تخطي إلى المحتوى

أنين القصب (جائزة دار الفكر)

20% خصم 20% خصم
السعر الأصلي $9.00
السعر الأصلي $9.00 - السعر الأصلي $9.00
السعر الأصلي $9.00
السعر الحالي $7.20
$7.20 - $7.20
السعر الحالي $7.20
رواية فلسطينية من أفضل روايات االمؤلف المتميزة تمثل نكبة 1948 ونزوح شعب أمام عدو تدعمه دول ، عبر عنها المؤلف من خلال قصة حب تفرعت منها منها أحداث جذابة تنبيء على توالد حكائي ينتقل من حكاية إلى أخرى فيها حوار العشق والمقدس والموت يقتبسها من الذاكرة الفلسطينية من حكايات قديمة حاضرة متوالدة .

المؤلف
التصنيف الموضوعي
420 الصفحات
20×14 القياس
2003 سنة الطبع
1-59239-225-3 ISBN
0.37 kg الوزن

موت شتيوي..!!

منذ اليوم الأول للاحتلال الجديد.. جاء الخواجات اليهود إلى القرية في عربات مصفحة، ودبابات، وسيارات نقل كبيرة، كثيرون منهم ارتقوا الأسطحة، وراحوا يراقبون. كانت أجهزة الاتصال بين أيديهم، وخلف ظهورهم، كانوا لا ينفكون عن الحديث فيها، رطانتهم تملأ المكان. كان شتيوي يفهم كل كلمة يقولونها، بعض منهم كانوا يتكلمون العربية. لم يقل لهم إنه يعرف العبرية وقد قابلهم بلا مبالاة. إذ لم تكن رؤيتهم في القرية، وأمام بيته مفاجئة له.. بعدما دخلوا إلى أماكن عديدة. كان هادئاً تماماً، غير مكترث بالجلبة التي أحدثوها، حاولوا أن يدفعوه للخروج من القرية فرفض. قال لهم شارحاً، إنه في بيته، ومع حيواناته ولا يريد الخروج! فأفهموه أنه سيموت هنا جوعاً، وبرداً، وغربةً.. ستأكله الوحوش في الليل، فهو وحيد في القرية! فيجيبهم إن هذا ليس مهمّاً، المهم أن يموت فوق الأرض التي عاش فيها، فوق الأرض التي عرفته وعرفها، وأنه لن يصدق خرافة الخروج والرجوع مرة أخرى! لقد غُرر به في المرات السابقة، فأُخرج من بيته، وأرضه، والبلاد التي ربّته هو وآباءه وأجداده. أُوهم بخرافة الخروج والعودة! فصدق، وخرج.. بعد أن فقد كل ما يعينه على البقاء فوق أرضه.. والآن لا يريد أن يصدق مثل هذه الخرافات. لأنه بات مقتنعاً، وقد بلغ خريف العمر، أن من حقه أن يصدق قلبه؛ أن يتبعه؛ أن يظل فوق أرضه، وأن يموت عليها، وأن يدفن فيها!

فيفاجأ الخواجات اليهود.. به! يقولون له إن هذه الأرض أرض سورية.. ليست أرضه، وعليه ألا يتعلق بها، فيجيبهم إنها الأرض التي أحبها؛ الأرض التي احتضنته وأطعمته بعيداً عن أرضه التي اغتصبوها، إنها الأرض الامتداد لأرضه، فأشجارها، وأنهارها، وهواؤها، وروحها، ونباتاتها، وأزهارها، وشوكها.. وحيواناتها، وحجارتها، وسهولها، وترابها.. جميعها تذكّره بأرضه، وإنها هي الأرض المطلة على أرضه، وقريته الشماصنة.. وهو لا يريد الابتعاد أكثر عن أرضه، وقريته، وأنه لا يستطيع العيش بعيداً عن رؤيتها يوماً واحداً، فها هو من هنا.. يطلّ عليها، فيراها ويغصّ.. يرى الخواجات وهم يفلحونها، ويزرعونها، ويأكلون خيراتها! فيحزن لأن موسماً آخر من مواسم أرضه يسرقه الخواجات! ويحارون به ويحقدون عليه، ويحاولون طرده مرة أخرى، إلا أنه يرفض، يطلب منهم أن يقتلوه.. قبل أن يطردوه! إنه يفضل الموت على الخروج! لقد ملَّ من الرحيل، ويريد أن يشفى من مرض الاقتلاع، والطرد، فيتركونه، ويمضون! وقد ظلّوا يأتون إليه يومياً، يطلبون منه أن يخرج، فيرفض. أغروه بأنهم سيوصلونه بسيارة خاصة إلى الحدود ليذهب إلى أسرته، أو أنهم سيسلمونه لقوات الأمم المتحدة لكي يوصلوه إلى أهله، ليموت بينهم! فيرفض بشدة. لقد أحسوا بأنه يزداد عناداً وتشبثاً بالمكان.. كلما أغروه أكثر! ولم ينقذه من عذابهم اليومي له، إلا قوات الأمم المتحدة التي دخلت إلى القرية فلم تجد فيها من السكان سواه، فسجلوا اسمه، وراحوا يتفقدونه بين حين وآخر، يأتون إليه بالأطعمة، والألبسة.. ويشرفون على صحته، فيزودونه بالأدوية اللازمة!

لهذا..، وبعد أن صار على قيود هيئة الأمم المتحدة باعتباره الساكن الوحيد في القرية، صارت جولات الخواجات اليهود تمرّ به لرؤيته وسؤاله إن كان مرَّ به أحد من الناس! فينفي! يقول لهم إنه يعيش هنا، ولا مؤنس أو رفيق له سوى حيواناته! كان الخواجات اليهود يعرفون أن بعضاً من أهالي القرى، راحوا يعودون إلى قراهم خفية عن أعينهم من أجل أخذ بعض أغراضهم، كالفرش، واللحف، والثياب، أو لأخذ أموالهم إن كانوا قد نسوها في لحظة الطرد العجيبة أو استعادة بعض المواشي التي هربت منهم في أثناء الحرب! لهذا يسألون شتيوي إن كان يرى أحداً من أهالي القرية العائدين إليها ليلاً بعيداً عن رقابتهم! فينفي!! ويصدّ عنهم، ويهمهم بأنه ليس حارساً لأمنهم! كان يسمعهم يقولون عنه بالعبرية إنه خنزير! شيطان القرية! والطعم الذي سيصطادون به الآخرين! وكان هو يهمهم بأن قلوبهم ونفوسهم لن تعرف الأمن، ولو احتلوا بقاع الدنيا أجمع. إنهم أشبه بالسارق القوي الذي يحاول أن يسرق مال امرأة عجوز لا قوة لها ولا حول، ومع ذلك يظلّ هذا السارق القوي خائفاً مرعوباً ليس من قوة العجوز، وإنما من شعوره بأنه سارق! فهو يدخل إلى البيت من أجل السرقة.. لا شيء يملأ قلبه سوى العماء! يدخل خائفاً مضطرباً، ويخرج خائفاً مضطرباً. كان شتيوي يحس بأنهم خائفون في أوقات النهار، يأتون إلى القرية بسياراتهم المصفحة، يجولون في شوارعها، وساحتها.. دقيقة أو دقيقتين، ثم ينصرفون، قد يسألونه سؤالاً عابراً أو يرمونه بالكلمات البذيئة.. أمازالت القرود هنا؟! أو الخنزير يصلي، الخنزير يأكل، الخنزير يرعى مع الأغنام..!! يرمون كلامهم البذيء المؤذي في مسامعه، ويخرجون كالمطرودين! أما في الليل فلا أحد منهم يتجرأ على المجيء. لا أحد يدخل القرية، تصير بيوت القرية، وأشجارها، ودروبها، وأسوارها.. وأوديتها.. أعداءً لهم يهابونها، ويخشون الاقتراب منها!

وحيداً، يقضي شتيوي الليل! منتظراً النهار الذي سيعيد أسرته إليه!

هذا نص جاء من الحكايات الشفهية المتناثرة وانتهى إلى حكاية مكتوبة كبيرة، هي حكاية الفلسطينيين، بصيغة الجمع، الذين كان لهم مكان اختُلس منهم وزمن دافئ ((بدّده)) الغزو الصهيوني. وإذا كان للشفهي جمالية خاصة تندثر برحيل الرواة، فإن للشفهي، الذي درأت عنه الكتابة النسيان، جمالية أكثر نفاذاً وعمقاً. ففي المكتوب تترافد الحكايات ويصبح المفرد جمعاً وتضيء كل حكاية غيرها وتستضيء بها، وفي المكتوب يتحرر الزمن من مكانه، موسّعاً الحاضر بأزمنة ماضية وقادمة. كأن حميد، الذي عالج الحاضر الضيق بأزمنة منقضية، يبني ذاكرة شعبه وهو يكتب رواية، ويواجه بالرواية نسياناً محتملاً، يعبث بالحكايات ويهيل التراب على أصحابها.


أنين القصب - حسن حميد

يقدم هذا الكتاب (أنين القصب) عملاً روائياً متميزاً، يبني الذاكرة الفلسطينية من حكايات قديمة - حاضرة متوالدة، ويشتق الهوية الفلسطينية من الحب والذاكرة المقاومة والزمن المفتوح.

ويجمع الحكايات والتعليق عليها والصوت الجماعي الذي يكتب ما رواه غيره.

ويتميز الكتاب في أكثر من اتجاه، وهو يعيد كتابة الموروث الحكائي الفلسطيني، ويحفظ ذاكرة جماعية، تقاوم تداعي الذاكرة بقوة المكتوب، ويواجه سطوة النسيان بقوة الذاكرة. ويستولد الفلسطيني الذي يكره العدوان والانتقام، من عوالم العشق الفاتنة والمقدّس الذي تأنّس، بعيداً عن منظور صهيوني يقدس الرماد والرميم.

ويمزج الكتاب المفرد بالجماعي بمعنى القيم والمثل والأغراض السامية، لا بمعنى جغرافي مريض مجزوء. ويعبر بتقنية الحاشية التي تعقبها حاشية أخرى عن تكافل الحكاية المفردة والحكاية الجماعية الكبيرة، ذلك لأن راوي الحكاية يسرد ما رواه غيره، ويكتب حواشيه المتلاحقة من حكايات متعددة، كما لو كان شخصية جميلة من بين الشخصيات الكثيرة التي روى أقدارها.

ويبرهن الكتاب أن لدى الرواية الفلسطينية ما تقوله دوماً، ويبني القول الروائي في حكايات متناسلة تعطي ملامح من فلسطين التي كانت قبل أن يدمرها الغزاة ويطلقونها متناثرة على ألسنة الرواة بشكل جميل.