تخطي إلى المحتوى

معجم الأدوات النحوية

مباع
السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00 - السعر الأصلي $4.00
السعر الأصلي $4.00
السعر الحالي $3.20
$3.20 - $3.20
السعر الحالي $3.20
أثبتت الحاجة العلمية الماسة، أن الطلاب في شتى مراحلهم -الثانوية والجامعية- يحتاجون إلى مثل هذه الكتب التحويلية المبسطة التي تنير ما قد سها المعلم عن إعطائه، وسعى المؤلف في هذا الكتاب إلى أن تكون مشروحة أكثر، وشاملة عدداً أكبر من الأدوات والألفاظ، وفصَّل إعراب المفردات والجمل، وبسط وحذف وعدل مستغنياً عن الشواذ مهتماً بذكر الشائع العام.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
232 الصفحات
17*12 القياس
2012\الأولى سنة ورقم الطبعة
1-59239-088-9 ISBN
0.204 kg الوزن

3 - الاستدراك والإضراب:

وهما نوعان من الإخراج والتقييد، يراد بهما تخصيص التركيب أو أحد عناصره، وتحرير العبارة مما يوهم عموم ما وراءها. وقد أتينا عليهما معاً، لما بينهما من تداخل وتواصل في حديث المفسرين، وتحليلهم لمعاني الأدوات في كل منهما. فهم تتبعوا أوجه اللقاء والتقارب بين ((لَكِنْ)) و ((بَلْ))، وأجروا غير مقارنة بينهما في توضيح أهداف النصوص ومقاصدها، وفصلوا في هذه المعاني. ولكن حديثهم، على العموم، كان موجزاً.

آ - الاستدراك:

وتفيد معناه الأداتان: ((لَكِنْ)) و ((لَكِنَّ))، و ((بَلْ)) لدى بعضهم. فقد ذكر الفراء أن معنى ((لَكِنَّ)) هو الرجوع عما أصاب أول الكلام . وأوضح الزمخشري أن هذا المعنى هو الاستدراك، وأن شرط إفادة ((لكنَّ)) له هو مخالفة مابعدها لما قبلها في النفي والإثبات. ورأى أن هذا الشرط قد تحقق في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ} [الحجرات: 49/7]، ((لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فوقعت ((لكنّ)) في حاق موقعها من الاستدراك)).

وأوضح القرطبي أنّ ((لكنْ)) تفيد التوكيد، وإذا كان قبلها نفي كان بعدها إيجاب، وإن كان قبلها إيجاب كان بعدها نفي. ولا يجوز بعدها الاقتصار على اسم واحد إذا تقدمها إيجاب، ويجب هنا ذكر جملة مضادة لما قبلها، كقولك: جاءني زيدٌ لكن عمرٌو لم يجئ. ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو، لأن هذا موضع ((بل)). ويجوز ذلك إذا تقدم النفي، كقولك: ما جاءني زيدٌ لَكِنْ عمرٌو.

وأكد أبو حيان أنه لا يجوز إطلاقاً موافقة ما قبل ((لكنَّ)) لما بعدها، وأنه لا بد من التنافي بينهما، إمّا بالمناقضة، وإمّا بالضد، وإمّا بالمخالفة. ورأى أن أحسن مواقعها هو المناقضة، ووقوعها بين نفي وإثبات، كقوله تعالى: {وَما رَمَيْتَ، إِذْ رَمَيْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 8/17]. فالمثبت لله هو المنفي عنهم .

ونقل الأخير عن الزجاج أن ((بَلْ)) أفادت الاستدراك، في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ} [الأنعام: 6/27-28]. قال الزجاج: ((بَلْ هنا استدراك وإيجاب نفي، كقولهم: ما قام زيدٌ بل قامَ عمرٌو)). وخالفه أبو حيان، لأنه لم يعرف النفي الذي سبق، حتى توجبه ((بل)).

ب - الإضراب:

والأداة الأصيلة فيه ((بَلْ))، وتحمل عليها الأداتان ((أَمْ)) و ((أَوْ)) في بعض وجوههما. وهذا المعنى قريب من الاستدراك، لأنه رجوع عما أصاب أول الكلام. قال الفراء: ((ألا ترى أنك تقول: لم يقم أخوك بل أبوك؟ ثم تقول: لم يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما بمعنى واحد)). وهو يرى أن ((بل)) تفيد المعنى نفسه الذي تؤديه ((أم)) المنقطعة، كقوله تعالى: {قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ ، بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} [النمل: 27/65-66]. وقد استدل لذلك بقراءة أبي بن كعب للآية: (أَمْ تَدارَكَ).

وأوضح الطبري أن معنى الرجوع هو نقض الكلام المنفي قبل ((بل)) وإثبات ما بعدها، وجعل من ذلك قول أعشى بني ثعلبة:

وَثَلاث عَشْرَةَ وَاثْنَتَينِ وَأَرْبَعا

وَلأَشْرَبَنَّ ثَمانِياً وَثَمانِياً

ومضى في كلمته حتى بلغ قوله:

بِالوَنِّ يَضْرِبُ لِي يَكُرُّ الإصْبَعا

بَالجُلَّسانِ، وَطيِّبٌ أَرْدانُهُ

ثم قال:

وَاذْكُرْ فَتًى سَمْحَ الخَلِيقةِ أَرْوَعا

بَلْ عَدِّ هَذا في قَرِيضٍ غَيْرِهِ،

قال: ((فكأنه قال: دع هذا وخذ في قريض غيره. فـ ((بل)) إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام)).

وسمّى أبو حيان المناقضة إبطالاً، ورأى أن من الإضراب ما هو إبطالي، كقوله تعالى: {وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 4/157-158]، إذ هو إبطال لما ادعوه من قتله وصلبه، وإثبات لرفع الله له. وغير إبطالي، أي لا ينقض الكلام السابق، وسمّاه انتقالياً، وحمل عليه معظم الآيات القرآنية، كقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟! بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ} [الأنعام: 6/40-41]، فـ ((بل)) للإضراب والانتقال من شيء إلى شيء من غير إبطال لما تضمنه الكلام السابق من معنى النفي، لأن معنى الجملة السابقة النفي. وتقديرها: ما تدعون أصنامكم. وهذا كلام حق لا يمكن فيه الإضراب الإبطالي.

وحمّل الزمخشري ((بل)) الإضرابية معنى التنزيه أيضاً. وذلك في قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ} [الأنبياء :21/17-18]، فرأى أنها ((إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته. كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق)). وواضح أثر الاعتزال في تفسيره.

وقرّر المفسرون نيابة ((أم)) المنقطعة عن ((بل)) في هذا المعنى، بل جعلوا ذلك أمارة على هذا الوجه فيها. فقد ذكر الفراء أن العرب تجعل ((أمْ)) بمعنى ((بَلْ)) إذا سبقت باستفهام لا تصلح فيه ((أيّ))، فتقول: هل لَكَ قِبلَنا حَقٌّ؟ أم أنت رجلٌ معروف بالظلم. يريدون: بل أنت رجل معروف بالظلم. وجعل من ذلك قول الشاعر:

أَمِ النَّوْمُ، أَمْ كُلٌّ إليَّ حَبِيبُ

فَوَاللهِ ما أَدْرِي أَسَلْمى تَغَوَّلَتْ

أي: بل كلّ إلي حبيب.

وإلى مثله، جرى أبو عبيدة في نحو قوله تعالى: {وَهَذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ، أَمْ أَنا خَيْرٌ مِنْ هَذا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} [الزخرف: 43/51-52]. والتقدير: بل أنا خير. وتابعهما آخرون، وحملوا على ذلك بعض النصوص، بينما قصره أبو حيان على الموضع الذي ترد فيه أداة استفهام بعد ((أم))، كقوله تعالى: {أَمْ مَنْ هَذا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ} [الملك: 67/20] والتقدير: بل، من هذا الذي هو جند لكم ؟ وضعّف حملها على ((بل)) وحدها في غير ذلك.

وذهب عدد منهم إلى تقدير ((أم)) هذه بـ ((بل والهمزة)) في كل مواقعها، وجعل الزجاج من ذلك قوله تعالى: {وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ؟} [البقرة: 2/107-108]. قال: ((أم ها هنا وفي كل مكان لا تقع فيه عطفاً على ألف الاستفهام، إلا أنها لا تكون مبتدأة أنها تؤول بمعنى بل ومعنى ألف الاستفهام. والمعنى: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم؟

واعتمد الزمخشري والرازي والقرطبي هذا المبدأ فيما وقفوا عليه منها، ونسب الثاني ذلك إلى سيبويه، وأوضح الطبرسي أن ((أم)) في هذا المعنى لا تكون إلا بعد كـلام تـام، كقـول العرب: إنها لإبل أم شاء. أي: بل أهي شاء؟ وذهب إلى ذلك أبو حيان في غير الموضع الذي ذكرناه قبل.

وقد أكدوا فيما وقفوا عليه منها أنها مثل ((بل)) تفيد الإضراب والانتقال سواء أكانت مقدرة بـ ((بل)) أم بـ ((بل والهمزة))، وأوضح أبو حيان أنها في التقدير الثاني تفيد الإضراب الإبطالي أيضاً، كقوله تعالى: {فَإِذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً ، أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ} [النساء: 4/53-54]. قال: ((بل)) للانتقال من كلام إلى كلام، والهمزة للاستفهام)). وتفيد الإضراب غير الإبطالي، كقوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها} [الأعراف: 7/195]. ((وهو إضراب على معنى الانتقال لا على معنى الإبطال، وإنما هو تقدير على نفي كل واحدة من هذه الجمل)).

وأجاز المفسرون حمل ((أو)) أيضاً علىمعنى ((بل)) وإفادة معنى الإضراب. فقد ذكر الفراء أن العرب تجعل ((أو)) بمعنى الرجوع في الكلام الذي لا يراد به التفريق، كقولهم: اذهب إلى فلان أو دع ذلك فلا تبرح اليوم. وجعل من ذلك قوله تعالى: {وَأَرْسَلْناهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 37/147]، وقول ذي الرمة:

بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى

وَصُورَتِها، أَوْ أَنْتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ

أي: بل يزيدون، وبل أنت في العين أملح.

واستحسن ذلك الأخفش، وأجازه الطبري ونسب القول به في الآية السابقة إلى ابن عباس. ولكنه فضّل حمل ((أو)) على معناها الذي وضعت له. ونقل الطبرسي عن الفارسي أن ((أو)) في هذا المعنى لا يقع بعدها إلا جملة، تقول: أنا أخرج، ثم تقول: أو أقيم. أضربت عن الخروج وأثبت الإقامة، فكأنك قلت: لا، بل أقيم. ونسب أبو حيان هذا الوجه في ((أو)) إلى الكسائي مرة، وإلى الكوفيين أخرى، وضعّفه وجعله من المعاني التي زادها هؤلاء في هذه الأداة.

إن ((لَكِنْ)) و ((لَكِنَّ)) تفيدان الاستدراك وتقتضيان مخالفة ما بين الكلامين، وتفيد التوكيد لدى بعضهم. وتنوب ((بل)) عنهما لدى أحدهم. و ((بل)) تفيد الإضراب الإبطالي والإضراب الانتقالي، والأخير هو الأكثر في القرآن الكريم. وتنوب عنها في تحقيق ذلك الأداتان ((أم)) على اتفاق بينهم و ((أو)) على خلاف يسير.

* * *

الأدوات النحوية في مبانيها ومعانيها علم يتوقف عليه فهم كثير من النصوص بدءاً من القرآن الكريم، وبينما كان هذا العلم أسير كتابي (سيبويه وابن هشام) جاءت هذه الدراسة لتعيده إلى منبعه الأصيل الذي ترعرع فيه حيث توجهت إلى كتب المفسرين الذين راحوا يتتبعون المعاني المختلفة لهذه الأدوات ودلالاتها اللغوية، وعملت على تأصيل علم مستقل في مجال الأدوات النحوية مستمد من جهود المفسرين.

وقد عرضت الدراسة لعلاقة التفسير بعلوم العربية والأدوات، ثم انتقلت إلى مباني الأدوات ثم أحكامها النحوية، ثم معانيها ودلالاتها اللغوية ثم تقويم ونقد جهود المفسرين من حيث المناهج والمصطلحات. فجاءت دراسة شاملة وضعت حجر الأساس لنهضة منتظرة بهذا العلم المهم.

أثبتت الحاجة العلمية الماسة، أن الطلاب في شتى مراحلهم -الثانوية والجامعية- يحتاجون إلى مثل هذه الكتب التحويلية المبسطة التي تنير ما قد سها المعلم عن إعطائه، وسعى المؤلف في هذا الكتاب إلى أن تكون مشروحة أكثر، وشاملة عدداً أكبر من الأدوات والألفاظ، وفصَّل إعراب المفردات والجمل، وبسط وحذف وعدل مستغنياً عن الشواذ مهتماً بذكر الشائع العام.