واقتصادية فإن من واجب المثقف الانكباب لفهم العلاقة بين هذه النماذج من جهة والقيم والمفاهيم السائدة في الثقافة العربية المعاصرة من جهة أخرى. أما تبني خطاب بعد حداثي لنقد حداثة عربية لم تكتمل ويشتد عودها، فعبث ينبغي للمفكر الجاد الترفع عنه.

فمن العبث اعتماد نقد يقوده مفكرو بعد الحداثة الفرنسيون لمشروع الأنوار الغربي، ثم استخدامه لتفكيك مشروع (أنوار) عربي لم ير النور بعد. ومن العبث نقد المثقف العربي بالإحالة إلى مناظرة بين مفكرين غربيين، والتنديد بنماذجهم المعيارية، لأن مفكراً تفكيكياً مثل (فوكو) ندد بالنموذج المعياري الذي ينافح عنه هابرماس. ومن العبث التشكيك بنوايا المثقف، ورفض إمكانية التعالي عن المصالح الخاصة لتحقيق مصالح عامة كلية، بدعوى حرص المثقف على النفوذ والسلطة.

إن تعسف (حرب) في الاستدلال، وعجزه عن التمييز بين المثقف الارتهاني الذي يجعل مصلحته الفردية فوق كل مصلحة، ويبيع روحه لمن يملك الثمن، والمثقف الأصيل الذي يسعى لتحقيق مبادئ آمن بها والتزمها على أرض الواقع، ويشري نفسه ابتغاء تحقيق مجتمع عادل وبناء نموذج يحقق الكرامة والرفعة للأمة، ناجم عن التزامه بالرؤية بعد الحداثية وتنـزيلها بأمانة على واقعه الاجتماعي.

إن اتهام المثقف بالخداع والوصولية، وإنكار القيمة الاجتماعية لكل النماذج المعيارية، والتشكيك بكل مشاريع النهوض والتحرر، لا يخدم مجتمعاً يسعى إلى النهوض والتحرر، بل يؤدي إلى تكريس التخلف، وتبرير الفوضى والكسل. ولا نبالغ إذا قلنا: إن مشروع النهضة والحداثة الغربية لم يكن ليرى النور لو أن مشروع التفكيك بعد الحداثي برز مع بدايات مشروع الأنوار الغربي، أو حتى في مطلع القرن الثامن عشر قبيل تبلوره وتكامل ملامحه.

تهدف هذه الحوارية إلى دراسة الأزمة التي يعيشها المثقف العربي العلماني، والنهضوي، والسلفي والإسلامي.

كما تحاول التعرف على المشاريع الإصلاحية التي انتهجها المثقف للخروج من هذه الأزمة.

وتبحث في موقف السلطة السياسية منه ومن مشاريعه؟

تتساءل عن سبب إخفاقه في القيام بواجبه التنويري والتجديدي والإصلاحي.

ونتساءل بدورنا: هل التخلف العلمي والثقافي هو السبب في التخلف الحضاري؟

وهل يشترط للنهوض الحضاري وجود ثقافة عالمية إنسانية ذات خصائص محددة؟ أم هل الثقافة العالمية تنجم عن إصلاح ثقافي واع وأصيل؟

كيف يمكن للثقافة العربية أن تخرج من عنق ثنائيات الأصالة والمعاصرة والتراث والتجديد والدين والعلمانية إلى رحاب منهج أصيل يبلور رؤية مستقبلية.

هذه الحوارية تحاول الوصول إلى رؤية جديدة لواقع الثقافة العربية من خلال طرحها لأزمة المثقف والثقافة العربية على البحث والدراسة. ويتصدى لهذه المهمة أستاذان أكاديميان معروفان على الصعيد العربي والعالمي بإسهاماتهما الفكرية المتميزة.

جذور أزمة المثقف العربي - حوارية - د. أحمد موصللي - د. لؤي صافي

يتناول هذا الكتاب حوارية بين أستاذين جامعيين مشهورين عربياً وعالمياً، بإسهاماتهما الفكرية المتميزة، حول رؤية جديدة لواقع الثقافة العربية، وأزمتها، وأزمة المثقف العربي، ويكتب كل منهما بحثه وتعقيبه على بحث الآخر مستقلاً.

ويوضح أولاً إشكالية الثقافة والسلطة، وجذور أزمة المثقف العربي الراهنة، بدراسة توجهاته العلمانية النهضوية، والإصلاحية السلفية، والأصولية الإسلامية، من السلطة السياسية ومشاريعها، ومواقفها منه ومن مشاريعه.

ويحلل من خلال البحث في النهوض والسقوط، والأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة، وقفات تاريخية وفكرية وسياسية، تبرز أسباب فشل المثقف في القيام بواجبه التنويري التجديدي والإصلاحي، وتهميش مشروعه، مما يؤثر سلباً على مشاريع النهوض والتجديد للفكر والمجتمع، ويحوّل التيارات الفكرية والثقافية إلى مشاريع تسلطية تفرض الدولة عبرها استبدادها بالمجتمع وتهميشها لثقافته.

ويتناول ثانياً تعريف المثقف، ودوره وعلاقته بالنهضة ضمن جدلية الأصالة والعالمية والنهوض، ومجاله في الأدبيات العربية، والوعي الديني، والنهوض الحضاري، والثقافة الناهضة والحضارتين الغربية والإسلامية، والمشروع الحضاري، وموقفه من المرجعية الغربية والمتغيرات الثقافية.

ويعالج أزمة مثقف النهضة وإشكالية التنمية عنده، والنموذجين الحداثي الغربي، والطليعي الإسلامي، وجدلية الإصلاح الثقافي والتنمية البنيوية، ومهمة المثقف الأصيل في التجديد، بين سياسة التغيير، والتغيير السياسي، والإصلاح الثقافي بين التوجه العالمي والنزوع العقدي.

ويورد بعد تعقيب كل بحث على الآخر، تعاريف بمصطلحات الكتاب.