تخطي إلى المحتوى

أوراق مهجرية

49% خصم 49% خصم
السعر الأصلي $2.25
السعر الأصلي $2.25 - السعر الأصلي $2.25
السعر الأصلي $2.25
السعر الحالي $1.15
$1.15 - $1.15
السعر الحالي $1.15

يضم مجموع ما تلقاه كاتبه أو سمعه من أعلام المهجرين، مما يتصل خبره بالمهجر ورجاله وأدبة، إضافة إلى بحوث ومقاربات تعين على تقويم الحركة المهجرية.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
152 الصفحات
24×17 القياس
2002 سنة الطبع
1-59239-040-4 ISBN
0.25 kg الوزن

مقدمة

تضم هذه الأوراق مجموع ما تلقيته أو سمعته من أعلام المهجريين، مما يتصل خبره بالمهجر ورجاله وأدبه. فإني عُنيت زمناً بدرس النثر المهجري وفنونه، وأتيح لي، في هذه المناسبة، أن ألقى بعض أعلام الكتّاب الذين عادوا من المهجر واستقروا في الوطن، مثل الأستاذ ميخائيل نعيمة أو الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، أو الذين دُعوا إلى زيارة الوطن فلبوا الدعوة، مثل الأستاذ عبد المسيح حداد صاحب (مجلة السائح) منبر الرابطة القلمية الأول، أو الشاعر إلياس فرحات أو إلياس قنصل. فاغتنمت الفرصة وجلست إلى من أتيحت لي مجالسته، أو مَن رحلت إليه، وسألته أو حاورته وكتبت ما سمعت منه. ثم إني تلقيت منهم أو ممن عاشوا إلى جانبهم في المهجر، رسائل ضمنّوها بعض أسرار هذه المرحلة أو بعض صورها أو آرائها النادرة، مما لم يُنشر من قبل، ولم يحدّثوا به أحداً، حتى إننا لو أغفلناه اليوم ضاع منّا إلى الأبد.

جمعت هذه المواد الثمينة إلى بعض ما كنت تلقيت من ملاحظاتهم العامة، بعد أن قرؤوا كتابي (النثر المهجري) و (فنون النثر المهجري) ، والمادة الجامعة التي كتبتها بطلب من المستشرق الفرنسي (ch. Pellat)، وقوّمت فيها الحركة المهجرية من نواحيها جميعاً، في شمال القارة الأمريكية وجنوبها، مع أطراف من الأحاديث والمحاورات والبحوث والمقاربات التي نُشرت أصولها الأولى في بعض الصحف والمجلات، داخل القطر وخارجه، فضممتها جميعاً في هذه الأوراق.

إن أثر الأدب المهجري، نثراً وشعراً، في أدبنا الحديث وأدبائه، ما يزال حياً. وما يزال أدبهم مطلوباً، لأن الحاجة إليه، فيما يبدو، ما تزال قائمة. والقيم الفنية أو الروحية أو الإنسانية العامة التي طالعونا بها ما تزال نافعة. ولعلها أحياناً، فيما نعاني اليوم من تمزق، في عالم يهجس بالعدل والسكينة والسلام، ضرورية. ثم إن ما دونته عنهم وما تلقيته منهم يضيء كثيراً من الحقائق في حياتهم أو في نتاجهم، فيعين على تعميق فهمنا للحركة المهجرية التي لابست حياتنا يوماً، ورمت في بركتها حجراً ضخماً ما تزال مياهها، إلى اليوم، تفور من حوله.

فمن حيث الصدى العميق لهذه الحركة، في حياتنا ونتاجنا الأدبي، ومن انفعال أجيالنا بها، كتّاباً ومتلقّين، لعمق صلتها بالحياة والإنسان. وصدق كلمتها، وتجديد أكسيتها، وتحرير لغتها أحياناً كثيرة، من التبعية والاجترار والتقليد، من هذا كله كان الحرص على تتبع آثارها وأخبارها وأحوال مبدعيها، والاحتفال بما نتلقى من رسائل رجالها وأعلامها، وما نسمع من أسرار مواقفهم وصِلاتهم بمن خالطوا من الناس، وصِلاتهم بعضهم ببعض، وما تأثروا به من ألوان الثقافات في الوطن والمهجر، وتعرّضوا له من صور المعاناة في مراحل غربتهم الطويلة.

تبقى الغاية الأخيرة من كتابة هذه الأوراق إذن: أن نحفظ للحركة المهجرية، عند أبرز من يمثلها، ما تصل إليه أيدينا من حقائقها. فهذا يعين، كما قلت، على حسن تقويمها، وفهم مواقف أصحابها من الله والإنسان والكون.

والله الموفق...

حلب 12/6/1422هـ الموافق لـ 1/9/2001م

د.عبد الكريم الأشتر

تقويم

الحركة المهجرية

(في الشمال والجنوب)

- 1 -

المهجر اسم يطلق على المواطن التي هاجر إليها اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون وبعض العرب الآخرين، من القارة الأمريكية شمالها وجنوبها ووسطها. وقد يجمعونها فيسمونها (المهاجر). أكثر ما يتردد ذكره، من هذه المواطن، في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، نيويورك شمالاً، وساو باولو وريو دي جانيرو وبيونس آيرس جنوباً.

وهي الحواضر التي ازدهرت فيها، في النصف الأول من هذا القرن، حركة أدبية وفكرية ممتازة بخصائصها.

ما تزال بقاياها تتلاشى مع الزمن. يضاف إلى هذه الحواضر حواضر أخرى في دول القارة الأمريكية استوطنها المهاجرون العرب أيضاً، وأصدروا فيها نشرات وصحفاً ودوريات وكتباً بالعربية أو بلغات أهلها (الإنجليزية أو الإسبانية أو البرتغالية) تعرّف بالعرب وتراثهم، وتدافع عن بعض قضاياهم الراهنة.

كانت الهجرة إلى أمريكة (العالم الجديد) شاعت في لبنان وسورية وفلسطين (سورية التاريخية) في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. حيث بلغت ذروتها في الشمال سنة 1913م، وخفت بعد الحرب العالمية الأولى بسبب قيود الهجرة الأمريكية، وتحديد أعداد المهاجرين، وقانون الجنسية الذي صدر سنة 1924م فكاد ينهيها تقريباً، في حين استمر تدفق الهجرة إلى الجنوب.

أسباب الهجرة اقتصادية في الدرجة الأولى، فقد ضاقت رقعة الأرض الزراعية على اللبنانيين، ومنهم معظم المهاجرين، من سكان الجبل، بعد قيام نظام المتصرفية فيه 1861م وتعديلاته 1864م إثر حوادث سنة 1860م الطائفية، وتدخل بعض الدول الأوربية فيها، وعلى رأسها فرنسة. فقد منح هذا النظام الجبل، بموارده المالية الضعيفة، استقلالاً إدارياً، بعد أن قطعه عن سهوله الخصبة وموانئه البحرية. فاضطر بعض أهله، في أول الأمر، إلى الهجرة للعمل في بيروت وغيرها من المدن اللبنانية. ثم غادر بعضهم لبنان إلى مصر وبعض البلدان الإفريقية.

ثم لما انفتحت أبواب الهجرة إلى أمريكة رحل منهم إليها جماعات قليلة. ثم اتسعت، ابتداء من سنة 1881م، حركة الهجرة، بفضل الطموح إلى الغنى الذي كانت أخباره المضخمة تصل إليهم على لسان من سبقوهم إلى الهجرة، وبتشجيع السياح وشركات الملاحة وسماسرتها، حتى شبّهت حركة الهجرة، في مطلع هذا القرن، بالوباء المنتشر، وهجر لبنان نصف سكانه تقريباً. وامتدت العدوى إلى مدن سورية الداخلية (حمص ودمشق وحلب) وجبال العلويين فيها، فهجرها سُبع سكانها تقديراً.

وكان بعض الفلسطينيين سبق اللبنانيين إلى الهجرة، ورافقهم أيضاً. فبلغ عدد المهاجرين إلى القارة الأمريكية، من سورية كلها، في آخر مراحل الهجرة، ما يزيد عن نصف المليون في الشمال، الولايات المتحدة وكندا، وما يقرب من ضعف هذا العدد في مدن أمريكة الجنوبية والوسطى.

ساعد على اشتداد حركة الهجرة آنذاك، في صفوف المسيحيين من السوريين بعد العامل الاقتصادي الذي يضاف إليه أيضاً تسلط الإقطاع على الفلاحين، واحتجان رجال الأديرة الأراضي والأموال، وفداحة الضرائب، وتفشي الآفات في المحاصيل الزراعية، وكساد سوق الحرير الطبيعي بسبب الإقبال على الحرير الصناعي الياباني الرخيص، وتحول طرق التجارة الدولية بعد شق قناة السويس سنة 1860م عوامل نفسية تتمثل في الإحساس بسوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية: كره السلطة الحاكمة التي تنظر إليهم دائماً بعين الريبة، والفتن الطائفية التي انتهت إلى أحداث سنة 1860م، وفشو التعصب الدائم، وفساد الإدارة، وانتشار الرشى، وسيطرة رجال الدين على أتباعهم، وتحالفهم، مع الإقطاع، على إذلالهم وحرمانهم، وكبت الحريات العامة، وأخذ الناس بالشبهات في العهد الحميدي، وسوق الشباب العرب إلى ساحات الحروب البعيدة، وسيطرة الجهل على العقول، وتحكم الفوضى في جوانب الحياة كلها.

يقابل هذه العوامل، في الجانب الآخر، عوامل جذب: الغنى الموعود، وتوفير فرص العمل، وما سمعوا عن شيوع الحريات العامة، وترحيب المجتمع هناك بالطموح الفردي، وقياس الناس بأعمالهم وقدراتهم لا بوراثاتهم وأسرهم، والغيرة على كرامة المواطنين وحقوقهم العامة دون تفريق بينهم، وسيادة النظام والقانون.

وقد كان اللبنانيون بصورة خاصة، والسوريون بصورة عامة، على اتصال بالغرب وثقافته، منذ أيام الحملة الفرنسية على مصر (1798 - 1801م) وقيام المؤسسات العلمية فيها أيام محمد علي. قوّى هذا الاتصال البعثات الدينية التي بدأت تصل إلى لبنان منذ أيام حكم إبراهيم باشا لسورية (1832 - 1841م)، واتسعت أعمالها بعد قيام نظام المتصرفية 1861م، فافتتحت الكليات، وأسست الجمعيات العلمية والخيرية، وجلبت المطابع، وترجمت الكتب ونشرتها. وقوى هذا الاتصال أيضاً الاحتكاك بالسياح ورجال الحملة الفرنسية التي أقامت في لبنان سنة كاملة، إثر حوادث 1860م. فكان هذا الاتصال المستمر بالغرب وتعلم لغاته، إضافة إلى وحدة الدين التي تجمعهم به لدى أكثر المهاجرين، يقوّي إعجابهم به وبمبادئه، وبمبادئ الثورة الفرنسية وشعاراتها الشائعة بصورة خاصة، ويزيد من تطلعهم إليه.

فإذا أضفنا إلى هذا كله موقع لبنان وبلاد الشام الجغرافي في مواجهة الغرب، على الساحل الآخر، وميل اللبنانيين، أحفاد الفينيقيين، الموروث إلى التجارة والأسفار، والطموح إلى اغتنام الفرص البعيدة، فهمنا واقع هذه الهجرة شبه الجماعية إلى (العالم الجديد) وانتشار هذا الشعب في كثير من بقاع الأرض.

- 2 -

كانت الولايات المتحدة الأمريكية تجذب إليها أنظار المهاجرين في أول الأمر. ثم اتجهت الأنظار إلى الجنوب الأمريكي البكر الذي تتوافر فيه فرص للعمل لا يتوافر مثلها في الشمال، لفراغ الجنوب واتساع أراضيه الزراعية التي تتطلب الأيدي العاملة، ونشأة الصناعة فيه، وانفتاح آفاق التجارة. واتسعت فرص الهجرة إليه بعد أن زار إمبراطور البرازيل بطرس الثاني سنة 1877م و1887م فلسطين ولبنان، وعقدت سنة 1892م معاهدة بين الحكومة العثمانية وحكومة البرازيل نُظمت بموجبها الهجرة إليها.

كان هذا الإمبراطور يعرف العربية، فدعا الناس إلى الهجرة إلى وطنه ليشاركوا في تعميره واستثمار أراضيه الزراعية. ومنّاهم العون والرعاية. وكانت الأرجنتين أيضاً تملك هذا الإغراء، فأراضيها الزراعية شاسعة، وثرواتها مهملة، فاتجهت سيول الهجرة إلى الجنوب، اختار بعض المهاجرين، من الفلسطينيين خاصة، بعض دول أمريكة الوسطى أو التشيلي أو المكسيك، حتى بلغ عدد المهاجرين إلى الأرجنتين وحدها ثلاث مئة ألف. وزاد في البرازيل على نصف المليون.

- 3 -

كانوا، بعد أن تلقيهم البواخر في الموانئ الأمريكية، ينزلون الأحياء الفقيرة من المدن التي يختارونها لوجود أقاربهم فيها على الأغلب، ويعرضون على أرصفتها بضائعهم الرخيصة، أو يجوبون أحياء المدن والأرياف وهم يحملون على أكتافهم صندوقاً يملؤونه بالعروض والأقمشة الرخيصة (الكشة CAISHA) ليبيعوها لربات البيوت. ثم ينتقل المحظوظ منهم، ونسبته ضئيلة جداً، فيؤسس متجراً صغيراً قد يفلح مع الأيام في توسيعه، وينتهي أحياناً إلى أن يكون من أصحاب المصانع أو المتاجر الكبيرة.

كان الناس من حولهم لا يقدرونهم، ويطلقون عليهم اسم (تركو TURCO) باعتبار أنهم قدموا من بلاد كانت جزءاً من دولة الأتراك العثمانيين. وقد حسبوهم حيناً من جنس المغول، السلالة الصفراء، فكانوا يحسون بالحاجة إلى أن يصححوا صورتهم في أذهان الأمريكيين.

كانوا يعتقدون، في أول الأمر، أن هجرتهم مؤقتة، ريثما يجمعون من المال ما يسد حاجتهم وحاجة أسرهم في الوطن، وريثما تتغير أحوال الحياة فيه. ثم لما استقروا وألفوا الحياة في مهاجرهم، ونمت مصالحهم فيها، ونشأ أولادهم في محيطها الجديد، وتعلموا لغاتها وارتبطوا بها، وجدوا أنفسهم يفكرون في الإقامة فيها، برغم ما كانوا يعانون من قسوة الاغتراب وحرقة الحنين إلى الوطن والأهل.

ولا بد أن يكون الإحساس بالحاجة إلى تواصل المهاجرين في مهاجرهم بعضهم ببعض، من ناحية، وإلى تتبع ما يجري في الوطن من ناحية أخرى، استدعى إنشاء بعض الصحف العربية الصغيرة منذ استقرار موجات الهجرة الأولى، في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، في الشمال والجنوب معاً.

ففي نيويورك صدرت الصحيفة الأولى (كوكب أمريكة) سنة 1892م. وتبعتها صحف أخرى: (العصر) سنة 1894م و (الأيام) سنة 1897م و(الهدى) سنة 1898م و(مرآة الغرب) سنة 1899م.

وفي البرازيل صدرت الصحيفة الأولى (الفيحاء) سنة 1894م، وتبعتها أربع صحف أخرى: (الرقيب) 1897م و(البرازيل) سنة 1898م و (المناظر) سنة 1899م و(الصواب) سنة 1900م.

ثم استدعت الحاجة إنشاء النوادي والجمعيات الأدبية التي تعمل لخدمة قضايا المهاجرين، وتجميع طاقاتهم ورعاية مؤسساتهم الاجتماعية. ففي نيويورك تأسست (الجمعية السورية المتحدة) سنة 1907م، و (الحلقات الذهبية) التي تعرف أنها كانت قائمة بعد الحرب العالمية الأولى. وتبعتهما جمعات أخرى. وفي البرازيل تأسست نواد كثيرة كان أكبرها (النادي الحمصي). ثم قامت التجمعات الأدبية من بعد.

….

(هذه الأوراق)

تضم مجموع ما تلقاه كاتبها أو سمعه من أعلام المهجريين، مما يتصل خبره بالمهجر ورجاله وأدبه، إضافة إلى بحوث ومقاربات تعين على تقويم الحركة المهجرية من نواحيها جميعاً، في شمال القارة الأمريكية وجنوبها، وتعني كثيراً من الحقائق في حياة أعلامها أو في نتاجهم تُعمّق فهمنا لهذه الظاهرة الأدبية - الفكرية التي لابست حياتنا يوماً، ورمت في بركة حجراً ضخماً ماتزال مياهها، إلى اليوم، تفور من حوله.

فمن حيث الصدى العميق الذي خلفته في حياتنا ونتاجنا الأدبي، ومن انفعال أجيالنا بها، كتَّاباً وشعراء ومتلقّين، لعمق صلتها بالحياة والإنسان، وصدق كلمتها، وتجديد أكسيتها، وتحرير لغتها من التبعية والاجترار والتقليد، كان الحرص على تتبع آثارها وأخبارها وأحوال مبدعيها، والاحتفال بما نتلقى من رسائل رجالها وأعلامها، وما نسمع من أسرار مواقفهم وصلاتهم بمن خالطوا من الناس، وصلاتهم بعضهم ببعض، وما تأثروا به من ألوان الثقافات في الوطن والمهجر، وتعرّضوا له من صور المعاناة في مراحل غربتهم الطويلة.

يضم مجموع ما تلقاه كاتبه أو سمعه من أعلام المهجرين، مما يتصل خبره بالمهجر ورجاله وأدبة، إضافة إلى بحوث ومقاربات تعين على تقويم الحركة المهجرية.