تخطي إلى المحتوى

مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي

مباع
السعر الأصلي $4.50
السعر الأصلي $4.50 - السعر الأصلي $4.50
السعر الأصلي $4.50
السعر الحالي $3.60
$3.60 - $3.60
السعر الحالي $3.60

يقدم رؤية شاملة لجذور الصراع العربي الإسرائيلي، ومساره، ومستقبله.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
192 الصفحات
24×17 القياس
2002\الثانية سنة ورقم الطبعة
1-59239-086-2 ISBN
0.3 kg الوزن

مقدمة

يضم هذا الكتاب ستة فصول تحاول تقديم رؤية شاملة لجذور الصراع العربي الإسرائيلي ومساره ومستقبله.

فيقدم الفصل الأول (يهود أم جماعات يهودية؟) رؤية بانورامية للجماعات اليهودية في العالم: أعدادهم وهجراتهم وتنوعهم وعدم تجانسهم.

ويتناول الفصل الثاني (يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟) مفهوم الجماعة الوظيفية ويحاول تطبيقه على الجماعات اليهودية.

أما الفصل الثالث (الصهيونية والمسألة اليهودية) فيبيِّن كيف تبلور الفكر الصهيوني داخل التشكيل الحضاري الغربي والإمبريالي.

أما الفصل الرابع (موجز تاريخ الصهيونية) فيحاول أن يقدم خريطة متكاملة لتطور الفكر الصهيوني.

ويتناول الفصل الخامس (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني) الظاهرة الصهيونية، ويحاول أن يحدد سماتها العامة والخاصة، ويطرح تعريفاً لها، بدلاً من التعريفات الغربية المتحيزة ذات المقدرة التفسيرية الضعيفة.

ويتناول الفصل السادس والأخير (أزمة الصهيونية) مصادر أزمة الأيديولوجية والتجمع الصهيوني ومدى تأثيرها في مستقبل إسرائيل.

وقد نُشرت هذه الدراسات ما بين عامي 1996 و 2000م في أماكن متفرقة:

1-دليل إسرائيل العام، تحرير صبري جريس وأحمد خليفة (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1996م).

2 - مجلة البحوث والدراسات العربية في كانون الأول (ديسمبر) 1997م.

3 - مجلة شؤون عربية، حزيران (يونيه) 2000م، وكانون الأول (ديسمبر) 2000 على التوالي.

وقد قمنا بتحديث ما يتطلب منها التحديث، وعدلنا البعض الباقي وأضفنا له ليكون متسقاً مع تطور رؤيتنا للموضوع ومع تطور الأحداث.

والله من وراء القصد.

عبد الوهاب المسيري

دمنهور - القاهرة

أيلول (سبتمبر) 2002م

الفصل الأول

يهود أم جماعات يهودية؟

كي يتيسَّر لنا فهم موضوع الجماعات اليهودية والصهيونية، لا بد أن نبتعد عن التعميمات والقوالب اللفظية الجاهزة، ومن أكثر هذه القوالب شيوعاً كلمة (اليهود)، والتي تشير إلى اليهود بشكلٍ عام مطلق.

وَهْم التاريخ اليهودي

يتحدث كثير من الدارسين عن اليهود وكأنهم كتلة واحدة متماسكة ومتجانسة فعلاً؛ ويتم التعبير عن هذا بكلمات، مثل كلمة (جوري Jewry ) الإنجليزية التي تعني: ((اليهود باعتبارهم كلاًّ متماسكاً))، ويصبح افتراض الوحدة والتماسك والتجانس أقل كموناً وأكثر وضوحاً حينما يتحدث الباحث عن اليهود باعتبارهم (الشعب اليهودي) و (الأمة اليهودية)، وهو ما يعني أن اليهود ينتمون إلى تشكيل حضاري واحد، وأن لهم تاريخاً واحداً، وأن مصالحهم واحدة وتطلعاتهم واحدة، وأن العناصر المشتركة بين يهود العالم أكثر أهمية من العناصر غير المشتركة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان ثمة عناصر مشتركة بين يهود العالم، فما هي؟ وهل هذه العناصر المشتركة أكثر تفسيرية وأهمية من العناصر غير المشتركة؟

لنأخذ، على سبيل المثال، فكرة (التاريخ اليهودي) الذي هو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تاريخ جميع الشعوب والأمم، وهو مفهوم تتفرع عنه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى. مفهوم التاريخ اليهودي يفترض أن لهذا التاريخ مراحله التاريخية وفتراته المستقلة ومعدل تطوره الخاص، بل أيضاً قوانينه الخاصة. وهو تاريخ يضم اليهود أساساً، يتفاعلون داخله مع عناصر مقصورة عليهم من أهمها دينهم وبعض الأشكال الاجتماعية الفريدة، واستقلالية أي بناء تاريخي تعني استقلالية بُناه الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية البُنى الحضارية والرمزية المرتبطة به، وتجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله. كما أن هذا البناء التاريخي يضم جماعة من الناس لا وجود لها خارجه، ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه. لكن من الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم كانت توجد في مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وبُنى حضارية اختلفت باختلاف الزمان والمكان، فيهود اليمن في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قبلي عربي، أما يهود هولندا فكانوا في الفترة ذاتها يعيشون في مجتمع حضري رأسمالي غربي، ولكل هذا نجد أن سلوك اليهودي اليمني ورؤيته للكون تحكمهما إلى حدٍّ كبيرٍ عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود هولندا ورؤيتهم مكونات البناء التاريخي الغربي الهولندي.

والآن، إذا افترضنا وجود تاريخ يهودي فعلاً، فما هي أحداث هذا التاريخ؟ هل الثورة الصناعية، على سبيل المثال، من ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟ في الواقع سنكتشف أن الثورة الصناعية حدث ضخم في التاريخ الغربي، ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي، وأحدث انقلاباً في طريق حياتهم ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر، أي بعد حدوث الانقلاب بفترة وجيزة. لكن هذا الانقلاب لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أقلية توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي؛ إذ إننا سنجد أن هذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الأقليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية. وفي الوقت ذاته، لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه لأن التشكيل الحضاري العربي كان بمنأًى عنها في بداية الأمر. لكن بعد نحو قرن من الزمان، بدأ هذا التشكيل يتأثر هو الآخر بالثورة الصناعية، وبالتالي بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية بأغلبياتها وأقلياتها، أما يهود إثيوبيا، فلم يتأثروا إلا على نحو سطحي، لأن المناطق التي كانوا يعيشون فيها ظلت بمنأًى عن هذه التحولات الكبرى، وبقيت ذات طابع قبلي حتى الوقت الحاضر. لذا، يمكن القول: إن معدل تأثر اليهود بالثورة الصناعية مسألة مرتبطة بكونهم يتأثرون بها بالمقدار ذاته. ولذا، فالإطار المرجعي للدراسة لا يمكن أن يكون التاريخ اليهودي. ولو جعل الباحث هذا التاريخ مرجعيته لعجز عن تفسير كثير من عناصر عدم التجانس والتفاوت في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليِّ عنق الحقائق ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها، وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن،

إذا كان من الصعب قبول مقولة: ((التاريخ اليهودي)) فإنه يصبح من الصعب بالتالي الحديث عن (الهوية اليهودية) أو عن (الشخصية اليهودية)؛ إذ إن من الواضح أن أعضاء الجماعات اليهودية هم جزء لا يتجزأ من التشكيلات الحضارية التي يعيشون في كنفها؛ يتفاعلون معها تأثيراً وتأثراً، شأنهم في هذا شأن أعضاء الأغلبيات والأقليات.

ولنأخذ على سبيل المثال الموروث الثقافي لأعضاء الجماعات اليهودية، إننا سنلاحظ مثلاً أن اللغات التي يتحدثون بها تختلف باختلاف المجتمع الذي ينتمون إليه؛ فهم يتحدثون الإنجليزية في البلاد التي تتحدث بها، والفرنسية في فرنسا، والجورجية في جورجيا.

وتشير المراجع الصهيونية إلى اللادينو (اللهجة التي كان السفارديم يتحدثون بها) واليديشية (اللهجة التي كان إشكناز شرق أوربة يتحدثون بها) باعتبارهما تعبيراً عن الاستقلالية اليهودية. لكن من المعروف أن ظاهرة اللهجة المستقلة ليست مقصورة على اليهود، فكثير من أعضاء الأقليات ممن يضطلعون بوظيفة معينة (كالتجارة والربا) يبقون على لغتهم وسيلة للحديث. ولعل من أصدق الأمثلة لذلك الأرمن في الدولة العثمانية والصينيون في جنوب شرق آسيا، الذين يضطلعون بوظائف مالية محددة، فهؤلاء يتحدثون لغتهم الأصلية ويحتفظون بتماسكهم، لكن بزوال وظيفتهم يرحلون عن الوطن أو يندمجون فيه. وهذا ما حدث للادينو واليديشية؛ فالأولى انقرضت تماماً، أما الثانية فقد أصبحت لغة المسنين في بعض بقايا الجيوب اليهودية في شرق أوربة، وهي في طريقها إلى الاختفاء.

ويقوم المؤلفون اليهود بوضع مؤلفاتهم بلغة أوطانهم، وحتى المؤلفات الدينية التي كانت تكتب بالآرامية أو العبرية، فإنها تكتب الآن بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، أو بأية لغة يجيدها المؤلف من أعضاء الجماعات اليهودية، ولم يعد يكتب بالعبرية سوى المؤلفين الإسرائيليين.

وإذا تركنا اللغة (هذا الوعاء البالغ الأهمية) ونظرنا إلى الأدب والفنون التشكيلية، فسنجد أن التقاليد الأدبية والفنية التي يبدع المؤلفون والفنانون اليهود من خلالها هي تقاليد بلادهم. ولا يمكن فهم إبداعات هؤلاء الحضارية إلا بالرجوع إلى موروثات بلادهم الحضارية. ولو عاد الباحث إلى مفهوم الهوية اليهودية العامة والعالمية لضل سواء السبيل تماماً، وقل الشيء نفسه عن الأزياء والأطعمة والطرز المعمارية.

وحتى لو كان ثمة خاصية ما تفصل اليهود عن محيطهم الحضاري، فإن هذه الخاصية (مثل تكلُّم يهود شرق أوربة باليديشية بعض الوقت) تظل مقصورة على أقلية يهودية بعينها، ومرتبطة بملابسات تاريخية وأوضاع اجتماعية وفترة زمنية محددة. وبالتالي، فهي ليست خاصية يهودية عامة أو عالمية، وإنما هي خاصية تتسم جماعة يهودية ما بها، توجد داخل زمان ومكان محددين، وهي في هذه الحالة الجماعة اليهودية في شرق أوربة من القرن السادس عشر حتى منتصف القرن العشرين. وهي أيضاً خاصية لا تربط بين هذه الجماعة اليهودية وغيرها من الجماعات، بل بالعكس، إنها تزيدها فرقةً وتنوعاً. فاليهود خارج هذا الزمان وهذا المكان لا يتحدثون اليديشية، وبعضهم يرفضها. وقد نشب صراع بين دعاة اليديشية من أنصار قومية الدياسبورا ودعاة العبرية من الصهاينة، كما هاجم مثقفو حركة الاستنارة في ألمانيا اليديشية باعتبارها ألمانية مشوهة ولغة الغش التجاري والتخلف الحضاري، وقد اختفت اليديشية، بينما استمر يهود شرق أوربة في الوجود، يتحدثون لغات أوطانهم: الروسية، البولندية، الأوكرانية، الألمانية.

اليهود من الناحية الإثنية والدينية

يمكن تصنيف الجماعات اليهودية المتنوعة على عدة أسس، كلها ذات مقدرة تفسيرية وتصنيفية جزئية. وهذا يعود إلى إشكالين أساسيين كامنين في الشرع والموروث الديني اليهوديين؛ فاليهودي يُعرَّف بأنه من وُلِد لأُم يهودية أو تهوَّد بحسب الشريعة. وهو ما يعني أن هناك أساساً عقائدياً (التهوُّد والإيمان باليهودية) وأساساً عرقياً (لأم يهودية)، أي إن الانتماء إلى اليهودية يمكن أن يتم على أي أساس منهما. كما أن اليهودي الملحد يظل يهودياً على الرغم من إلحاده (وهذا أمر ينفرد الشرع اليهودي به دون الإسلام أو المسيحية).

ويمكن تصنيف أعضاء الجماعات اليهودية، على أساس عرقي أو إثني، إلى مجموعات كبرى ثلاث:

1- السفارديم: وهم اليهود الذين كانوا يتحدثون اللادينو، وهم نسل أولئك اليهود الذين عاشوا في شبه جزيرة أيبيريا أصلاً. وحينما طُرد أعضاء الجماعة اليهودية منها اتجهوا إلى الدولة العثمانية واليونان وشمال إفريقية، وكانت قطاعات من يهود المارانو المتخفين (الذين أظهروا الكاثوليكية وأبطنوا اليهودية هرباً من محاكم التفتيش) تلحق بهم وتشهر يهوديتها فتصبح من السفارديم، وكان بين السفارد نخبة تملك مهارات إدارية، كما كانت تمتلك رأس مال كبيراً يؤهلها للاضطلاع بدور التجارة الدولية. وفعلاً، كوَّن السفارد شبكة تجارية دولية فقاموا، بالتالي، بدور أساسي في تطوير الرأسمالية الغربية، ولهم طريقتهم الخاصة في الصلاة والطقوس الدينية، ولذا يمكن الإشارة إلى النهج السفاردي في العبادة، كما أن عبريتهم تختلف عن عبرية الإشكناز. وكان السفارد أكثر اندماجاً في محيطهم الحضاري، وأكثر استيعاباً للحضارة العربية، ثم الحضارة الغربية. وظهر في صفوفهم الفيلسوف إسبينوزا ورئيس الوزراء درزائيلي. وثمة عداء متأصل بين السفارد والإشكناز؛ فالسفارد كانوا أرستقراطية اليهود، وكان استقرار الإشكناز في أماكن تجمعهم يسبب لهم الحرج، وكانوا لا يتعبدون معهم ولا يتزوجون منهم، وكانوا يحاولون الاحتفاظ بمسافة بينهم، وقد انقلب الوضع رأساً على عقب بعد أن تحولوا إلى أقلية، وحقق الإشكناز بروزاً في الحضارة الغربية، وبعد إعلان دولة إسرائيل.

2 - يهود الشرق والعالم الإسلامي: يشار إلى يهود الشرق والعالم الإسلامي بأنهم (سفارد) أيضاً، وهذه تسمية مغلوطة، ويعود هذا إلى أن كثيراً منهم يتبع النهج السفاردي في العبادة، لكن هذا لا يجعلهم من السفارد؛ فتجربتهم الدينية والثقافية والتاريخية مختلفة تماماً. وينقسم يهود العالم الإسلامي إلى عدة أقسام، أهمها يهود البلاد العربية أو اليهود المستعربة الذين استوعبوا التراث العربي وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ منه.

غير أن هناك جماعات صغيرة أخرى، مثل اليهود الأكراد وبقايا السامريين ويهود جبال الأطلس من البربر ويهود إيران وغيرهم. ويتميَّز كل فريق بأنه مستوعب في إطاره الحضاري للمجتمع الذي يعيش في كنفه فيتحدث لغة، بل أيضاً لهجة المجتمع الذي يعيش فيه، ويتعامل مع العالم من خلال أنساقه الثقافية والرمزية. وهناك أحياناً سمات دينية فريدة لأعضاء هذه الجماعات الصغيرة، تعزلها عن التيار الرئيسي لليهودية، إذ إن المكون الإثني كثيراً ما يؤثر في المكون الديني.

3 - الإشكناز: هم أساساً يهود شرق أوربة (روسيا/ بولندا) الذين يتحدثون اليديشية (وهي ألمانية العصور الوسطى بعد أن دخل عليها بعض المفردات السلافية والعبرية، وتكتب بحروف عبرية). ويعود أصلهم إلى ألمانيا (إشكناز بالعبرية). ومع أن أغلبية الإشكناز كانت تتحدث اليديشية، فقد كان هناك إشكناز يتحدثون اللغات الأوربية الأخرى. وحينما كان المهاجرون الإشكناز يغادرون بولندا إلى بلاد مثل هولندا وإنجلترا ثم الولايات المتحدة، كانت المجتمعات المضيفة (بما في ذلك أعضاء الجماعة اليهودية فيها) تعتبرهم متخلفين؛ فقد كانوا يعملون كصغار مرابين وباعة متجولين، وكانوا يحضرون معهم بعض الأمراض الاجتماعية، كالغش التجاري والدعارة. وكانوا يظهرون عزوفاً عن الاندماج، ولا سيما أن أزياءهم وطريقة قص شعرهم مختلفة، فكانت تميزهم وتعزلهم عن محيطهم الحضاري الجديد، وصيغ الدين اليهودي التي يعرفونها تختلف عن الصيغ التي يعرفها السفارد.

ولذا، يمكن الحديث أيضاً عن النهج الإشكنازي في العبادة. والمسألة اليهودية كانت أساساً مسألة يهود شرق أوربة من الإشكناز، وقد ظهرت جميع الحركات الفكرية اليهودية الحديثة في صفوفهم أيضاً: حركة الاستنارة اليهودية - اليهودية الإصلاحية - اليهودية المحافظة - قومية الدياسبورا - البوند، وأخيراً الصهيونية التي بدأت كحركة إشكنازية تهدف إلى تأسيس دولة إشكنازية، لكن يهود الشرق والعالم الإسلامي وبقايا السفارد اكتسحوها.

أما من الناحية الدينية، فيمكن تقسيم يهود العالم إلى قسمين أساسيين:

1 - يهود إثنيون، وهؤلاء فقدوا كل علاقتهم بالعقيدة اليهودية والموروث الديني، وهم يرون أن يهوديتهم تكمن في إثنيتهم، أي في أسلوب حياتهم وموروثهم الثقافي. ويمكن القول: إن أكثر من نصف يهود أمريكا يهود بهذا المعنى، أما في الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، فإن عددهم يزيد عن ذلك كثيراً. ويشار إلى هذا الفريق بأنه اليهود الملحدون أو العلمانيون.

2 - يهود يؤمنون بصيغة ما من صيغ العقيدة اليهودية، وهؤلاء ينقسمون إلى عدة أقسام:

أ) اليهودية الأرثوذكسية: هي وارثة اليهودية الحاخامية أو المعيارية أو التلمودية، وهي الصيغة اليهودية التي سادت بين الجماعات اليهودية الأساسية في الغرب منذ العصور الوسطى حتى نهاية القرن التاسع عشر. ويؤمن اليهود الأرثوذكس بأن التوراة مرسلة من الإله، وبأن كل ما جاء فيها ملزم، ولذا، فهم يرون ضرورة أن يلتزم اليهودي تنفيذ الوصايا والنواهي (المتسفوت)، وضرورة إقامة الشعائر كافةً، بما في ذلك شعيرة السبت والطعام الشرعي.

ب) اليهودية الإصلاحية: هي أول المذاهب اليهودية الحاخامية، وظهرت في ألمانيا (مهد الإصلاح الديني المسيحي)، وتعد ترجمة لفكر عصر الاستنارة. وهي تحاول أن تعبِّر عن العصر الحديث، فتحكم العقل في كل شيء، وتحاول أن تفصل المكون الديني عن المكون العرقي أو القومي في العقيدة اليهودية بحيث يصبح المكون الديني وحده ملزماً، ويسقط أي تفسير قومي لأفكار مثل (العودة) و (النفي) و (العصر المشيحاني) (نسبة إلى الماشِّيح أو المخلِّص اليهودي)، بحيث تصبح كلها أفكاراً تعبر عن تطلع ديني يتحقق في آخر الأيام، أو بالتدريج عبر التاريخ. وهذا كله يهدف إلى تعميق ولاء اليهودي للوطن الذي يعيش فيه ودمجه في محيطه الحضاري، بحيث يتحول إلى مواطن في الشارع ويهودي في منزله.

جـ) اليهودية المحافظة: هي مجموعة من التيارات الفكرية تصدر عن الإيمان بأن العقيدة اليهودية تعبير عن روح الشعب اليهودي الثابتة (لا روح العصر المتغيرة)، وبأن هذه العقيدة تطورت عبر التاريخ وأخذت أشكالاً مختلفة، وبأنها من ثَمَّ قادرة على التكيُّف مع اللحظة التاريخية، فاليهودية ليست مجموعة عقائد ثابتة وإنما هي تراث آخذ في التطور التاريخي الدائم. لكن أي تغيير يدخل على هذه العقائد لا بد أن يكون نابعاً من صميمها، معبراً عن روح الشعب اليهودي وهويته. ويمكن القول: إن اليهودية المحافظة ترى الدين اليهودي باعتباره، في واقع الأمر، الفلكلور اليهودي، أو الروح القومية اليهودية، وهي في هذا قريبة للغاية من الرؤية الصهيونية (العلمانية) لليهودية، على الرغم من أن ما يهيمن على المؤسسة الدينية في إسرائيل هي اليهودية الأرثوذكسية. ولعل هذا من أسباب الاستقطاب الديني/ العلماني في التجمع الصهيوني.

ولا تؤمن اليهودية الإصلاحية أو المحافظة بأن الكتاب المقدس مرسل من الإله، وإنما هو مجموعة من الأقوال الحكيمة والأساطير الشعبية التي ألهم الخالق بعض الأنبياء بها لكنه لم يوحِ إليهم بها، ومن ثم فمن حق المخلوق أن يتصرف بحسب ما يمليه العقل أو العصر عليه، فيغير ويبدل في الشعائر، بل يسقطها تماماً في بعض الأحيان. ولذا فإن الإصلاحيين والمحافظين لا يلتزمون الوصايا والنواهي، ولا يقيمون شعائر السبت أو الطعام الشرعي إلا على نحو جزئي، من قبيل الحفاظ على الفلكلور. وقد أباحت اليهودية الإصلاحية والمحافظة ترسيم النساء حاخامات، كما أباحت الشذوذ الجنسي بين الذكور والإناث، بل ويُرسَّم الآن الشواذ والسحاقيات حاخاميين، والأغلبية الساحقة من يهود العالم الغربي إثنية أو محافظة وإصلاحية، ولا يشكل الأرثوذكس سوى أقلية لا تزيد عن 5%. ويلاحظ إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على العبادات الجديدة، مثل البهائية والماسونية وما يسمَّى ديانات العالم الجديد (الإيمان بأن للهرم شكلاً ذا قوة سحرية خارقة، على سبيل المثال).

جماعات يهودية

غير أن ثمة إلى جانب هذه التقسيمات الأساسية جماعات هامشية لا حصر لها، فهناك السامريون الذين لا يؤمنون بالتلمود ولا بمعظم كتب العهد القديم، وإنما يؤمنون بأسفار موسى الخمسة أساساً بنسخها المختلفة عن تلك المتداولة بين اليهود كافة، ومركزهم هو جبل جرزيم في نابلس، لا جبل صهيون، وهم لا يؤمنون بمجيء الماشيَّح. وهناك أيضاً القرَّاؤون الذين تمردوا على التلمود (بتأثير الفكر المعتزلي الإسلامي)، وزلزلوا اليهودية الحاخامية من جذورها، لكن لم يبق منهم سوى بضعة آلاف في كاليفورنيا وبعض مناطق روسيا وإسرائيل. وهناك بقايا يهود كايفنج في الصين، يعبدون يهوه الذي يسمونه تين (السماء)، ويتعبدون في معبدين يهوديين، أحدهما لعبادة الإله والآخر لعبادة الأسلاف. وهم لا يعرفون لا التلمود ولا التوراة، وملامحهم صينية تماماً. ويمكن أن نشير إلى يهوديتهم بأنها يهودية كونفوشيوسية (تماماً مثلما نجد أن يهودية بني إسرائيل في الهند يهودية هندوكية). وهناك عشرات من الجماعات والطوائف والفرق اليهودية الأخرى الهامشية.

…..

…..

…..

يقدم هذا الكتاب رؤية شاملة لجذور الصراع العربي الإسرائيلي ومساره ومستقبله.

وقد عرضه المؤلف عرضاً استقصى فيه موضوعه على صغر حجمه، وركّز على الضروري من النقاط الهامة للبحث؛ فتحدث عن الصهيونية والمسألة اليهودية، وعن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني وعن الأزمة الصهيونية وعن الجماعات اليهودية، وشفع ذلك كله بتاريخ موجز للصهيونية فحاول أن يقدم فيه خريطة متكاملة لتطور الفكر الصهيوني من خلاله.

كتاب بقلم عالم متخصص يعرض لقضايا حساسة.

مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي
مستخلص
يتناول هذا الكتاب الصراع العربي الصهيوني.
يبدأ بموضوع الجماعات اليهودية والصهيونية ضمن رؤية بانورامية للجماعات اليهودية في العالم: أعدادهم وهجراتهم وتنوعهم وعدم تجانسهم، ثم يتحدث عن مفهوم الجماعة الوظيفة، ويحاول تطبيقه على الجماعات اليهودية، والاستيطان وواقع اليهود المعاصر، ثم التركيب الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم.
ثم ينتقل إلى الحديث عن اليهودية والمسألة اليهودية، ويبين كيف تبلور الفكر الصهيوني داخل التشكيل الحضاري الغربي والإمبريالي ثم الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية.
بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى تاريخ الصهيونية، ويحاول أن يقدم خريطة متكاملة لتطور الفكر الصهيوني، ويتناول المرحلة التكوينية، وعلاقة الصهيونية باليهود ، ثم ولادة الصهيونية.
ثم يتحدث عن الاستيطان حتى عام 1967 وأزمة الصهيونية. ثم ينتقل إلى الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، ويتحدث عن الظاهرة الصهيونية، ويحاول أن يحدد سماتها العامة والخاصة، ويطرح تعريفاً لها بدلاً من التعريفات الغربية المتميزة ذات المقدرة التفسيرية الضعيفة، ثم الاتفاق بين التيارات والاتجاهات الصهيونية بشأن الأمن وحدود الدولة الصهيونية وعلاقتها بالفلسطينيين ويهود العالم.
ثم يتحدث عن أزمة الصهيونية وبنية الإيديولوجية الصهيونية، وأزمة الهوية الصهيونية ثم الصراع الديني العلماني والأزمة السكانية الاستيطانية وأزمة الخدمة العسكرية.
ثم يتحدث عن تقويض الايديولوجية الصهيونية من خلال تصاعد النزعات الاستهلاكية والأمركة والعولمة والخصخصة والعلمنة. ثم عن مظاهر الأزمة التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية، ثم المسألة الفلسطينية وإدراك الواقع الحقيقي للمشروع الصهيوني.
ويختم الكتاب بالحديث عن مفهوم نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية.