تخطي إلى المحتوى

حكم الإسلام في النظر والعورة

السعر الأصلي $2.00 - السعر الأصلي $2.00
السعر الأصلي $2.00
$2.00
$2.00 - $2.00
السعر الحالي $2.00

يفصل ما يحل النظر إليه وما يحرم ليقف المسلم على حكم الشريعة في النظر الحلال والنظر الحرام، وعلى فوائد غض البصر، وما فيه من يقظة روحية، وإشراق نفسي، وشعور بلذة الطاعة ، وحلاوة الأمر الإلهي.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
192 الصفحات
17x24 القياس
2002 سنة الطبع
ISBN
0.2 kg الوزن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه وتابعيه ومن سار في طريقه واستنار بنوره، وأحيا سنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد: فإن الله تبارك وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمة الجوارح ليستعملها في طاعته، ويسخرها في مرضاته، ويطلقها فيما يعود عليه نفعه حالاً ومآلاً. وأعلمه سبحانه بأنه سيسأله عنها وعن القيام بشكرها فقال عز وجل: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 17/36].

هذا وإن من أخطر الجوارح على الإنسان - العينين - فهما النافذتان المطلتان من هذا الهيكل الجسماني على ما في هذا الكون من خير وشر، وحسن وقبح، وبواسطتهما تنطبع آثار المشاهد والمناظر في المخيِّلة فتنعكس على القلب لتستقر فيه مما يحدث فيه آثاراً تحمد وتذم، وتنفع وتضر حسب الوقائع والمشاهدات.

فكم من منظر حسن يحدث في نفس الإنسان سمواً في روحه وصفاءً في نفسه، وقوةً في إيمانه، ورقةً في شعوره، وإرهافاً في حسِّه فيحسن به سلوكه وتستقيم أحواله.

وكم من منظرٍ سَيِّئٍ يحدث في النفس انعكاساً في الأوضاع، وارتكاساً في الطبع، وانحرافاً في السلوك، وأزمات فكرية، ومضايقات نفسية.

وربَّ نظرة أورثت حسرة وندامة وخذلاناً يوم القيامة لما أثارت من شهوات، وأججت من نار الهوى والفتنة.

ولذلك جمعت في هذا الكتاب ما يحل النظر إليه وما يحرم ليقف المسلم على حكم الشريعة في النظر الحلال والنظر الحرام، وعلى فوائد غض البصر، وما فيه من يقظة روحية، وإشراق نفسي، وشعور بلذة الطاعة وحلاوة امتثال الأمر الإلهي.

وعلى آفات إطلاق البصر وما فيه من مثيرات هائجة، وانبعاثات مائجة، وسهام مسمومة نافذة وقاتلة، وعواقب غير محمودة.

وتعرضت لمسألة الستر السابغ الفضفاض مع مناقشة الأدلة وإقامة البراهين على وجوب ذلك.

اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، واحفظنا من مضلات الفتن والأهواء، ونعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأُمي وآله وصحبه.

محمد أديب كلكل

غض البصر وغاية الإسلام منه

قال الله عز وجل: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 24/30-31].

الغَضُّ لغة: النقص، والخفض، والوضع، فيقال: غض الشيء أي خفضه، واحتمل المكروه.

ومنه: نقص ووضع من قدره. وغضّ الغصن: كسره.

فمعنى غضّ البصر بهذا الاعتبار: أن لا ينظر إلى شيء بملء العين، وأن يكف النظر عما لا يحل له بخفضه إلى الأرض، أو بصرفه إلى جهة أخرى.

وكلمة ((من)) في أبصارهم: للتبعيض، أي أن الله تعالى لا يأمركم بصرف كل أنظاركم، وإنما يأمركم بصرف بعضها، أو بكلمات أخرى: أن الله تعالى لا يريد ألا تنظروا بملء عيونكم إلى كل شيء، وإنما يريد أن يقيد نظركم في دائرة مخصوصة.

ولما كان تحريم إطلاق البصر تحريم الوسائل، فيباح للمصلحة الراجحة، ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم تعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة، لم يأمر الله سبحانه بغضِّه مطلقاً بل أمر بالغض منه، وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه، فلذلك عمَّ الأمر بحفظه وابتدئ بالأمر بغض البصر أولاً لأنه البريد الموصل إلى ما وراءه من محرمات.

والسبب في نزول هذه الآية الكريمة: ما أخرجه ابن مردويه عن الإمام علي كرم الله وجهه قال: مرَّ رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما للآخر إلا إعجاباً، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشقَّ أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أمري، فأتاه فقصَّ عليه قصَّته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذه عقوبة ذنبك))، وأنزل الله هذه الآية للنصح والتحذير.

فأمر الرجال بغض الأبصار وحفظ الفروج، وأمر النساء بذلك أيضاً ليقيم الحارس القوي على الأنظار كيلا يتدرج الأمر من التلذذ بالنظر إلى الولوع بالجمال إلى الوقوع في الغرام، وكذلك أمرهن بستر الزينة والمحاسن، وعدم إبدائها حتى لا يعود أحد يفتتن بهنَّ.

فجاءت هذه الآية في شأن من أخطر شؤون الحياة، وهو صون الحياة العائلية مما يتهددها من أخطار الأمراض الاجتماعية، وتنظيم الخلطة بين الناس على وجه يكفل الخير، ويبعد عن الشر.

يقول صاحب (الظلال): ((إن الغاية التي يهدف إليها الإسلام من غض البصر، إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه الغرائز، ودفعات اللحم والدم في كل حين.

فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي، والنظرة الخائنة والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري.. كلها لا تصنع شيئاً إلا إن تهيِّج ذلك السعار الشهواني المجنون.

وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً، وبقوة الطبيعة دون استثارة مصطنعة. لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطلق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة.. شاع أن هذا تنفيس وترويح وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون.. ولكن نسي هؤلاء الذين يتمسكون بمثل هذه النظريات والأفكار أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قد أناط به امتداد الحياة على هذه الأرض، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها. فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته، وتدفع إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة، فإذا لم ينم هذا تعبت الأعصاب المستثارة، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمر فالمجتمع الإسلامي ليس بمتنزه يسرح فيه الذواقون والذواقات متمتعين بحريتهم بدون خوف ولا تقيد بقاعدة من قواعد الشرف والأخلاق، فالنظرة تثير، والحركة تثير، والضحكة تثير، والدعابة تثير، والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير، والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يُلبى تلبية طبيعية عن طريق الزواج المشروع)).

هذا هو المنهاج الذي اختاره الإسلام، وارتضاه للجنس البشري ليتم له هدوؤه النفسي، واستقراره الفكري، وراحته العصبية، ورباطه السليم الذي يربط بين سائر أبناء الإنسان..

الترغيب في غض البصر والترهيب من إطلاقه

لقد حرص الإسلام على صيانة المجتمع مما يتهدده من عوامل تودي بكيانه، وتذهب بمعالمه، وتقضي على بنيانه بأن أحاطه بسياج فعال من الوقاية فلا يتسرب إليه الفساد، ولا تعمّه الفوضى، ولا يشوّه صفوه الاضطراب، وحتى ينعم بالهدوء النفسي، والاستقرار الفكري، والاتزان الخلقي.

ولهذا أمر الله عز وجل بغض البصر وصيانة الفرج، وقرن بينهما في معرض الأمر. وبدأ بغض البصر قبل حفظ الفرج لأن البصر رائد القلب:

فما تألف العينان فالقلب آلف ألم تر أن العين للقلب رائد
ولأن غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج وصيانته، وهو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه.

فهو النافذة التي تنفذ منها متطلبات الجنس ورغباته، وليس من الممكن حبس تلك المتطلبات، وصد تلك الرغبات إلا بتقييد البصر ضمن دائرة حددت محيطها الشريعة، ورسم معالمها الوحي الإلهي، ووضح آثارها الهدي النبوي.

إن النظرات المطلقة التي لا تقيدها القيود، ولا تحدها الحدود، ترجع بالوبال على صاحبها، وتعود بأسوأ العواقب وأقبح النتائج؛ كما أن من صانها وقيَّدها لابد وأن يجني ثمارها، ويشعر بفوائدها، ويتذوق حلاوة تقييدها. ولهذا كثرت الأحاديث التي ترغبنا في غضِّ البصر، وترهبنا من إطلاقه.

1- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عن ربه عز وجل: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه)). رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد.

2- عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه)). رواه أحمد والبزار.

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضَّت عن محارم الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله)). رواه الأصبهاني.

4- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم)). رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم.

5- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزِّنا فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)). رواه مسلم والبخاري باختصار، وأبو داود والنَّسائي وفي رواية لمسلم وأبي داود: ((واليدان تزنيان فزناهما البطش، والرجلان تزنيان فزناهما المشي، والفم يزني فزناه القبل)).

6- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجل تزني..)). رواه أحمد بإسناد صحيح، والبزار وأبو يعلى.

7- عن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فقال: ((اصرف بصرك)). رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

8- عـن عبــد الله بن مسعـود رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإثم حوازّ القلب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع)). رواه البيهقي.

وحَوّازّ القلوب: بفتح الحاء وتشديد الواو، هو ما يحوزها، ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن. وقيل: بتخفيف الواو وتشديد الزاي: جمع حازّة، وهي الأمور التي تحزُّ في القلوب، وتحكُّ وتؤثر وتجرح، وتتخالج في القلوب أن تكون معاصي، وهذا أشهر.

9- عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لتغضّن أبصاركم ولتحفظن فروجكم، أو ليكسفَنَّ الله وجوهكم)). رواه الطبراني.

10- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء، وويل للنساء من الرجال)). رواه ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

11- عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: ((يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة)). رواه أحمد والترمذي قال: حديث حسن غريب. وليس المراد أن يتعمد النظر في المرة الأولى، وإنما المراد أن نظر الفجاءة عفو إذا اقترن بعده بغض البصر. ارجع إلى كتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري، و(الزواجر) لابن حجر الهيثمي رحمهما الله تعالى.

فوائد غضِّ البصر وآفات إطلاقه

لغض البصر فوائد كثيرة منها:

1- أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.

2- أنه يمنع صاحبه من وصول أثر السهم المسموم الذي لعلّ فيه هلاكه إلى قلبه.

3- أنه يورث القلب أنساً بالله، ومراقبة لله، فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويُشتته، ويبعده من الله، وليس على العبد شيء أضرّ من إطلاق البصر فإنه يوقع الوحشة بين العبد وربه.

4- أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

5- أنه يكسب القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقب الأمر بغض البصر فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 24/30]، ثم قال إثر ذلك: {اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ،} [النور: 24/35]، أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره، واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت عليه سحائب البلاء والشر من كل مكان، فما شئت من بدعة، وضلالة، واتباع هوىً، واجتناب هدىً، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة، فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام.

6- أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها المحق من المبطل، والصادق من الكاذب.

روى الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)). وهذه الفراسة نشأت من قربه من الله تعالى، فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه، وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه، وأضاء له من النور بقدر قربه، فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب. وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، واعتاد الحلال لم تخطئ فراسته، وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة. والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنسه، فمن غضَّ بصره عن المحارم عوَّضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته عوضاً عن حبس بصره.

7- أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهِّل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب، فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشف له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض. ومن أرسل بصره تكدَّر عليه قلبه وأظلم وانسدَّ عليه باب العلم وطرقه.

8- أنه يورث الثبات والشجاعة، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة. وفي الأثر: إن الذي يخالف هواه يَفْرَق - يفزع - الشيطان من ظلّه. وضد هذا تجده في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه، ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه. وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 63/8] وقال {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 3/139] والإيمان قول وعمل، وظاهر وباطن. وقال تعالى: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 35/10] أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله، وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح.

وفي دعاء القنوت: ((إنه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت)) ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته، ومن عَصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته.

9- أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهر عدوه بمخالفه نفسه وهواه، وأيضاً فإنه لما كفَّ لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها.

قال بعضهم: والله للذّة العفة أعظم من لذة الذنب. ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وها هنا يمتاز العقل من الهوى.

….

…..

فطن أعداء الإسلام لأهمية الحجاب في بلاد المسلمين ومن ثم فقد انتبهوا إلى أن القضاء على شوكة المسلمين لن يكون إلا بانطلاقة المرأة في بلادهم بلا قيود وسط الرجال...

يقول جلادستون (رئيس وزراء إنجلترا في عهد مصطفى كامل): ((لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن)).

وهذا الكتاب يشرح لك النظر الحلال والنظر الحرام ويوقفك على فوائد غض البصر؛ وعلى آفات إطلاق البصر.

وتعرض لمسألة الحجاب مقترنة بالأدلة الناصعة والبراهين القاطعة؛ مع المناقشة العلمية التي تبدد الشكوك وتقضي على الأوهام وتزيد في اليقين.

إنه خير هدية إلى الفتى المؤمن والفتاة المؤمنة.

يفصل ما يحل النظر إليه وما يحرم ليقف المسلم على حكم الشريعة في النظر الحلال والنظر الحرام، وعلى فوائد غض البصر، وما فيه من يقظة روحية، وإشراق نفسي، وشعور بلذة الطاعة ، وحلاوة الأمر الإلهي.