تخطي إلى المحتوى

من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية

مباع
السعر الأصلي $3.50
السعر الأصلي $3.50 - السعر الأصلي $3.50
السعر الأصلي $3.50
السعر الحالي $2.80
$2.80 - $2.80
السعر الحالي $2.80

تتحدث عن كفاح الشعب الفلسطيني في وقت تخاذل فيه الكثيرون عن نصرة قضيته، ودوافع الانتغاضة النبيلة.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
160 الصفحات
20×14 القياس
2002 سنة الطبع
1-57547-952-4 ISBN
0.175 kg الوزن

بين يدي الكتاب

هذا هو الشهر الثامن عشر من انتفاضة العرب والمسلمين، انتفاضة الأقصى والاستقلال، أو بالأحرى حرب تحرير الأقصى وفلسطين، والتي يحمل عبئها الشعب الفلسطيني، والتي يرصد الإعلام العربي أحداثها بتجرُّد وبرود شديدين، وبدون استخلاص أية نتائج، ودون محاولة لتخطي البيانات العسكرية التي يدلي بها المتحدثون الرسميون الصهاينة، ثم تطيِّرها وكالات الأنباء وما يسمَّى (الصحافة العالمية: أي الغربية) وكأنه يرصد انتخابات البلدية في بوليفيا، أو مسابقة ملكة جمال العالم، أو تزايد عدد القطط في زنجبار. ولذا فالانطباع العام الذي يصلنا هو أن الفلسطينيين شعب يقاتل لأنه من هواة القتال الذي لا يُرجى من ورائه فائدة ويضحي بنفسه لأنه يستعذب الألم، شعب يذهب ممثلوه يومياً يحملون أواني الدم الغالي ليسكبوه بشكل آلي منتظم عند آلهة الانتقام الصهيونية الوثنية، فهو شعب دخل في طريق العذاب المسدود، مما يجعل الجهاد والتضحية أموراً لا طائل من ورائها. وقد استخدم الصهاينة والإعلام الغربي لفظ (الإرهاب) للإشارة لأعمال (المقاومة) ولفظ (الانتحار) للإشارة إلى عمليات (الاستشهاد)، وتبنت وسائل الإعلام، فضلاً عن معظم النخب الحاكمة، هذين المصطلحين. وفي هذا الإطار الإدراكي لم تعد القضية هي (تحرير الأرض السليبة)، أو (استعادة الحقوق الضائعة)، أو (التصدي للعدو وهزيمته)، أو (دعم الانتفاضة سياسياً ومالياً وعسكرياً وعدم الاكتفاء بالدعم اللفظي الرتيب)، أو (الضغط من أجل تحويل مكاسب الانتفاضة الميدانية والعسكرية إلى مكاسب سياسية)، أو (رد الاعتبار للأمة العربية واستعادة كرامتها). بدلاً من هذا كله تصبح القضية (رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني)، و (إيقاف العنف)، وفي رواية أخرى (الإرهاب)، ووقف العمليات الانتحارية، بل و(العودة إلى مائدة المفاوضات)، و(التنازل عن حق العودة حقناً للدماء)، واذهب أنت وربك فقاتلا.. إنَّا ها هنا قاعدون. ونحن لا ندري هل هذا الموقف الإعلامي المتخاذل هو نتيجة الهزيمة الداخلية التي تجعل البعض غير قادرين على رصد أي شيءٍ سوى مؤشرات الهزيمة، أم أنه يتم بتوجيهٍ من بعض الحكومات العربية التي يهمها ألا تعرف الجماهير حجم الانتصارات الفلسطينية على العدو الصهيوني؛ الحكومات التي لا تكف عن الحديث عن قوة العدو وعن خيار السلام باعتباره (خياراً استراتيجياً)؟!!

المستوطنون بين الاعتدال والتطرف

ولكننا لو قرأنا رصد الصحافة الإسرائيلية لأحداث الانتفاضة وأثرها على المجتمع الإسرائيلي لوجدنا صورة مغايرة تماماً، تعيد لنا الثقة في أنفسنا، وفي مقدرتنا على التصدي للعدو. وحتى نعرف ماذا حدث في المستوطن الصهيوني بعد الانتفاضة، فلنحاول ابتداءً أن نرسم صورة للمستوطنين الصهاينة قبل اندلاعها، استناداً للصحافة الإسرائيلية.

تصوَّر المستوطنون الصهاينة، خلال سبع السنوات السمان (ما بين توقيع اتفاقية أوسلو واندلاع انتفاضة الأقصى) أنهم سيتمكنون من إحكام هيمنتهم على الشعب الفلسطيني، وعلى الأرض الفلسطينية من خلال سلطة فلسطينية، لا سلطة لها، منعدمة السيادة تماماً. سلطة يمكن إفسادها عن طريق رشوتها، سلطة سياسية تقوم بإلغاء الحياة السياسية، وتحكم بشكل مطلق، فتُهمش الجماهير مما يؤدي إلى ضمور الإحساس القومي والديني لديها، وتتحول بالتالي إلى مجرد وحدات اقتصادية إنتاجية استهلاكية تتبنى رؤية اقتصادية محضة، ومن ثم تنسى الكرامة والوطن وتركز بدلاً من ذلك على تحسين مستوى المعيشة، وبالتالي يصبح من الممكن رشوتها هي الأخرى (وهذه هي رؤية بيريز لما سماه الشرق الأوسط الجديد). ولوّح الغرب والصهاينة للسلطة وللجماهير الفلسطينية بأشياء وردية مثل تحول فلسطين/ إسرائيل (والأردن) إلى سنغافورة وهونج كونج الشرق الأوسط، بلد لا تاريخ له، عدد سكانه محدود، ولكن إنتاجيته مرتفعة إلى أقصى حد، ومستوى المعيشة فيه مرتفع إلى درجة تدير الرؤوس الاقتصادية الاستهلاكية. وكل من تسول له نفسه أن يقف ضد هذه الرؤية يمكن لقوات الأمن التابعة للسلطة أن تقوم بترويضه أو القضاء عليه إن اقتضى الأمر، أي إن علاقة الكيان الصهيوني بالسلطة الفلسطينية - حسب تصوُّر الصهاينة لاتفاقية أوسلو - هي علاقة كولونيالية في جوهرها، تلعب فيها الدولة الصهيونية دور الراعي الإمبريالي الذي يوظف الدولة المستعمَرة لصالحه، إما مباشرةً من خلال قواته العسكرية أو بشكلٍ غير مباشر من خلال النخبة المحلية الحاكمة. وهكذا كان المفترض في السلطة الفلسطينية أن تلعب دور الدولة/ السلطة الوظيفية (المملوكية) المنبتة الصلة بالجماهير الفلسطينية، التي تضطلع بوظيفة تسخير الجماهير لصالح الراعي الإمبريالي، نظير بعض المكاسب التي تحققها لنفسها.

وقد استنام المستوطنون الصهاينة لهذه المتتالية اللذيذة التي كان من المفترض أن تجعلهم قادرين على الاستمرار في زيادة المستوطنات وفي تسمينها وتحسينها والاستمتاع ببحبوحة العيش، دون أن يدفعوا أي ثمن. وقد وصلت الطمأنينة الزائفة التي تمتع بها المستوطنون إلى درجة أن الخريطة السياحية التي أصدرها المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن قبل اندلاع الانتفاضة لا يظهر عليها أي قرى أو مدن عربية، كأنها قد أُزيلت، أو كأنها لم توجد أصلاً. ولذا كان غور الأردن - حسب هذه الخريطة الوهمية - هو أكثر الأماكن أمناً على وجه الأرض. حقاً إنها أرض بلا شعب، أو على أسوأ تقدير، أرض شعبها مكبل بالأغلال، يمكن توظيفه وتسخيره.

والصهيونية - في تصوُّرنا - ليست ظاهرة يهودية كما يدَّعي الصهاينة، وإنما هي إفراز للتشكيل الاستعماري الغربي، شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، الذي يقوم باغتصاب الأرض من أصحابها، وبطرد سكانها الأصليين منها وإبادتهم إن أمكنها ذلك، شأنها شأن كل الجيوب الاستيطانية الأخرى. لقد تم تأسيس دولة إسرائيل عام 1948م على الجزء الأكبر من أراضي فلسطين، ثم تم الاستيلاء على الجزء المتبقي في حرب حزيران (يونيو) 1967م، وبدأت بعدها عمليات مصادرة الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة وبناء المستوطنات عليها. وفي البداية تم التركيز على وادي الأردن والمناطق القريبة من الخط الأخضر وهي مناطق ليست كثيفة سكانياً (فلسطينياً). ثم أقيمت مستوطنات داخل مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية بعضها تحول إلى مدن مثل مستوطنة معالي أدوميم. وخلال العام الأخير من ولاية نتنياهو وطوال فترة ولاية باراك تكثفت عملية توسيع المستوطنات. وقد تضاعفت مساحة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة الممتدة من عام 1993م (توقيع اتفاقية أوسلو) حتى عام 2000م.

وكان انتخاب باراك بالنسبة للكثيرين يمثل دخولاً إلى الشوط الأخير في السباق نحو إنهاء الصراع التاريخي. وقد ترافق هذا مع مناخ اقتصادي متفائل يعود أساساً إلى ازدهار شركات التكنولوجيا المتقدمة (هاي تك). كل هذا منح المجتمع الإسرائيلي، المرهق بفعل أعوام كثيرة من الصراع، أملاً بمستقبل جديد، تستطيع إسرائيل أن تصبح فيه واحدة من الدول الغربية التكنولوجية (كئيبون وعاجزون ويرفضون التعلم،) لداني زكائي، مجلة نيم، العدد 17، صيف 2001م).

كانت الحياة بالنسبة للمستوطنين الصهاينة حياةً ورديةً، فكان (سكان مستوطنات غور الأردن (على سبيل المثال) مقتنعون تماماً بأنهم على وشك دخول مرحلة من الانتعاش. فبدأت إذاعة المنطقة حملة لجذب مستوطنين جدد. واشترك في الحملة مغننٍّ إسرائيلي دعا المستوطنين إلى الانتقال إلى الوادي ليحققوا أحلامهم)، فلتنتقل إلى بيت خاص، في مستوطنة متميِّزة، ولتتمتع بالهدوء والاستقلال في أجمل بقعة في وادي غور الأردن (هآرتس، أيلول (سبتمبر) 2001م).

وبدأت مستوطنة يافيت حملة ناجحة في اجتذاب عشرات الأسر التي عبَّرت عن رغبتها في الاستيطان (وكان من بينهم أسرة/ زوج من المساحقات). بعضهم فكَّر في إقامة مركز كلي ومزرعة بيئية (لا تعتمد على أي سماد صناعي). وكانت هناك امرأة متخصِّصة في الروحانيات قررت أن تعيش بمفردها في مبنى مهجور لتقيس درجة الروحانية داخلها، وتوصلت إلى أن الطاقة الكامنة فيها ستكفيها لمدة عام على الأقل،

ثم جاءت ثماني أسر وسجل أفرادها أنفسهم في حي (ابن بيتك بنفسك). وكان انطباع أبناء المؤسسين إيجابياً إلى درجة أنهم قرروا العودة إلى المستوطنة بعد أداء الخدمة العسكرية. وتمَّ بيع 130 منزلاً بعد حملة التسويق. وهكذا عادت الحياة مرةً أخرى إلى مستوطنة يافيت، وأصبحت المنطقة المخصصة للعب الأطفال مليئة بالحياة. وبدأت الحضانة تعمل مرةً أخرى، وعادت الليالي الاجتماعية مرةً أخرى، وغمرت السعادة الجميع خاصة كبار السن. وكانت الحياة الوردية تسير على ما يرام بشكل روتيني، فكانت آلاف السيارات تستخدم الطريق العام رقم 90 كل يوم. وكان هناك محطة بنزين، تقف فيها السيارات، وعادةً ما كان قائدي السيارات يطلبون ساندوتش، أي إن كل شيء كان على ما يُرام.

وهنا، وقبل أن نعرض ثمرات الانتفاضة لا بد أن نتوجه لظاهرة الاعتدال والتطرف الصهيونيين، إذ يقول بعض دعاة المهادنة والاستسلام: إن جوهر الصراع نفسي، وإنه لا بد من اجتياز الحواجز النفسية والفكرية بيننا وبين المستوطنين الصهاينة، وهذا لن يتأتى إلا بإدخال الطمأنينة إلى قلوبهم وإشعارهم بالأمن، وإن فعلنا ذلك سيسود شكل من أشكال الاعتدال بينهم بدلاً من التطرف الذي اكتسحهم. وحينما يحدث ذلك سيجلس ممثلو المستوطنين إلى مائدة المفاوضات ويتباحثون مع الفلسطينيين بشكل عقلاني، حتى يصل الجميع إلى صيغة معقولة ترضي كل الأطراف المتنازعة.

وما يتجاهله هؤلاء أن الصراع العربي الصهيوني لم ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية وإنما لأسباب موضوعية ملموسة، وهي أن كتلة بشرية غريبة وافدة جاءت إلى الأرض الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها، ولا يمكن إصلاح الوضع إلا بإرجاع الأرض إلى أصحابها وعودة الشعب الذي طُرد.

ولكن يظل السؤال يطرح نفسه: ما هو تفسير هذا التطرف الصهيوني المتزايد؟ وما سر هذا التأييد الشعبي العارم لشارون؟ لِمَ لَمْ يولِّد الخوف من الهجمات الاستشهادية قدراً من الاعتدال؟ أليس انتخاب شارون دليلاً قاطعاً على صدق مقولة دعاة وقف الانتفاضة، فشارون المتطرف حل محل باراك المعتدل بسبب الهجمات الاستشهادية؟

وللإجابة على هذه الأسئلة لا بد أن نشير إلى أن المستوطنين يدركون السكان الأصليين من خلال ثلاثة أنماط أساسية: الإنسان الغائب - الإنسان الهامشي - الإنسان الحقيقي. وهذه الأنماط ليست ثابتة أزلية، وإنما تتغيَّر بتغيُّر الظروف، شأنها في هذا شأن أية خريطة إدراكية. فموازين القوى قد تساهم في تقويض نمط إدراكي، كما قد تساهم في دعمه. ويمكن تلخيص تحولات الخريطة الإدراكية الاستيطانية على النحو التالي:

1 - في حالة اتجاه موازين القوى لصالح المستوطنين وضد صالح السكان الأصليين، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الاستيطاني العنصري المتحيِّز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/ الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه والمستوى المعيشي المرتفع الذي يتطلعون إليه. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويتدعم البرنامج السياسي الاستيطاني/ الإحلالي بوصفه مرشداً للتعامل مع الواقع، ويتهمَّش السكان الأصليون إلى أن يغيبوا تماماً من شاشة الوجدان الاستيطانية ومن خريطة المستوطنين الإدراكية.

2 - في حالة اتجاه موازين القوى لصالح السكان الأصليين وضد صالح المستوطنين، يتولد قدر من الواقعية لدى المستوطنين، إذ يكتشفون أن البنية الاستيطانية/ الإحلالية لم تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة السكان الأصليين، وتتعدل خريطتهم الإدراكية تدريجياً. وتتناسب درجة التحول تناسباً طردياً مع حجم المقاومة ودرجة تزايدها. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام والأساطير الإيديولوجية. أي إن ميل موازين القوى لصالح السكان الأصليين يؤدي إلى ترشيد العقل الاستيطاني. ولكن تحلل الخريطة الإدراكية يُعد من أكثر التجارب إيلاماً، ولهذا يُلاحظ أنه قبل الوصول إلى مرحلة الواقعية والاعتدال يمر المستوطنون عادةً بمرحلةٍ من التطرف والوحشية دفاعاً عن خريطتهم الإدراكية، ولا تستمر هذه المرحلة لفترةٍ طويلةٍ في المعتاد إن استمرت موازين القوى لصالح السكان الأصليين من خلال استمرار مقاومتهم.

ويمكن أن نفسِّر التطرف والاعتدال في الجيوب الاستيطانية في ضوء الاحتمالين السابقين. فإن ظل السكان الأصليون ساكنين دون أن يتحدوا الرؤية الإدراكية الاستيطانية أو موازين القوى السائدة، أصبح من الممكن قبولهم ككمِّ متخلف هامشي غائب، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاههم، بل ومنحهم بعض الحقوق مثل (الحكم الذاتي) (وهنا تكمن المفارقة). أما إذ تحرك السكان الأصليون لتأكيد حقوقهم ورفضوا الهامشية المفروضة عليهم وتحدوا الرؤية الاستيطانية وبدؤوا في تغيير موازين القوة لصالحهم، فإنهم يصبحون مصدر خطر حقيقي ومن ثم يتعين ضربهم ويصبح التسامح معهم أمراً غير مطروح، وبالتالي يتزايد التطرف والبطش.

وهذا ما حدث في جنوب إفريقيا، فمع تصاعد مقاومة السكان الأصليين للمستوطنين البيض لجأ هؤلاء للبطش وضرب المقاومة بيدٍ من حديد على الطريقة الشارونية. ولكن المقاومة استمرت بل وتصاعدت رغم بطش النظام العنصري، إلى أن اكتشف المستوطنون البيض عدم جدوى الإرهاب المؤسسي، وانتهى الأمر بسقوط النظام العنصري. أي إن تطرف المستوطنين هو مؤشر على أن الرسائل المسلحة التي يرسلها السكان الأصليون بدأت تصل إليهم، وأن التطرف والشراسة ليسا سوى المرحلة قبل الأخيرة التي تسبق تحطم الأسطورة والرضوخ للأمر الواقع.

ولما كنا نعيش في عالم يؤمن بالحواس الخمس وبكل ما يُقاس، عالم يستند إلى القوة والبطش، أو على حد تعبير أحد الزعماء الصهاينة (إن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة)، فإن إيصال القيم غير المحسوسة مثل الحق والعدل للعدو يتطلب الضغط على حواسه الخمس من خلال العديد من الرسائل المسلحة حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها، وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها.

ولعل هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. فقد ظن مهندسو هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم، ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي يحدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد (الاعتدال) العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بالمستوطنات وبكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد (التطرف) العربي، أي المقاومة والحوار المسلح، ازداد الصهاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل والمقررات الدولية، بدلاً من السلام حسب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل.

والشيء نفسه ينطبق على دعاة التطبيع، فهم يفترضون أن عملية التطبيع عملية نفسية، غير مدركين أنها عملية بنيوية (أي إنها مرتبطة ببناء الدولة الصهيونية، والبناء بطبيعته لا علاقة له بالحالة النفسية أو العقلية). إن بنية إسرائيل ذاتها بنية غير طبيعية، ولذا فالتطبيع معها غير ممكن. فهي دولة لا ترى نفسها باعتبارها دولة لمواطنيها، وإنما هي دولة لكل يهود العالم، ولهذا السبب أصدرت قانون العودة الصهيوني العنصري الذي يعطي الحق لأي يهودي في العالم أن يهاجر إلى فلسطين المحتلة (بعد فترة غياب مزعومة لحوالي ألفي عام) حتى لو كان هذا اليهودي لا يود الهجرة (والحقيقة أن معظم يهود العالم لا يرغبون في ذلك) بينما يُحرم من هذا الحق الفلسطيني المنتزع من أرضه ووطنه منذ فترة خمسين عام على الأكثر، والذي يربض في مخيمات اللاجئين بجوار الوطن السليب يقرع أبوابه بشتى الطرق ويحاول دخوله. والدولة الصهيونية تقع في الشرق الأوسط ولكنها تؤكد أنها فيه ولكنها ليست منه وهي دولة تعتمد اعتماداً كاملاً على الغرب وعلى معونات يهود العالم، فكيف يمكن أن تنشأ علاقات طبيعية مع هذه الدولة العنصرية المتخندقة داخل عنصريتها، التي تستمد حياتها من خارج المنطقة وتواصل إشعال الحروب وشنها على من يحيط بها.

* * *

إن حرب التحرير الفلسطينية تنبع من أنبل الدوافع الإنسانية، إقامة العدل في الأرض وتحرير الوطن من المغتصب والقضاء على الاحتلال. فمصدرها هو الأمل والمقدرة على التضحية بالذات، وليس اليأس والرغبة في تفجيرها. إنها تعبير عن امتلاء إنساني وأخلاقي حقيقي، ولولا هذا لما كُتب لها الاستمرار.

إن كفاح الشعب الفلسطيني نجمٌ ساطع في زمن الكذابين والمزيفين والوثنيين و(الواقعيين) الانهزاميين، وهو نجم بدَّد كثيراً من الظلمة والأكاذيب. وقد أثبت الفلسطينيون مقدرةً فائقةً على الصمود والمثابرة والإبداع والكفاح، من أجل شرف أمتنا وكرامتها ومصالحها وأمنها، ونرجو ألا يُكتَب عنا أننا تركنا هذه اللحظة التاريخية النادرة تفلت من أيدينا.

عبد الوهاب المسيري

من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية –
أثر الانتفاضة على الكيان الصهيوني

يتحدث هذا الكتاب عن انتفاضة العرب والمسلمين، انتفاضة الأقصى والاستقلال، أو بالأحرى حرب تحرير الأقصى وفلسطين، وأثرها على الكيان الصهيوني، ويبين أنها تنبع من أنبل الدوافع الإنسانية لإقامة العدل في الأرض وتحرير الوطن من المغتصب والقضاء على الاحتلال، ويشير إلى أن مصدرها هو الأمل والمقدرة على التضحية بالذات، وليس اليأس والرغبة في تفجيرها، وإلى أنها تعبير عن امتلاء إنساني وأخلاقي حقيقي، يجعلها تستمر.
ويوضح أن كفاح الشعب الفلسطيني نجم ساطع في زمن الكذابين والمزيفين، والوثنيين و(الواقعيين) الانهزاميين، يبدّد كثيراً من الظلمة والأكاذيب.
ويثبت مقدرة الفلسطينيين الفائقة على الصمود والمثابرة والإبداع والكفاح، من أجل شرف أمتهم وكرامتها ومصالحها وأمتها، ويدعو إلى عدم ترك هذه اللحظة التاريخية النادرة تفلت من الأيدي.
ويتحدث عن المستوطنين اليهود الواقعيين بين الاعتدال والتطرف، وتصاعد أوهامهم وسقوطها، وسوء الوضع الاقتصادي في إسرائيل، وفقدان الصهاينة الإحساس بالأمن ومعرفة الاتجاه الصحيح، ويبين معدلات الخوف، وسقوط الإجماع بخصوص الاستيطان.
ويشح الطرق الالتفافية، ورفض الإسرائيليين الخدمة العسكرية، وفرارهم منها، وميلهم إلى الهجرة والنزوح، واندلاع الغضب العالمي لمعرفة من المنتصر من المهزوم.
ويوضح حقيقة حرب التحرير الفلسطينية في نهاية إسرائيل، ووهم النفوذ اليهودي، ويبين أثر الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي.