تخطي إلى المحتوى

عمران الفيحاء

50% خصم 50% خصم
السعر الأصلي $7.00
السعر الأصلي $7.00 - السعر الأصلي $7.00
السعر الأصلي $7.00
السعر الحالي $3.50
$3.50 - $3.50
السعر الحالي $3.50

دراسة موسعة وموثقة لتكون وتطور مدينة دمشق، التي تعتبر أقدم مدينة ما زالت قائمة حتى اليوم، تبحث في واقع المدينة ومستقبلها ، مع بعض الصور التوضيحية.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
320 الصفحات
24×17 القياس
2002 سنة الطبع
1-59239-013-7 ISBN
0.85 kg الوزن

مقدمة في تكون المدينة العربية

إن مدينة مثل دمشق أو حلب وهما مدينتان عريقتان ابتدأ وجودهما منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام، يمكن أن تعتبرا نموذجاً للمدينة التاريخية، خاصة أنه لم يمض على وجود أية مدينة في الغرب وحتى أثينا وروما ما يزيد عن نصف هذا الزمن.. بينما ظهرت أكثر المدن الكبرى في نهاية القرون الوسطى أو في بداية عصر النهضة.

ومع هذا فإن المدن العربية الأخرى كبغداد والقاهرة ليستا من المدن الحديثة، ولو أن الأولى أنشئت في عهد المنصور العباسي عام (762م) والثانية في عهد المعز الفاطمي عام (969م). واحتفظت المدينتان بطابع الإنسان العربي وحملتا تقاليد الحضارة العربية، وانسجمتا انسجاماً كاملاً مع طبيعة المناخ في هذه المنطقة الدافئة المتصلة بالبوادي والصحارى.

لابد أن نؤكد قبل الحديث عن خصائص العمران العربي والعمارة العربية، أن المقياس الذي قامت عليه المدينة العربية هو الإنسان، ومع أن العمارة الكلاسية قامت أيضاً على مقياس عضوي وهو المسمى (بالمودول Module) الذي يعتمد على مقاييس الإنسان ونسبه الجمالية من خلال إبعاد بعض أجزائه، كالرأس والإصبع، إلا أن هذه النسب كانت موضوعة، بل خاضعة للحساب الذي أصبح مجرداً بعد أن ابتدأ مستمداً من الإنسان. وهكذا انفصلت العمارة والعمران الإغريقية عن الطبيعية لتخضع إلى العقل، وانفصل الفن عن الواقع لكي يرتبط بالمثال.

أما الإنسان من حيث هو روح وتاريخ. ومن حيث هو كائن اجتماعي مرتبط بتقاليد، فلقد كان دائماً مقياس المدينة العربية منذ نشوئها قبل التاريخ بأربعة آلاف عام وحتى اليوم، ولعله كان كذلك عند تشكل المدينة الغوطية وتوسع المدينة بعد عصر النهضة في الغرب.

ولقد فطن مخططو المدن الحديثون إلى أهمية الإنسان في محاولاتهم العمرانية الجديدة ونادوا بما يسمى بالمنظور الإنساني أي إعطاء المدينة المظهر الذي ينم عن ماضي وأصالة الإنسان، وهي خصائص ثابتة لا يملك المرء القدرة على الاستغناء عنها ببساطة، ذلك أن الإنسان مهما اختلفت طبائعه يبقى بحاجة إلى التعاطف مع محيطه الذي يرتبط روحياً بنموذج معين، وهذه الحاجة عميقة وجوهرية تمتد جذورها في الماضي على نحو يجعل لتلك الشخصية العمرانية أهميتها من الناحية العملية والوجدانية على السواء.

وأما الإنسان العربي فإن تراث أمته الضخم والعريق جداً يقوي تعاطفه مع الماضي ومع ميراثه الحضاري إلى درجة عالية.

لقد خضعت المدينة العربية في تشكلها إلى مجموعة من الثوابت والمتحولات وأول هذه الثوابت هو المناخ، ونحن نعلم أن أكثر المدن العربية تقع قريبة من سواحل البحر الأبيض المتوسط، ولهذا فإن مناخها متوسطي مرتبط بإقليم المنطقة المعتدلة الشمالية، أي إن فصول السنة متميزة وإن الشتاء فيه لطيف ذو أمطار غزيرة، وإن الصيف حار وجاف وإن المدى الحراري فيه، أي الفرق اليومي بين الحرارة والبرودة ضعيف.

وتعتبر الناحية الروحية والعاطفية من الثوابت السيكولوجية للإنسان الشرقي وخاصة العربي. وليس من السهل على العربي أن يقتلع جذوره النفسية حتى ولو عاش زمناً طويلاً في مدينة غريبة. فهو مؤمن يتطلع إلى الله والسماء، وخيالي تثيره الذكريات والأماني، وهو قبلي يحب أسرته وقومه، ثم هو داخلي يبحث عن السر والاستقلال. ولقد خضعت المدينة العربية لهذا المقياس الثابت.

ومن الثوابت الأساسية، الأرض بتضاريسها وتربتها وهي التي تحدد شكل المدينة ومادة بنائها واختلاف الكثافة السكانية فيها.

لقد قامت المدينة العربية التقليدية على ترتيب عضوي في تنظيم شوارعها وأزقتها، وفي رفع واجهات المساكن المطلة على هذه الممرات التي لم تكن مخصصة إلا للمشاة وبعض الدواب والعربات الصغيرة. وكان هذا الترتيب منسجماً مع الحاجات اليومية ومع الدوافع الاجتماعية التي تجعل كل حارة في كل حي أشبه بمجموعة سكانية متآلفة منسجمة.

ولم تكن هذه الحارات أو النهج (بالتعبير المغربي) بعيدة عن الذوق، بل كانت ساحرة أخاذة بتعرجاتها التي تفاجئ المار بمظاهر إنشائية جديدة وبيوت مختلفة الأشكال تبرز منها بعض الشبابيك والمشبكات والكتبيات البارزة والقوادم التي تظلل هذه الطرقات في الصيف، فتجعل السير فيها منعشاً رطباً، وتدفئها في الشتاء فتحمي الناس حماية كاملة من المطر والعواصف والتراب الذي اشتهرت المدن الداخلية بوفرته. ولقد أعاب (لوكوربوزيه) هذا النوع من الطرقات المتعرجة الذي اعتبره مضيعة للوقت. بينما رأى فيه (رايت) عنصراً جمالياً منسجماً مع راحة الإنسان الذي يعتبر نفسه أشبه بنزهة وهو يمشي المسافات التي لاتكشف عن طول مداها الطويل لتعرجها، فلا يمل ولا يشعر بمشقة السير، كما يحدث لمن يسير في طريق مستقيم يعد الخطوات خطوة خطوة لكي يصل إلى نهاية الطريق الذي يراه ماثلاً أمامه، ويشغله الوصول إليه أكثر مما تشغله المتعة في السير بالطريق الطويل.

ولقد عبر (رايت) عن رأيه بمثال جرى معه نفسه عندما كان طفلاً، فلقد أراد أن يصعد مع عمه قمة وكانا في ضاحية يقضيان عطلة الأسبوع، فصعد العم متحدياً الطفل بخط مستقيم فوصل القمة قبل ابن أخيه الصغير الذي يسير مع شعاب الطريق الصاعد مستريحاً يجمع بعض الزهور والنباتات العطرة، وعندما وصل متأخراً عن عمه، قال عمه اذكر دائماً أن الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين، فقال الطفل لقد سبقتني ولكن يا عمي ينقصك ما جمعته أنا من الأزهار.

لقد كان رايت يريد أن يقول ولا شك، إن الطريق المستقيم صحيح في الهندسة ولكنه قد يكون خطأ في الحياة. إن السير المنحني يريح الإنسان ويخفف من تعبه أو من شعوره بالمشقة، ثم هو يساعده على شيء من الإيقاع الذي يجعل الطريق مستساغاً كما يفعل البدو الرحل عندما ينشدون.

والواقع أن المدن الأموية الأولى مثل القيروان وواسط أو المدن العباسية مثل سامراء (سر من رأى) كانت تنشأ وفق ترتيب هندسي مسبق يتضمن شوارع مستقيمة عريضة وقد كان يبلغ عرضها أحياناً (50) متراً. ولكن الأمر لم يستمر هكذا نظراً لأن ضرورات الحياة الاجتماعية والمناخ كانت تفرض على الإنسان العربي أن يلجأ إلى نمط المدينة المتكاثفة التي انتشرت تماماً في العصر الوسيط. وكانت المدينة العربية بشكلها المغلق المكثف سبباً في دعم انتشار الدين الإسلامي وتقاليده وأخلاقه في الأقاليم المفتوحة، وكانت المدينة الإسلامية بهذا المعنى تحمل عوامل بقائها ونموها وارتباطها العضوي بالإنسان العربي. كما كانت منطلقاً قومياً للدفاع عن الحرية والاستقلال.

وفي المدينة تمتد الأزقة والشوارع مع امتداد الحاجة إلى المواصلات السهلة والممتعة. لتوصل الناس من بيوتهم المغلقة إلى مراكز تجمعهم في المساجد والأسواق.

أما تقسيم المدينة فلقد ابتدأ منذ صدر الإسلام يعتمد على مجموعة من الأحياء المستقلة التي تنتسب إلى زعيم قبلي أو زعيم ديني، وتلتف هذه الأحياء حول مركز المدينة وهو المسجد أو الضريح. ويحيط بهذه المدينة والأحياء سور محصن له أبواب متعددة. ثم تغيير أساس تقسيم المدينة العربية بحسب النشاطات، كالنشاط العلمي، والنشاط الحرفي، والنشاط التجاري.

لقد كان لهذه الثوابت انعكاسات واضحة تجلت في شكل الطراز العربي الذي اعتمد على القبة التي ترمز إلى السماء وقوتها الحافظة الحانية والقبوة التي تجعل السقف جزءاً من الجدران، فيشعر الإنسان أنه يعيش داخل ذاته بينما السقف المضلع يضع الحدود أمام الشعور بالاستقلال والطمأنينة.

كذلك اعتمد الطراز العربي على الصحن الداخلي المفتوح نحو السماء التي تهب الطقس الملطف الرحيم والشعور بالتعالي والاندماج بالكليات.

إن مدينة دمشق التي أضحت مملكة بارزة قوية أيام الآراميين تصارع الآشوريين والفرس، كانت تحمل منذ البداية خصائص العمران العربي الأصيل الذي يتفق مع الظروف الاجتماعية والمناخية. ولقد بدا الفرق واضحاً عندما سيطر الإغريق على المدينة وعلى جميع المدن السورية بعد عام (333 ق. م)، فأقيمت مدينة حديثة على النمط الشطرنجي المألوف في العمران الإغريقي، إلى جانب النمط الآرامي الذي يقوم على مجاميع من الأحياء المتداخلة التي تحيط بمعبد حدد إله العاصفة والرعد والمطر. مدينتان متلاصقتان، الأولى تقع إلى الشرق وكانت مقراً للسلطة ومركزاً للسوق الرسمية (الآغورا) والمسرح والمعبد، والمدينة التقليدية التي انكفأ المواطنون الأصليون فيها على أنفسهم يعيشون حياتهم وتقاليدهم.

ومما لاشك فيه أن هذه المدينة القديمة لم تستطع مقاومة المدينة الرومانية التي ترسخت بعد عام (64 ق. م). على النمط الإغريقي نفسه متفرعة عن الشارعين الرئيسيين وخاصة الشارع المستقيم الذي ما زال قائماً حتى يومنا هذا. وهكذا ضؤلت أهمية المدينة التقليدية عندما نزح السكان إلى القرى المجاورة، إلى كفر بطنا ودوما وحرستا وداريا، وهي آرامية كما يبدو من اسمها. إلى أن تعود إلى الظهور عند عودة السكان الأصليين إليها. وتجلى ذلك منذ ظهور المسيحية التي أصبحت دين المواطنين الآراميين القابعين في الجبال أو المنتشرين في القرى. دين شرقي عربي استطاع الآراميون من خلاله تكوين عصبية عقائدية، تناهض الوثنية والاحتلال الروماني. وكانت المدينة التقليدية بتكوينها المتداخل، معقل المواطنين للدفاع عن قضاياهم وحريتهم وللانفصال عن المحتل كما هو الأمر اليوم في أحياء (القصبة) في المغرب وما شابهها في المشرق.

ومع ذلك لقد كانت مدينة دمشق مقسومة إلى قسمين:

القسم الرسمي الذي يحمل طابعاً مستحدثاً غربياً يقوم على الشوارع المتعارضة والأحياء المستطيلة (100م x 45م) ومنها صفان متوازيان من البيوت المستطيلة المساحة أيضاً والمتساوية في أكثر الأحيان.

ومن قسم شعبي مؤلف من حارات وأزقة ملتوية ذات أبواب خاصة وفيها بيوت متلاحمة ذات فراغات داخلية. هكذا كان حال دمشق منذ ألفي عام. وما أشبه الأمس البعيد باليوم حيث أصبحت المدينة على شكلين، شكلها التقليدي العريق، وشكل جديد مستورد يقوم على مبادئ النظام الكلاسيكي نفسها. ولكن ظروف المدينة القديمة التي استمرت قائمة حتى بداية هذا القرن والتي سوغت دائماً استمرار هذا النمط المتضامن، لم تعد ذاتها تماماً في القرن العشرين، حيث ظهرت مواد إنشائية جديدة رخيصة التكاليف سهلة التنفيذ كالإسمنت أو المعدن، وحيث ابتكرت وسائل حديثة لراحة الإنسان في بيته كالكهرباء وأدواته، وراحته خارج بيته كوسائل النقل الحديثة، وتكاثر الناس في المدينة العربية خلال هذا القرن تزايداً هندسياً، وكان لابد من تطوير المدينة التقليدية مع حاجات وشروط العصر الحديث.

و الواقع أن دمشق كما عرفناها، مدينة صغيرة محدودة بسورها القديم، تتخللها أزقة ضيقة ملتوية لاتسمح أبداً بمرور السيارات، وليس فيها ساحات عامة تسمح بتحقيق فراغ صحي وجمالي أو تسمح بوقوف السيارات المتزايدة. وأن البيت المبني بمواد سريعة الالتهاب كان معرضاً للحرائق دائماً دون أن يكون يمقدور حافلات الإطفاء إنقاذه.

و لم تستطع مدينة دمشق التقليدية استيعاب الأعداد المتزايدة من السكان. إذ إنها قاصرة عن التوسع الأفقي والعمودي، فهي محصورة بسورها أو بحزامها الأخضر، ثم هي محصورة بارتفاعها المحدود بطابقين لاأكثر يهيمن عليها المسجد الجامع وحده ومآذن المساجد الأخرى وقبابها.

إن طابع المدينة القديمة المتداخل المتضامن كان انعكاساً لروح العشيرة التي تضخمت في نطاق الشعور القومي. ولقد أعطى المثال على نوع من الحياة المشتركة الأليفة، فالناس يتسابقون لإقامة السبل لسقاية المارين والمحتاجين. ثم تساهم السلطة إلى جانب السكان بإنشاء الحمامات الرائعة بأقسامها الثلاثة وبمياهها الحارة وزخرفاتها البديعة، وفي هذه الحمامات كان سكان الحي الواحد يجتمعون، الرجال في الليل والنساء في النهار (وقد يكون لكل جنس حمامّه المستقل) وهناك يتبادلون طعامهم وحكاياتهم وخدماتهم فتزداد الألفة والأخوة بينهم، ويكون الحمام فرصة للترويح عن النفس والسعادة. وتقدم الخدمات التموينية مباشرة إلى المساكن إذ يتجول البائع محملاً على دابته أنواع الخضار والفواكه أو المعجنات، داعياً إلى بضاعته بعبارات سجعية موسيقية، ويتبادل الناس الأحاديث مع أصحاب الدكاكين ويجلسون أمام محالهم جماعات كما يجلسون في المقاهي. ويجتمعون في الأعياد والمناسبات كما لو كانوا أسرة واحدة.

أما البيت التقليدي فهو متشابه في شرق البلاد العربية ومغربها، فهو ذو واجهات صماء خالية من النوافذ، ولايكاد يستبين المرء روعة العمارة والزخرفة إلا بعد أن يزور البيت ويدخل إلى صحنه ليرى نفسه في فسحة سماوية واسعة تتوسطها بحرة كبيرة يتدفق الماء إليها من ينابيع برونزية بأشكال حيوانية، وتزين هذه الفسحة أشجار الليمون والنارنج، ويفوح منها عبير الفل والياسمين. وتحيط هذه الفسحة السماوية غرف عديدة قد يصل عددها إلى الثلاثين غرفة، وترتفع جدران الغرفة إلى أكثر من خمسة أمتار يغطيها سقف من الأعمدة الكبيرة التي تحمل ألواحاً خشبية ملونة، وتكتسي الجدران أحياناً بزخرفات خشبية رائعة تندمج فيها أبواب الخزائن التي تحفظ فيها أشياء كثيرة من الفرش والمونة والملابس. وتنفتح نوافذ هذه الغرف العديدة على الصحن لتمتع الناظر بمشهد الصحن من جهة وبدفء الشمس من جهة أخرى.

وأبرز هذه الغرف هو الإيوان، أي الغرفة العالية السقف يبلغ ارتفاعه ضعفي ارتفاع سقف الغرف، وينفتح هذا الإيوان كلياً على الصحن يزينه من الأعلى قوس كبير مزخرف بطريقة (الأبلق)، وهو حشوات من ملاط معين على حجر أو جص محفور.

أما القاعة، فهي صالة الاستقبال الكبيرة وتمتاز بسقفها العالي وبأرضها المختلفة الارتفاع، إذ إن مكان الجلوس يرتفع عن مكان الاستقبال بما يزيد عن نصف متر، وقد تكون القاعة مؤلفة من جناح واحد أو جناحين أو ثلاثة أجنحة ويطلق على الجناح كله (طزر) وهي تركية الأصل. وتغطي جدران القاعة زخرفات خشبية ملونة ونافرة فيها صور نباتية وزهور وفيها لوحات لمشاهد مدن وبساتين، ثم يعلوها إفريز محلى بشريط كتابي يتضمن شعراً رقيقاً يمجد صاحب البيت ويباركه ويثني على بانيه وصانع الفن فيه.

وفي القسم المنخفض من القاعة بحرة صغيرة يتدفق الماء فيها باستمرار، يأتيها من عل بعد أن يسقط على سلسبيل يزين أحد الجدران. أما نوافذ القاعة العليا فهي ذات زجاج ملون أو معشق يعكس ألوانه الزاهية على جدران القاعة فيزيدها بهاء ورونقاً.

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت دمشق محافظة على أصالتها، على الرغم من ظهور أرباض جديدة خارج السور. ولكن التأثيرات الغربية التي بدت في طراز الباروك والأسلوب الجديد أحدثت تغييراً أولياً في شكل الزخارف، وليس في عمران المدينة وعمارتها، إلى أن ظهرت عمارات كلاسية محدثة في الأبنية العامة في بداية هذا القرن العشرين، أثرت في شكل العمارة الخاصة التي استعارت من عناصر العمارة الكلاسية، وتبعها تأثير فرنسي أيام الانتداب، فظهرت في دمشق مساكن تحمل الطابع الكولينيالي. ولكن مصلحة الكاداسترو قامت لأول مرة في عام (1920م) برفع النسيج العمراني لدمشق القديمة بدقة بالغة، وعلى هذا المخطط أقام دانجيه وإيكوشار المخطط التنظيمي الأول سنة (1936م) الذي لم يستقر طويلاً، فلقد صدر في عام (1967م) المخطط التنظيمي الواسع الذي أفسح في المجال لتوسيع المدينة حسب مقتضيات التطور السكاني والاجتماعي. وعلى أساسه تعاقبت الجهود العمرانية لتحقيق مشاريع قادرة على استيعاب تطور المدينة مستقبلياً.

وفي هذا الكتاب عرض لمراحل تكوّن مدينة دمشق التي تجمع آثار قِدَمِها ومعالم حداثتها جنباً إلى جنب.

هذا الكتاب

هو دراسة موسّعة وموثقة لتكوّن وتطور مدينة دمشق، التي تعتبر أقدم مدينة مازالت قائمة حتى اليوم.

والدراسة تحليلية نقدية وتشمل واقع المدينة ومستقبلها.

ولقد زوّدت بعدد من المخططات والصور لإيضاح المضمون.

ويعتمد المؤلف فيها على مرجعيات وأبحاث واسعة، قام ببعضها شخصياً أو أشرف عليها، وكان الغرض سد النقص في توضيح تطور عمرانها، وتصحيح الأخطاء في تأويل هويتها.

والكتاب يسد نقصاً في مرجعيات تاريخ دمشق ويجيب على كثير من المسائل التي كانت معلّقة، ويساعد الباحث والمثقف على توضيح معرفته بهذه المدينة.

ويسعد دار الفكر في دمشق وفي بيروت أن تنشر للدكتور عفيف البهنسي هذا المؤلف، إضافة لمؤلفات سابقة، مثل الفن العربي الإسلامي وفن الخط العربي، وفلسفة الفن عند التوحيدي.

عمران الفيحاء دراسة في تكون مدينة دمشق

تأليف: د. عفيف البهنسي

يتناول هذا الكتاب دراسة موسعة وموثقة لتكوّن وتطور مدينة دمشق، التي تعتبر أقدم مدينة لاتزال قائمة حتى اليوم.
ويشتمل على دراسة تحليلية نقدية لواقع المدينة ومستقبلها. ويحتوي على عدد من المخططات والصور لإيضاح المضمون.
ويسد الكتاب نقصاً في مرجعيات تاريخ دمشق بأبحاث واسعة، توضح تطور عمران المدينة، ويصحح الأخطاء في تأويل هويتها، ويجيب عن كثير من المسائل المعلَّقة، ويساعد الباحث والمثقف على توضيح معرفته بهذه المدينة.
ويبين حدود دمشق القديمة وتطورها التاريخي، منذ دمشق الآرامية إلى دمشق في العصور الكلاسيكية، وفي عهد الدولة الأموية وبعده، وفي العصرين المملوكي والعثماني.
ويبحث في العوامل الأساسية المكونة لمدينة دمشق، من العامل الجغرافي، المناخ والمسكن والمياه والجغرافية وشروط المدينة، إلى العامل التاريخي والروحي والحضري والاقتصادي الدولي والتجاري، والثقافي والسياسي.
ويصف دمشق القديمة من خلال مشاهدات الرحالة الجغرافيين، ويدرس تكوّن المناطق والأحياء، وتكوّن مركز مدينة دمشق، وجامعها الأموي الكبير، ومعالمها بعد الأمويين.
ويدرس إشكالية التكون الأصيل، وتكون المدينة المعاصرة، وتحديات العصر الحديث، ومجابهة دمشق لها، ومخطط دمشق وانتظام الإداري فيها، مع اقتراحات لوضع أسس مخطط تنظيمي جديد. ومع ملاحق هامة مفيدة.