تخطي إلى المحتوى

العلاقات الدولية في الإسلام

20% خصم 20% خصم
السعر الأصلي $8.00
السعر الأصلي $8.00 - السعر الأصلي $8.00
السعر الأصلي $8.00
السعر الحالي $6.40
$6.40 - $6.40
السعر الحالي $6.40
في هذا الكتاب حاول المؤلف شرح العلاقات الدولية والقانون الدولي في الإسلام، كما جاءت في العصور الماضية، وانطلاقاً من العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية والاجتهادات الفقهية، مستنداً إلى منهج التحليل السياسي والمنهج التاريخي، الذي يستند إلى الوثائق والمخططات القديمة، كي يعيد فهم الظاهرة السياسية أو القانونية في إطارها التاريخي، كما استعان بمنهج الدراسات المقارنة الذي يقابل بين الأحكام الفقهية والقواعد القانونية الوصفية، ليصل إلى التحليل والتصور المطلوب. وقد قسم موضوع مساهمة الإسلام في بناء وتعزيز دور القانون الدولي العام من خلال تقسيم الموضوع إلى قسمين ليسهل دراسته: قسم العلاقات الدولية الإسلامية زمن السلم والعلاقات الدولية الإسلامية زمن الحرب، وبهذا يكون الكتاب قد اسهم إسهاما فعالاً في توضيح مدى تأثير الإسلام في تطوير مبادئ وقواعد القانون الدولي العام.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
272 الصفحات
24*17 القياس
2009 سنة الطبع
978-9933-10-110-7 ISBN
0.4 kg الوزن

مقدمة عامة

لا ريب في أن ظهور الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي يعد من أهم الأحداث التاريخية في العالم. وقد كانت رسالة الإسلام، منذ بدايتها، رسالة شاملة ودعوة عالمية موجهة إلى جميع الشعوب والأقوام، ففي حقبة وجيزة من الزمان، امتد الإسلام شرقاً وغرباً، ودخل فيه الناس أفواجاً بصورة سريعة، تعد معجزة لا مثيل لها في التاريخ.
وهكذا، جاءت الحضارة العربية إنسانية في مبادئها، دولية في نطاقها، وقد أسهمت إسهاماً بارزاً في الحضارة العالمية، وفي جميع مظاهرها، العلمية والاقتصادية والاجتماعية، واشتهرت، بوجه خاص، بشريعتها الخالدة، التي وضعت نهجاً حياتياً كاملاً، يشمل نواحي الدين والأخلاق والقانون جميعاً[(1)].
وتفترض الموضوعية العلمية دراسة العلاقـات الدولية والقانون الدولي في الإسلام، وإعطاءهما الاهتمام اللازم. ففي مجال العبادات ثمة غنى فقهي وفكري تشير إليه الحضارة الإسلامية، أما في مجال المعاملات -وخاصة بين الدول- فإن الحال تختلف، والغنى يتراجع.
صحيح أن العلاقات الدولية، علماً، لا تزال حديثة العهد، بيد أن الصحيح كذلك هو ضرورة التعرف على ما أبدعه المسلمون في هذا المضمار بعيداً عن الإنكار أو الادعاء.
وكما يتعرف الدارسون على القوانين القديمة، والحضارات القديمة، في مرحلة ما قبل الميلاد، فإنهم مدعوون إلى دراسة القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام. هكذا تتوقف الدراسات عند المدونات القديمة لبلاد ما بين النهرين والهند ومصر وروما، فلماذا لا تتوقف عند الفقه والسياسة في إطار الحضارة الإسلامية؟
من قانون حمورابي، الذي أراد توحيد بلاد ما بين النهرين، إلى قانون مانو ( Manou ) في بلاد الهند لإرشاد طبقة البراهمة، إلى قانون بوخوريس ( Bocchoris ) المصري القديم الذي مهد السبيل للقانون المدني، إلى الشريعة اليهودية التي طبقت على بني إسرائيل، إلى القانون الروماني، وبخاصة قانون الألواح الاثني عشر، الذي جاء تحت ضغط الثورة الشعبية لتحقيق المساواة مع الأشراف... كلها معالم قديمة، صارت ملك الحضارة الإنسانية.
نستدرك بالقول: إن عدداً من الكتاب العرب والمسلمين، بل المستشرقين، كتب عن القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام، وبعض هذه الكتابات جدير بالاهتمام[(2)]. لكن الخوض في غمار السياسة الدولية والقانون الدولي العام مسألة مستمرة، فكيف إذا كانت المعاملات الدولية أو العلاقات الدولية، ما تزال محدودة الواقع والأثر في الفكر الإسلامي؟
للإسلام نظرة للعلاقات الدولية تختلف في أساسها عن تلك التي يأخذ بها القانون الدولي الوضعي، فالإسلام أصلاً لا يعترف بانقسام العالم إلى كيانات سياسية ذات سيادة، لكل منها نظامها القانوني في العيش بحيث لا يخضع أي منها لقواعد أعلى إلا إذا قبل القواعد؛ على العكس من ذلك يهدف الإسلام إلى توحيد بني البشر في ظل نظام قانوني واحد هو الشريعة الإسلامية. فالشريعة الإسلامية موجهة للناس كافة، دونما تمييز على أساس الأصل أو العرق أو اللغة. ومن المتفق عليه عند الفقهاء المسلمين أن بلاد المسلمين واحدة، مهما تعددت أقاليمها وتباعدت أمصارها واختلف حكامها.
في السنين الأخيرة، عاد الاهتمام بالإسلام يتزايد باعتباره ظاهرة سياسية واسعة. فمنذ نهاية عقد السبعينيات، أحرز الإسلام السياسي انتصاراً كبيراً في تأسيس أول حكومة إسلامية، في إيران. ومنذ عام 1979، وبقية الدول الإسلامية في مواجهة متزايدة مع الحركات الإسلامية الراغبة بتأسيس دول جديدة تعتمد كلياً على أحكام الشريعة الإسلامية، وإلغاء الأنظمة العلمانية التي تحكم المجتمعات الإسلامية منذ نشوء الدول القومية، بعد عصر الاستعمار.
والدولة الإسلامية، كغيرها من الكيانات السياسية، تقيم علاقات خارجية، تنضم إلى المنظمات الدولية، وتلتزم بالقانون الدولي والمبادئ العامة بوصفها معايير تنظم علاقاتها مع الآخرين. فقد عاد من المستحيل، في العالم المعاصر، الانعزال عن الاتصالات الخارجية، سياسياً واقتصادياً. وحتى أولئك الذين يبدون عداءً للغرب أو غير المسلمين، إذا ما وصلوا إلى السلطة، فسيجدون أنفسهم مجبرين على إقامة علاقات خارجية، وعقد معاهدات واتفاقيات مع الدول غير الإسلامية. إن إدارة الدولة لا يمكنها أن تعتمد على الشعارات الثورية أو الأفكار المجردة، ولا حتى على الحماس الديني، بل بالتعامل بواقعية مع مفردات العصر ومتطلبات المجتمع الذي تدير شؤونه.
منذ عقد الثلاثينيات في هذا القرن، بدأت الدول الإسلامية بالانضمام إلى المنظمات الدولية؛ في البداية عصبة الأمم، ثم منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها. إن مشاركة الدول الإسلامية في النظام العالمي يمكن اعتباره ظاهرة رائعة في التاريخ الحديث للدول الإسلامية. هذه الظاهرة لها جذور تاريخية عندما كان العالم الإسلامي يقيم علاقات وثيقة مع الغرب منذ القرون الوسطى، وامتدت تلك العلاقات على مدى قرون طويلة، وتضمنت أشكالاً وأبعاداً مختلفة. لقد أثر كل طرف في الآخر في كل المجالات والنشاطات بين الدول، في السياسة والاقتصاد والثقافة والقانون والعلم، فكان ثمة تأثير متبادل بين الطرفين.
وقد جهد فقهاء القانون أنفسهم في محاولة تقريب وجهات النظر الفقهية والقانونية بين العقل الغربي والواقع الإسلامي المتمثل بالنظم والحكومات الإسلامية وعطاء المفكرين والفلاسفة المسلمين، فهل وفقوا في ذلك؟
أولاً: القانون الدولي في الإسلام
إن الإسلام دين عقيدة وعمل، ونصوصه في القرآن والسنة هي بالوضوح الكافي في إقرار المبادئ والتمسك بالموضوعية في العلاقات الإنسانية، بغض النظر عن الصياغات التعبيرية. لذلك فإن الشريعة الإسلامية هي شريعة مرنة تسمح بإقرار شرعية النظم والقوانين التي تخالف مبادئها.
ونجد الفقه الإسلامي قديماً لم يدخر وسعاً في تنظير تصرفات عملية في مجال العلاقات الدولية تحت مبادئ نظرية، قد تختلف في صياغتها عن نظريات القرن العشرين الذي اتسم باتساع مجال العلاقات الدولية السلمية. ومحك شرعية الصياغات الحديثة للمبادئ الدولية لا يكمن في القياس الظاهري على النظريات الفقهية الإسلامية، وإنما يرتبط بالقياس الموضوعي على مبادئ الدين الإسلامي والأسس الشرعية فيه.
وقد كان القانون الدولي في الإسلام دائماً جزءاً من الشريعة العامة. وصفته الإلزامية لم تكن أبداً موضع أقل شك. وقد تعرض الفقهاء لبحثه في باب السير. وهذه جمع سيرة، ومعناها لغة: الطريقة. أما في الاصطلاح الشرعي فقد استعملت هذه الكلمة لمسلك الدولة في المغازي، لأنها تجمع (سير النبي (ص) وطرقه في مغازيه، وسير أصحابه وما نقل عنهم في ذلك). وبهذا المعنى استعمل الإمام أبو يوسف كلمة (السير) في كتابه (الرد على سير الأوزاعي) واستعملها الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابيه (السير الصغير) و(السير الكبير).
وكذلك تعرض الفقهاء لبحث مواضيع القانون الدولي أحياناً في باب الجهاد والمغازي، أو في أبواب أخرى متفرعة؛ كالغنائم وأهل الذمة واختلاف الدارين والجزية والخراج وما شابه.
وبناء على هذا الرأي، كان للقانون الدولي الإسلامي نفس المصادر الشرعية التي كانت لأي فرع آخر من فروع الفقه، وهي نصوص القرآن والسنة، وإجماع الفقهاء، والقياس والاستحسان، أو ما قام مقامه من الأدلة العقلية والنقلية.
ويمكننا تعريف القانون الدولي الإسلامي تعريفاً أولياً بأنه: "مجموعة القواعد والأحكام في الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها الدولة الإسلامية في علاقاتها مع الدول الأخرى".
وفي ضوء هذا التعريف، يتبين لنا بعض سمات هذا القانون الدولي الإسلامي وخصائصه، فهو جزء من القانون الداخلي للدولة الإسلامية، وإرادتها هي أساس التزامها به، وأنه ينظم علاقاتها مع غيرها من الدول. فلابد من توضيح هذه السمات والخصائص:
الخاصية الأولى:
القانون الدولي الإسلامي جزء من القانون الداخلي للدولة الإسلامية، وهذه هي خاصيته الأولى. والقانون الداخلي للدولة الإسلامية هو الشريعة الإسلامية فقط ولا شيء غيرها، فهي التي تنظم جميع علاقاتها بغض النظر عن طبيعة هذه العلاقات وموضوعها وأوصاف أطرافها، فسواء كانت العلاقة بين أفراد أو بينهم وبينها، أو بينها وبين غيرها من الدول، وسواء كان موضوع العلاقة حقاً خاصاً أو عاماً، فإن هذه العلاقات جميعاً ينظمها القانون الداخلي أي الشريعة الإسلامية، فمن البدهي أن تكون علاقاتها مع الدول الأخرى محكومة بالقانون الإسلامي، وبكلمة أدق؛ الجانب منه المتعلق بهذا النوع من العلاقات.
هذا، وإن الدولة الإسلامية لا تملك الخروج على ما يقرره قانونها الإسلامي، وإلا فقدت صفتها الإسلامية. ولهذا يقول الفقهاء في تعريف دار الإسلام الدار التي تجري عليها أحكام الإسلام، ويأمن من فيها بأمان المسلمين سواء أكانوا مسلمين أم ذميين، ودار العهد هي دار غير المسلمين الذين ارتبطوا مع المسلمين بعهد الأمان المؤقت العام، أما دار الحرب فهي الدار التي لا تجري عليها أحكام الإسلام، ولا يأمن من فيها بأمان المسلمين.
ويترتب على هذه الخاصية أن قواعد القانون الدولي الإسلامي، شأنها شأن قواعد أحكام المعاملات في الشريعة، قواعد قانونية بالمعنى الصحيح، لها جزاؤها المقرر في الشريعة، وتطبقها محاكم الدولة على كل نزاع يدخل في نطاقها، ولا يفقد قانونيتها والتزام الدولة الإسلامية بها عدمُ اعتراف الدول الأخرى بها، لأنها من قانونها الداخلي، وقانون الدولة الداخلي لا يتوقف نفاذه والتزام دولته به على اعتراف الدول الأخرى به، كما أن عصيان أحكام الشريعة ومخالفتها من قبل الدول الأخرى، لا يسوغ للدولة الإسلامية مخالفة الشريعة، لأن مخالفتها معصية، ولا متابعة ولا اقتداء بالعصيان[(3)].
الخاصية الثانية:
وأساس التزام الدولة الإسلامية بالقانون الدولي الإسلامي هو إرادتها فقط، لا ما تطبقه الدول الأخرى، وعلى هذا؛ فما يوجد عند الدول الأخرى من قواعد في موضوع العلاقات الدولية لا يلزم الدول الإسلامية ولا يعد من قواعد قانونها الدولي إلا إذا أرادته ورضيت به صراحة، كما في المعاهدات، أو ضمناً كما في العرف، ومن البدهي أن إرادتها مقيدة بحدود الشريعة وأحكامها، فإذا اختارت ورضيت بما هو خارج عن هذه الحدود كان رضاها باطلاً لا يلزمها بشيء، حتى لو كان ما رضيت به مشروطاً عليها في معاهدة هي طرف فيها.
الخاصية الثالثة:
ومفاد هذه الخاصية للقانون الدولي الإسلامي أنه ينظم علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول الإسلامية، فهو في أصله وطبيعته ومنذ نشأته الأولى يتجه إلى هذه العلاقات؛ لأن المفروض في دولة الإسلام أن تكون واحدة لا متعددة[(4)].
وعندما نتحدث عن (قانون دولي إسلامي)، فإننا نحمل هذا الفرع من العلوم أكثر مما يحتمل، ذلك لأن إضفاء الصفة الدينية على القانون الدولي- إسلامياً كان أو مسيحياً- يضعه في مرتبة القداسة، ويقسم العالم إلى مجموعات دولية متقابلة على أساس ديني، علماً بأن التعدد الديني لا يتنافى مع الوحدة الإنسانية العالمية. هذا بالإضافة إلى أن قواعد القانون الدولي، بما فيها القواعد الفقهية، هي معطى عقلي؛ حتى ولو كانت مؤسسة على أحكام الشريعة الإسلامية. فالاجتهاد الإسلامي أبدع في فقه المعاملات بين الدول والجماعات، غير أنه كان ثمة اختلافات كثيرة بين فقهاء المسلمين الكبار حول عدد من قواعد السلم والحرب.
إلى ذلك نقرأ عناوين عدة لمقاربة قواعد القانون الدولي العام في ضوء الشريعة، منها على سبيل المثال: الفقه الدولي العام، الإسلام والقضايا الدولية، الفقه الدولي في الإسلام، الإسلام وقانون الشعوب... ونفضل في هذا الحقل استعمال المصطلح: القانون الدولي في الإسلام للدلالة على مضمون تلك القواعد في إطار التعاون الإنساني، والأخوة الإنسانية داخل الدار العالمية الواحدة.
ويمكن تقسيم الدراسات حول القانون الدولي الإسلامي إلى ثلاث فئات:
الأولى : المؤلفون الذين لديهم معرفة جيدة بالقانون الدولي، واطلاع مناسب على الشريعة الإسلامية، ويسعون إلى مقارنة المفاهيم الإسلامية بالمبادئ العامة للقانون الدولي. « وإذا لم يستطيعوا أن يجدوا أحكاماً تتساوق مع الموضوع، وهو ما يحدث كثيراً، فإنهم يستخلصون هذه الأحكام بأنفسهم استناداً إلى تفسيرهم للكتاب والسنة. ومن ثم فإنهم يعنون عناية كبيرة بالموضوعات النظرية، من قبيل مصادر القانون الدولي الإسلامي، وطبيعة قواعده، والشخصية القانونية الدولية، والسيادة، والمعاهدات ونحوها ». ويبذلون جهوداً لإيجاد حلول مناسبة لتلك المشاكل، وإثبات أن القانون الدولي الإسلامي قابل للتطبيق في العصر الراهن، وأنه لا يوجد تناقض حقيقي بينه وبين القانون الدولي الغربي.
الثانية : أولئك المؤلفون الذين لا يملكون معرفة بالقانون الدولي، وأغلبهم ذو خلفية علمية دينية، « فلا يخوضون في نظريات وأفكار القانون الدولي الوضعي بشكل متعمق. وينطلقون من النظرية التقليدية في الشريعة، ويعيدون تفسيرها وترتيبها لكي يصوغوها في قالب يستلهم نسق الغرب إلى حد يقل أو يزيد ».
وغالباً ما يتحدثون بلغة تراثية تدعمها نصوص ومعايير فقهية وأصولية بما يلائم توجههم.
الثالثة : هم الفقهاء المعاصرون الذين يشعرون بالحاجة إلى طرح رأي الإسلام بالقضايا التي تعنى بالشؤون الدولية. ويسعون لتطوير نظريات جديدة لهذه المسائل تعتمد على الأحكام الإسلامية من خلال الاجتهاد الذي يمكن بواسطته التعامل مع القضايا الدولية وإعطاء رأي الإسلام بها. فثمة عديد من القضايا الدولية التي يمكن إدراجها بسهولة في القانون الدولي الإسلامي، اعتماداً على أحكام معينة أو تطبيقاً لقواعد معروفة على قضايا جديدة.
ثانياً: الإسلام والمنظور المعاصر للقانون الدولي
بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1918م بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وقعت بقية الأقاليم الإسلامية تحت الاحتلال الأجنبي. فأصبح نصف العالم الإسلامي تحت الاحتلال البريطاني والنصف الآخر تحت الحكم الفرنسي والهولندي والإيطالي والإسباني. ولم يأت عام 1920 حتى قررت عصبة الأمم فرض الانتداب على العراق وسورية وفلسطين والأردن ومصر تنفيذاً للقرار الدولي. وفي السنوات اللاحقة بذل المسلمون تضحيات جسيمة من أجل نيل الاستقلال، وعندما حققت هذا الهدف أرادت ممارسة حقوقها بما تتطلبه منها شخصيتها الدولية، فأخذت تعقد الاتفاقيات، وتنضم إلى المعاهدات والمنظمات الدولية.
ولما كان القانون الدولي المطبق في هذه المنظمات والمعاهدات يستند أساساً إلى قواعد وأعراف غير إسلامية، ولما كانت الحكومات والدول التي أقيمت بعد الاستقلال دولاً قومية وعلمانية، فلم تكن ثمة صعوبات أو مشاكل فيما يتعلق بطبيعة التعامل مع القانون الدولي. ولكن بعد الصحوة الإسلامية وتأسيس أول جمهورية إسلامية عام 1979، وسعي عديد من الأنظمة والحكومات إلى الانسجام مع القواعد والتعاليم الإسلامية بدأت إثارة بعض التساؤلات والإشكالات حول تعامل الإسلام مع القانون الدولي، أي هل من مانع شرعي وفقهي من القبول بالتعامل مع مبادئ القانون الدولي؟ وهل الأفضل التعامل معه أم تأسيس قانون دولي إسلامي؟ وهل تختلف مبادئ القانون الدولي ومصادره عن مصادر القانون الدولي الإسلامي؟
يرى بعض الباحثين أن مصادر القانون الدولي الإسلامي، بموجب مفاهيم القانون الدولي المعاصر، تتفق عموماً مع القواعد الكلية التي حددها الفقهاء المعاصرون وفقهاء القانون، والمنصوص عليها في القانون الأساسي لمحكمة العدل الدولية. ويمكن جمع هذه المصادر في أربع فئات: العرف والسلطة والعقد والعقل. فالسنّة والعادات المحلية هي ما نسميه بالعرف. وأما القرآن الكريم والسنة الشريفة فهي المصدر الذي نسميه السلطة. وأما المبادئ والقوانين التي كانت تتضمنها المعاهدات التي كان يبرمها المسلمون مع غيرهم من الشعوب، فإنها تمثل مبدأ العقد. وأما المؤلفات الفقهية التي ترتكز على مصادر الشريعة فهي التي تمثل العقل.
مقارنة المصادر:
لدى مقابلة أدلة التشريع الإسلامي بمصادر القانون الدولي الحديث، نلحظ بينها بعض التشابه، على نحو ما نوضحه فيما يلي:
أولاً- النصوص:
إن الذي يبحث في شريعة الإسلام يجد أن مصادر القانون الدولي، باعتبارها من صنع مختلف الدول على تباين واختلاف أصولها وانتماءاتها، مشروعة في ذاتها من الوجهة الإسلامية، أما الذي يمكن أن يوصف بعدم المشروعية فليست المصادر ذاتها، وإنما بعض مضامين القواعد التي تنتج عن هذه المصادر، فالمصادر باقية ومشروعة، ونتاجها متغير، كثير منه مشروع، ومنه ما هو مجحف يجب العمل على تغييره.
إن النصوص بوصفها مصدراً للقانون الدولي الحديث، تشمل التشريع الداخلي، والوثائق الرسمية، والتعليمات الحكومية التي تصدر لتوجيه المحاكم أو الموظفين في العلاقات والقضايا الدولية. وهي تشمل أيضاً التشريع الدولي المستمد من الاتفاقيات العامة أو المعاهدات التشريعية، من أمثال ميثاق عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات مؤتمر لاهاي لسنتي 1899 و1907، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، واتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949.
فهذه النصوص، بوصفها مصادر للتشريع الحديث، يمكن أن نقارنها بالنصوص المقدسة للتشريع الإسلامي، التي تتألف من الكتاب والسنة. ويدخل في السنة كثير من المعاهدات التي عقدها النبي (ص) بخصوص مسائل الصلح ومعاملة أهل الذمة. وقد سار خلفاء النبي (ص) على سيرته في معاهدات شبيهة، وفي التعليمات التي أصدروها لتوجيه الولاة وقواد الجيش.
ثانياً- العرف ومبادئ العدالة:
إن المبادئ العامة المبنية على العرف والعادة وعلى تحكيم الرأي والعقل وعلى العدالة المطلقة تعد من مصادر القانون الدولي الحديث، وهذه المبادئ تفسرها أحياناً وتكملها مؤلفات مشاهير العلماء الدوليين، وتؤيدها وتثبتها السابقات القضائية أو القرارات التحكيمية.
إن المبادئ العامة للقانون، المتمثلة في القواعد المشتركة التي تعارفت عليها مختلف النظم القانونية فيما يتعلق بالعدل والإنصاف ومناصرة الضعيف، مما لاشك فيه أنها مشروعة على مستوى جميع الشرائع، وأولها الشريعة الإسلامية لأنها مبادئ متعارف عليها منذ القدم، ولا ننسى في هذا المقام أن نذكر بأن رسول الله محمداً (ص)، كان يثني دائماً على حلف الفضول الذي عقد بين القبائل قبل الإسلام لإعلاء مبدأ مناصرة الضعيف، والتضامن لدفع الاعتداء عن المعتدى عليه، وقد شارك بنفسه وهو صبي في الدفاع عن قبيلة معتدى عليها، فكان يناول السهام للمحاربين، في حرب سميت بحرب الفجار[(5)].
وقد سلمت بهذه المصادر محكمة العدل الدولية بقولها:
وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقاً لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا الشأن:
(أ) الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفاً بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.
(ب)العادات الدولية المرعية المعتبرة بمنزلة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.
(ج) مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة.
(د) أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم، ويعد هذا أو ذاك مصدراً احتياطياً لقواعد القانون، وذلك مع مراعاة أحكام المادة 59.
1 - لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق أطراف الدعوى على ذلك[(6)].
وكذلك الشرع الإسلامي، يعد العرف والعدالة أسساً لأدلة الفقه الفرعية، وهي إجماع الفقهاء والقياس والاستحسان والاستدلال والمصالح المرسلة وما شابهها[(7)].
وفي خضم التغيرات السريعة والكبيرة معاً في الوضع الدولي واستشراف الجميع نحو نظام عالمي جديد، وأهمية وضع المسلمين الذين يزيد عددهم على المليار في هذه القضية، يبدو ملحاً تحديد رؤية معاصرة للمسلمين في العلاقات الدولية.
ولا يتسع المجال للتعرض لجميع مفردات هذا الموضوع الشائك دفعة واحدة، ومن الطبيعي أن نتناول الموضوع على مرحلتين: نبدأ في الأولى منهما بإبراز بعض المسائل المحورية المهمة، مرجئين إلى مرحلة تالية رسم الصورة الكاملة المفصلة.
وفي إطار متطلبات هذه المرحلة تبدو أهمية بحث النقاط التالية:
لا يزال البعض يظن أن ليس للشريعة الإسلامية كلمة في مجال العلاقات الدولية، وعلى وجه الخصوص أن ما يسمى بالقانون الدولي الإسلامي ليس إلا بعض الوصايا الواردة في الشريعة الإسلامية التي لا تعد قانوناً دولياً؛ حيث لم يجر الاتفاق عليها بين المسلمين وغيرهم.
إن اهتمام الشريعة الإسلامية بالعلاقات الدولية أمر واضح من حيث المبدأ، فما دامت دعوة الإسلام عالمية فلا بد من بلورة رؤيته للعلاقات مع العالم.
من المعروف أن العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي تتنازعه نظريتان؛ تقول إحداهما بتبعية القانون الداخلي للقانون الدولي في هيكل العلاقات التدرجية بين القواعد القانونية؛ إذ إن القانون الدولي هو الذي يحدد عناصر الدولة، ومن ثم يعطي الشرعية للدول التي تكتمل لها هذه العناصر، في حين يذهب الرأي الآخر إلى أن القانون الدولي لم يصل بعد من النضج إلى أن يصبح مهيمناً على القانون الداخلي، وآية ذلك استمرار مبدأ سيادة الدول، وحاجة المعاهدات الدولية إلى التصديق من المؤسسات الدستورية في كل دولة كي يصبح نافذ المفعول.
وإذا كان هذا الرأي وارداً الآن، وبعد عدة عقود من نشأة المنظمات الدولية التي تسعى نحو إقامة حكومة عالمية، فإنه من الطبيعي أن يكون هذا الرأي هو الرأي الوحيد الذي يمكن في ظله ضمان احترام الدول للمبادئ القانونية في علاقتها الخارجية خلال القرون الماضية، ومن هنا كان التعبير بالقانون الدولي الإسلامي عن شق من أحكام الشريعة الإسلامية التي تنظم علاقة دولة الإسلام بغيرها تعبيراً سائغاً ولا غبار عليه.
ومما يؤكد نظرة الإسلام في هذا الموضوع أن نتذكر أن دولة الإسلام ذاتها خاضعة للشريعة الإسلامية، فالشريعة هي التي أنشأت الدولة، وهي التي تضبط تصرفاتها. وليست الدولة هي التي تنشئ الشرائع والقوانين كما في النظم الأخرى، ويكفي أن نشير إلى حادثة الجيش الذي التزم بقرار قاضي المسلمين بناء على شكوى أهل سمرقند.
2- من الأمور التي ينبغي توضيحها: عدم شرعية استخدام القوة لنشر الدعوة الإسلامية، فقد وردت النصوص الصريحة في عدم الإكراه على اعتناق الدين، وأن واجب المسلمين هو مجرد التبليغ.
وإذا كان قد وقع في الماضي استخدام للقوة لإزالة العقبات التي تحول دون حرية الرأي وتبليغه؛ وهو ما أوجد شبهة في أن حروب الفتح كانت لفرض الإسلام بالقوة، فلم يعد وارداً التفكير حالياً في هذا الأمر؛ حيث إن تحقيق المقصد -وهو نشر الدعوة- أصبح ممكناً وعلى نطاق واسع؛ عبر وسائل الإعلام التي لا تعترف بالحدود بين الدول، والتي تصل بها الكلمة المسموعة والصورة المرئية خلال ثوان إلى أطراف الأرض.
3- ولا ينفي ذلك وجود الجهاد، وهو فريضة على المسلمين للدفاع عن حقوقهم إذا انتهكت، وهو أمر قريب من الحالات التي يجيز فيها القانون الدولي الحالي استخدام القوة، ومن أبرزها حالة الدفاع الشرعي الفردي والجماعي المنصوص عليها في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وصياغة الأمر على هذا النحو تحتاج إلى تفصيل يبين أحكام الجهاد، ليس هنا موضعه.
4- ومما يحتاج كذلك إلى إعادة نظر: إبراز الظرف التاريخي الذي قسم فيه الفقهاء المسلمون العالم إلى دار إسلام ودار حرب ودار عهد، فالمواجهة الشاملة بين المسلمين وغيرهم في فترة المد الإسلامي، والتي استمرت في زمن المد الغربي الذي تلاها كان طبيعياً أن تترجم إلى أحكام تتعلق بوضع المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام وتصرفاتهم من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، بسبب أن هذه الشريعة لها طابعها الشخصي المستمد من العقيدة، والتوفيق بين هذا الطابع الشخصي وبين السيادة الإقليمية للدول هو الذي أبرز هذا التقسيم.
ولا مجال هنا للمقارنة مع موقف (غروسيوس) ومَن تلاه من فقهاء القانون الدولي بعد ذلك بعدة قرون، الذين تصوروا أن العالم قسمان: قسم متمدن هو الدول المسيحية التي أنشؤوا لها القانون الدولي، وقسم همجي هو باقي الدول، وإذا كان لا بد من إجراء المقارنة، فلذلك تفصيل لا يتسع له هذا المجال.
وإذا أخذنا في الاعتبار الظرف التاريخي لهذا التقسيم إلى دار إسلام ودار حرب ودار عهد، فإننا نجد أن العلاقات التي تربط الدول الآن بعضها ببعض تحتم علينا إعادة النظر في هذا التقسيم؛ إذ أصبح الأصل في العلاقات الدولية أنها علاقات دار العهد، وانحسر نطاق دار الحرب إلى الدول التي يوجد بينها وبين بلاد المسلمين حالة حرب فعلية.
5- من الأمور التي ينبغي إبرازها تلك القواعد الإنسانية التي حوتها الأحكام الشرعية والتي سبقت معاهدات جنيف بصدد حماية المدنيين والأسرى وغيرهم لقرون طويلة، والتي فصلت أحكامها كتب الفقه وخصصت لها بعض المؤلفات، ككتاب (السير) لمحمد بن الحسن الشيباني.
6- ومما يحتاج إلى بيان، استجابة لما نصت عليه المادة 38 ج 3 من ميثاق الأمم المتحدة في اعتبار المبادئ القانونية العامة المتعارف عليها بين الدول مصدراً من مصادر القانون الدولي، نفض الغبار عن القواعد الفقهية الكلية التي تمثل المبادئ العامة في الشريعة الإسلامية، والتي غفل المعاصرون من علماء المسلمين عن الاهتمام بها، وإبراز دورها في هذا المجال المهم.
7- وأخيراً فهناك الدور الرسالي للأمة الإسلامية، الذي يحدد هدفها في المجتمع الدولي، ويستلزم أن يكون لمجموعة الدول الإسلامية في المجال الدولي رأي في مشاكل العالم الحالية يتفق وهذا الدور الرسالي إن لم ينطلق منه، وبهذا تؤدي الأمة الإسلامية، ممثلة بهذه الدول، دورًا فعالاً في دفع المجتمع الدولي نحو العدالة والسلام[(8)].
ثالثاً: دور المسلمين في تأسيس القانون الدولي
لا ريب أن العرب منذ القرن السابع للميلاد وما بعده، حتى إبان القرون الوسطى، كانوا المجلين في ميدان الحضارة والعلوم والتجارة الدولية. ومعلوم أن الغرب قد احتك بهم منذ القديم بواسطة صقلية والأندلس وغيرهما من الممالك المحيطة، واقتبس منهم كثيراً. ثم ازداد هذا الاحتكاك والاقتباس إبان الحروب الصليبية وما بعدها، وأهم ميادين اقتباس الغرب عن العرب ميدان التجارة الخارجية، وميدان العلوم بجميع أنواعها ولاسيما في القانون التجاري والدولي[(9)].
في مجال العلاقات الدولية، وتحديداً في فقه القانون الدولي، ثمة إشارات في مراجع مختلفة إلى دور الشيباني وأثره في الفكر الغربي الأوربي، فضلاً عن آثار غيره من فقهاء المسلمين الكبار.
* الشيباني و(السير الكبير):
لقد عالج الفقهاء المسلمون قواعد العلاقات الخارجية في فقه السير[(10)] الذي يعني مسلك الدولة في المغازي، بدءاً من مغازي الرسول (ص) إلى سير أهل بيته وأصحابه[(11)]. وقد توقفوا عند مسائل الجهاد، الحرابة، العهد، الأمان، الصلح، الغنائم، العلاقة مع أهل الذمة، الموادعة، إقامة الحدود، دار الحرب، دار السلام، السبايا، الخراج، العشر، الغزو، أهل البغي، أهل الردة... وغير ذلك من مسائل الحرب والسلم.
إن مجرد التفكير بوضع قواعد لهذه المسائل من خلال الفقه الإسلامي يشير إلى أن المسلمين وضعوا قواعد للعلاقات الدولية منذ القرن السابع الميلادي، أي قبل نحو ألف سنة من انطلاقة القانون الدولي الحديث في أوربة. وما تزال قواعد الحرب والسلم- بصفة عامة- هي التي تختصر قواعد العلاقات الدولية والقانون الدولي في عصرنا. إنه تصنيف مستمر ومتراكم من خلال معطيات حضارية إنسانية كان فيها للمسلمين دور مركزي متميز.
إن عصر الشيباني[(12)] في القرن الثاني للهجرة يؤكد تطور الفقه الإسلامي وازدهاره، فقد احتل هذا الفقه مكانة متقدمة في عصره وفي العصور اللاحقة، حيث احتفظ بصفة المؤسس.
كما أثر أبو يوسف[(13)] في فقه الشيباني، وهو الذي استعمل (السير) في كتابه (الرد على سير الأوزاعي). فالإمام (عبد الرحمن الأوزاعي)[(14)] كتب في السير أيام العصر الأموي استناداً إلى السنة النبوية، وإلى قرارات الحكام في ذلك العصر، ويبدو أبو يوسف في عرضه لسير الأوزاعي مقارناً بين فقه أبي حنيفة وفقه الأوزاعي، ولا يخفى بعد ذلك أن الإمام الشافعي[(15)] راح يعرض خلافه في الرأي مع أبي حنيفة وأبي يوسف، ويبدو أكثر قرباً من آثار الأوزاعي.
عالج الأوزاعي قبل الشيباني أحكام الحرب، متوقفاً عند معاملة أفراد العدو وعند توزيع الغنائم.
أما أبو حنيفة[(16)] فهو الواضع لأحكام علاقات المسلمين بالعالم الخارجي مستنداً في فقهه إلى القياس.
في مضمار فقه أهل البيت يبرز فقه الإمام جعفر الصادق في العبادات والمعاملات، ويمكن العودة إلى فقهه في الجهاد ووجوبه، المرابطة، الموقف من الحربي والذمي، صورة القتال الحربي، الأسرى والغنائم، أهل البغي، الأمر بالمعروف...[(17)].
لقد تأثر العالم الإسباني (سواريز) ( Francisco Suarez ) (1548- 1617) بالفكر الإسلامي وبالقواعد الدولية التي وضعها العرب والمسلمون. وبدوره أثر (سواريز) في علم وفكر رائد القانون الدولي في الغرب ومحامي هولندة العام ومؤرخها الرسمي (غروسيوس) ( Hugo de Groot ) (1583 - 1645) الذي عاش في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والذي وضع مؤلفاً عن قانون الحرب والسلم أهداه إلى (لويس الثالث عشر) في عام 1623 بعدما وضع مؤلفاً عن حرب البحار في العام 1609[(18)]. وبذلك مهد (غروسيوس) للتأليف حول قانون العلاقات الدولية الذي صار يعرف بالقانون الدولي العام.
* هل تأثر (غروسيوس) بأفكار الشيباني؟
تشير بعض المراجع إلى أن (غروسيوس) كان منفياً إلى الأستانة سنة 1640، ومن المحتمل أنه قد اتصل بالفكر الإسلامي من خلال هذا الموقع[(19)].
بيد أن وفاة (غروسيوس) بعد ثلاث سنوات من وجوده في الأستانة تترك علامة استفهام حول هذه المعلومة، علماً بأن أهم كتاباته جاءت قبل هذا التاريخ.
مهما يكن من أمر، فإن العلاقات بين الشرق والغرب، وتحديداً بين العالم الإسلامي والعالم الأوربي ظلت قائمة ومتفاعلة وتطورت بعد الاكتشافات البحرية، ومن الثابت أن الغرب الأوربي أفاد كثيراً من الفكر الإسلامي، سواء في الأندلس أو في صقلية أو غيرهما من نقاط التماس والتفاعل.
ومما لاشك فيه أن الشيباني احتل مكانة مرموقة إسلامياً وغربياً، فقد أخذت تنشر دراسات معاصرة عن فقهه ودوره في وضع القواعد الدولية، ومن المعروف أن عدداً ممن تأثروا بالشيباني من علماء العرب والمسلمين عاشوا في الغرب أو انتقلوا إليه مدة من الزمن، فحصل تفاعل عالمي- إنساني يؤسس لجعل العلاقات الدولية قائمة على قواعد القانون لا على شريعة القوة وحدها. وفي هذا المضمار يبرز أثر الشريعة الإسلامية من حيث استنادها إلى فكرة المصلحة العامة للإنسانية بعيداً عن شريعة الغاب، وإن كان هذا الأثر في العلاقات الدولية يحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث.
وقد اعترف المستشرقون للشيباني بمكانة خاصة، حتى إن المستشرق النمساوي (جوزيف هارمر فون برغشتال[(20)]/ J.Hammer Von Purgstall ) نعته بأنه "غروسيوس[(21)] المسلمين"، وورد هذا النعت على لسان مستشرق ألماني هو (هانس كروزه[(22)]/ Hans Kruse ) الذي لم يكتف بذلك، بل أسس عام 1375هـ/ 1955م جمعية أسماها (جمعية الشيباني للقانون الدولي). ومن هنا يجدر بنا أن نتذكر بأن الشيباني توفي سنة 189هـ/ 804م، في حين كانت وفاة الفقيه الهولندي (غروسيوس) الذي يعد مؤسس القانون الدولي العام في سنة 1055هـ/ 1645م، وهكذا يكون الشيباني قد سبقه بما يزيد على ثمانية قرون من الزمان. ومهما يكن الحال، فالشيباني يعد من أبرز الفقهاء المسلمين الذين كتبوا في العلاقات القانونية الإسلامية مع الشعوب الأخرى، بل هو واضع القانون الدولي الإسلامي.
ثم تطور علم السير بعد ذلك متأثراً بالتطورات الدولية كالحروب على مدى قرون عديدة (ومنها الحروب الصليبية) وتجلى هذا التطور على أيدي عديد من العلماء، وفي مقدمتهم أحد معاصري الشيباني، وأعني به الإمام الشافعي (ت 204هـ/ 819م) ومحمد بن أحمد السرخسي (ت 491هـ/1097م)[(23)] شارح كتاب الشيباني آنف الذكر، وأحمد بن محمد بن سلمة الطحاوي (ت321هـ/933م) في كتابه المسمى (كتاب المختصر) الذي نشر في القاهرة سنة 1950[(24)]، وابن تيمية[(25)] (ت 728هـ/1367م) في كتابه "السياسة الشرعية".
وهكذا فإن الإسلام سبق القانون الدولي الأوربي، ليس في تاريخ وجوده فحسب، بل في كثير من أحكامه ومبادئه، ولا سيما فيما يتصل بمبدأ الشرف الدولي والعدالة الإنسانية والسلم العالمي[(26)]، خصوصاً إذا تذكرنا بأن الشريعة الإسلامية تقوم على عقيدة تلزم المسلم بتنفيذ أحكامها، بخلاف القانون الدولي الوضعي؛ إذ يقوم خلاف كبير بين شراح هذا القانون حول مدى إلزاميته، فهو بنظرهم مجرد مبادئ يمكن للدول الخروج عليها، بل إن بعضهم يعد أحكامه -كما أسلفنا- قاصرة على الدول النصرانية، ولذلك تأخر اعتراف الدول الأوربية بعضوية الدول العثمانية في الأسرة الدولية إلى أواسط القرن الماضي، مع أنها كانت تحتل في بعض الفترات أقاليم واسعة من أوربة، حيث كان تفكير دول العالم النصراني[(27)].
ونحن في عالم اليوم مازلنا نعاني من تشنجات ومكائد ومؤامرات الشعوب والدول الأخرى ضدنا، وتركز في ذلك فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وسقوط الشيوعية وهزيمتها على أرض الواقع، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وتوالت الإعلانات الرسمية والتصريحات من كبار المسؤولين في أوربة وأمريكة، أنه لم يبق بعد سقوط الاشتراكية إلا الإسلام بصفته عنصر مواجهة وتخطيط له، لإضعافه في الساحة الدولية بمختلف الوسائل. وما المحاولات السلمية في الشرق الأوسط إلا مقدمة لفرض التفوق الإسرائيلي في المنطقة وخدمة المصالح الاستعمارية، أو في منطقة الخليج (حرب 1990 وحرب 2003)، وكذلك الوضع في البوسنة والهرسك، وأفغانستان وغيرها من البقاع الإسلامية.
وهذا كله جعلنا نختار بحث "أثر الإسلام في تطوير مبادئ وقواعد القانون الدولي العام"، وقد استخدمنا عدة مناهج للاستعانة بها في هذه الدراسة:
- منهج التحليل السياسي في مضمار السياسة الدولية، حيث يجري تحديد وتفصيل عناصر الظاهرة السياسية تمهيداً لمعرفة مدى ترابطها أحياناً من خلال نظرية في العلاقات الدولية، أو من دون نظرية.
- المنهج التاريخي الذي يستند بقوة إلى الوثائق والمخطوطات القديمة، والذي يعيد الظاهرة السياسية الدولية، أو القاعدة القانونية الدولية إلى سياقها التاريخي.
- منهج الدراسة المقارنة الذي يقابل بين أحكام فقهية وقواعد قانونية وضعية، توخياً للاستنتاج والربط والتحليل.
حاولنا في هذه الدراسة، استناداً إلى هذه المناهج، شرح العلاقات الدولية والقانون الدولي في الإسلام، كما جاءت في عصور ماضية؛ انطلاقاً من العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية والاجتهادات الفقهية. ثم عمدنا إلى المقارنة بين تلك المحددات وما يقابلها في القانون الدولي العام، وصولاً إلى خصائص العلاقات الدولية الحالية.
وقد ارتأينا تقسيم موضوع مساهمة الإسلام في بناء السلام وتعزيز قواعد سلطان القانون الدولي العام من خلال تقسيم هذا الموضوع إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: العلاقات الدولية الإسلامية في وقت السلم.
القسم الثاني: العلاقات الدولية الإسلامية في وقت الحرب.