تخطي إلى المحتوى

الشيخ علي الدقر ..رجل أحيا الله به أمة

20% خصم 20% خصم
السعر الأصلي $7.00
السعر الأصلي $7.00 - السعر الأصلي $7.00
السعر الأصلي $7.00
السعر الحالي $5.60
$5.60 - $5.60
السعر الحالي $5.60
*يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء. *ومن الناس ناس نشروا الدعوة في الآفاق من دون قصد لذلك، سوى أنهم قدّموا في حياتهم وتعاملهم نموذجاً يدفع الآخرين للاقتداء بهم. *أما الشيخ علي الدقر فقد أصّل لوضع أسس لمذهب في الحياة، لا يقوم على الأخذ بالعلم فحسب، ولا على العناية بالعربية أيضاً.. وإنما خرّج أعلاماً أضافوا إلى ما عند العلماء حُرقة تنبع من القلب، جعلتهم دعاة حالٍ ومقال، نذروا أنفسهم لهداية الناس، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من المصطفين الأخيار. *خرّج الشيخ علي الدقر جيلاً متشبعاً بروح الإخلاص، متمثلاً برسالة يحملها، يبذل من نفسه للآخرين، لا يطلب منهم جزاء ولا شكوراً. ولذلك أحيا الله به وبأمثاله من العلماء الأعلام أمماً أنقذوا الناس من الضلال.

المؤلف
التصنيف الموضوعي
232 الصفحات
17x24 القياس
2010 سنة الطبع
978-9933-10-145-9 ISBN
0.35 kg الوزن

مقدمة الحمد لله حمد الشاكرين على نعمة الظاهرة والباطنة، والصلاة والسلام على رسول الهداية محمد صلى الله عليه وسلم . وبعد: فأنا واحد من المدينين لسيدي الداعية المربي الشيخ علي الدقر مؤسس الجمعية الغراء، أعلى الله منزلته في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً؛ مدين له بطريق تلامذته الذين قرأت عليهم، فساروا على نهجه، وتابعوا مسيرته وظلوا أوفياء له، رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة. أذكر منهم من كان لهم عليّ فضل مباشر في التربية والتوجيه والعلم، وبما أفاضوا على روحي من روحانيتهم، سيدي الشيخ عبد الرحمن الطيبي الزعبي، وسيدي الشيخ أحمد نصيب المحاميد، وسيدي الشيخ خالد الجباوي أنزل الله عليهم شآبيب رحماته ورضوانه. ثم تهيأت لي جلسات لزمتها مع معلّم من نوع آخر، هو المفكر الأستاذ محمد عدنان سالم شيخ الناشرين بدمشق مدّ الله في عمره وأمتعه بسربال العافية، وهو بعد من تلاميذ مدارس الجمعية الغراء، الذين نشؤوا على تربيتها وتأثروا بما غرست فيهم من أفكار صافية، فعملتُ بمعيته زمناً وما زلت، وأخذت عنه فكراً نيراً، وتأدبت بآدابه، نفعني الله بها في أسلوب تفكيري. وهو - حفظه الله - وإن كان مجلسه مجلس علم في إصدار الكتب ونشرها، إلا أنه كثيراً ما كان يخلطه بأحاديث تطول في موضوعات هامة ودقيقة حول التراث، ومسائل الحداثة، وقضايا الساعة وآراء المفكرين المعاصرين والمحدثين.. فتهيأ لي بصحبته ما لم يتهيأ لكثيرين، فخلطت التراث بالمعاصرة، والقديم بالجديد، والأصالة بالجدّة.. مما يستلزم مني مداومة الشكر حتى آخر العمر[(2)]. كان هؤلاء الأعلام على ذروة الإخلاص، لم يطلبوا دنيا لذاتها، ولم يسعوا إليها، دأبوا على نشر العلم بصدق، ما وسعهم الجهد، فكان كل واحد منهم مدرسة في العلم والزهد والعمل والتصوف والاستقامة، كما كان لكل منهم طعم خاص ومشرب متميز، مع أنهم متحوا من معين واحد. وكان هؤلاء الشيوخ فهموا حقيقة الإسلام على أنه دين الوسط والاعتدال، البعيد عن الغلو والشطط والمصادمة والمجافاة والتنفير، وعلى أنه شريعة نزلت للتطبيق في الدنيا من أجل حياة هانئة، وللفوز في الآخرة برضوان الله تعالى. ولم يكن شيوخي هؤلاء وحدهم في طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم، بل كان زملاؤهم في الطلب آخرون على نهجهم من تلاميذ الشيخ علي الدقر، وربما كان بعضهم أبعد أثراً منهم. تشرفت بهم، وإن لم أكن في حلقاتهم، من أمثال سادتي الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وقد كنا نزوره أحياناً بصحبة شيخنا الشيخ عبد الرحمن، وكذلك الشيخ نايف العباس، جار أستاذنا الشيخ خالد جباوي في غرفته بجامع باب المصلى، وهو من بلده، والشيخ حسن حبنكة الميداني الذي قامت الميدان لأجله قومة رجل واحد، وتلاميذه كثيرون.. وقائمة من أعلام التقى ونجوم الهدى، أشرنا إليهم في كتاب علماء دمشق وأعيانها في القرن الرابع عشر الهجري[(3)]. ولقد تساءلت وأنا أستعرض سيرة هؤلاء الهداة رحمهم الله جميعاً: أي مورد ذلك الذي صدروا عنه؟ ما سره؟ ما شأنه؟ أهو العلم الذي رفع أقدارهم؟ أم الإخلاص الذي غلّف أعمالهم؟ أم الزمن المواتي؟ أم الأسلوب الموفق؟.. أم كل أولئك معاً؟! إن نهضة سيدي الشيخ علي الدقر - أعلى الله منزلته في الفردوس - بالنجاح الذي أصابته في مدى سنوات قصار، والاستمرار الذي استمرته على تراخي عقود متتابعة لأمرٌ يلفت النظر، ويحتاج إلى وقفة متأنية تجسد هذا السر الذي ما تزال آثاره باقية إلى اليوم، ويحتاج إلى قلم يؤرخ له، فلا يُنسى. وحينما شرعت بالكتابة - بعدما أَجَلْتُ الموضوع في خاطري، وكنت عزمت عليه من زمان طويل - اجتمعت إلي مصادر قليلة، كتبتْ عن نهضة الشيخ، وعن الجمعية. مصادر تحتاج - على أهميتها - إلى روافد أخرى تغذيها، لأنها تضع بين يدي المؤرخ أسئلة شتى عن تفاصيل ضرورية، ليُكمل بها صورة ناقصة من صور العرض، أو يصحح أخرى شوهتها الأيام.. ولهذا وجدتني أجمع إلى هاتيك النثارات التي وقعت عليها مما كُتب، أحاديث كان شيوخنا - جزاهم الله عنا أوفر الجزاء - يتحدثون بها عرضاً في مجالسهم، وبين طلابهم. يذكرون تلك الأيام التي انقضت بالوفاء لها. ووقعتُ مع تلك الأحاديث على بقايا من حقائق تحتاج إلى تنسيق وحمع وترتيب.. وإلى خيط بعد ذلك ناظم. رتبت ذلك كله، ثم استعنت بما عند ناس كبار، وعت ذواكرهم أحداثاً مهمة أفدت منها، ليكون هذا البحث. وربما كانت تلك المشافهات من أهم ما في هذا الكتاب من معلومات. وقد توضع على رأس القائمة من أسماء الذين رفدوني بالمهم من المعلومات الصديق الأستاذ منذر الدقر، قدم لي أشياء كثيرة كانت لباباً في الموضوع، ولم يدخر وسعاً فيما قدّم، وقد فتح صدره لي بما حفظ من أخبار وما نقله من معلومات عن أبيه أحد أعمدة النهضة، الشيخ أحمد الدقر. ثم كانت جلسات مفيدة مع الأستاذ فاروق الطباع[(4)]، فأكمل تفاصيل دقيقة نقلها كذلك عن رجال من آل الطباع الذين كانوا يكتنفون شيخ النهضة ويكونون معه. وأعانني بوثائق هامة جلّت لي جوانب الموضوع، وأجابني عن أسئلة اعتملت في نفسي من خلال البحث فأضاء الصورة وزادها وضوحاً. فمن هو الشيخ علي الدقر؟ وماذا كان وراء نهضته؟ ما سر نجاحه؟ وما كانت أعماله؟ هذا الكتاب يضيء صفحات من تلك الأيام الحافلة بالعطاء، أقدمها وفاء لأولئك الشيوخ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعاشوا حياة مبرورة، وماتوا راضين مرضيين.. رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة. والحمد لله رب العالمين نزار أباظة دمشق 5 صفر الخير 1430هـ 31 كانون الثاني 2009م الحياة العامة بدمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين أتى على دمشق منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أحداث صعبة، ونزلت بها مصائب أثرت فيها تأثيراً سيئاً، فأحلّت بالناس ضيقاً شديداً، وفتكت بهم.. فابتلاهم الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات.. وعاشت المدينة عيش الصابرين حقبة مديدة من الزمان. تسلّط عليها في الحكم أواخر أيام الأتراك حزب الاتحاد والترقي الذي أذلّ العباد، وحارب العربية، وطغى وبغى.. وعلق المشانق وتعقب الناس على الهفوات. وعلى عهده ذاك قامت الحرب العالمية الأولى التي استنزفت خيرات البلد، وأفقرت أهله، وجندت شبابه في معارك بعيدة قضوا فيها.. ثم جنى الحزب بعد ذلك خسراناً مبيناً في نتائج الحرب التي انسحب على أثرها من بلاد الشام نهائياً.. وحوّل الإمبراطورية المهابة الجانب إلى دولة لم يعد يحسب لها عدوها حساباً. ورافق ذلك العهد الأسود ويلات وخيمة، فقد اكتسح البلاد موجات من الجراد أتت على الأخضر واليابس، وتفاقمت من وراء ذلك مجاعة فظيعة، هلك بسببها ناس كثيرون لقوا حتفهم. ولم تنعم البلاد بالحرية إلا قليلاً مع مجيء الحكم العربي عام 1337هـ/1918م حتى جاءها بلاء الاستعمار الفرنسي عام 1339هـ/1920م. ولم يتقبل السوريون هيمنة الانتداب، فثاروا ثورتهم الشاملة، وبذلوا من أجلها أموالهم وراحتهم ودماءهم، وبقوا يجابهون مراوغة الفرنسيين حتى جلا هؤلاء عن البلاد بعد ست وعشرين سنة من الجهاد المستمر. قام بالثورة ناس كثيرون من الشرفاء، وكان المحرّض عليها والداعي لها أهل العلم والصلاح، على رأسهم محدّث الشام وشيخها الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب، كان لهم تخطيطهم وأثرهم في جميع المحافظات السورية لتقوم قومة رجل واحد. على أن الحركة الوطنية كانت حاضرة أيام الاحتلال تجابه الظلم، وتماحك الفرنسيين من خلال العمل السياسي والتحريض الشعبي.. فتألفت أحزاب وطنية جاهدت بإخلاص. كما قامت نزعات، اقتصر بعضها على أفكار هجينة، لم تلق قبولاً شعبياً، أو ربما دعا فريق منها إلى دعوات ضيقة إقليمية. استقطبت الأحزاب كلها طبقة معينة من الشعب، وشريحة منه، أو شرائح بذاتها، إلا أن دعوة علماء الشريعة جمعت إليها قاعدة جماهيرية واسعة، وأدت واجباً عظيماً في تخريج علماء انتشروا في البلاد، ونشروا علم الشريعة واللغة العربية، وارتقوا بكثير من الطلاب، وقدموا إليهم مع العلم تهذيباً وهدياً، وأخلاقاً تعرفُ الحلال والحرام.. وربطوهم بتاريخهم القديم ولغتهم. وغدا لكل عالم حلقته الخاصة وطلابه الذين يأخذون عنه العلم، ثم يتصدرون للتدريس في حياة شيخهم أو بعد وفاته، وعلى طريقته. وحين جلا الفرنسيون عام 1946م قام في البلاد حكم ديمقراطي اعتمد على أساس الانتخابات سنوات قليلة، تصارع خلالها الحزبيون من مختلف النزعات، وكان فيهم مخلصون للبلد.. لكن هؤلاء كلهم فوجئوا ببدعة ليست لها سابقة.. بدعة أول انقلاب عسكري، قام به حسني الزعيم عام 1369هـ/1949م، فأطاح بالحكومة الشرعية، واستبد بالسلطة، وفعل المضحكات، إذ لم يكن أهلاً لحكم ولا لسلطان.. ولكنه سنّ سنة الانقلابات السيئة التي عانت منها البلاد، وأخرت نهضتها بكل جوانبها. ومنذ أيام الانتداب الأولى عمل الفرنسيون على استنزاف الذهب والفضة من البلاد، وفرضوا عليها التعامل بالليرة الورقية، وكانت قبلُ لا تعرفها إلا قليلاً[(5)]، فتأثر الاقتصاد، وضعف رصيد المصرف المركزي، وقلّ ما بأيدي الناس من خيرات، وعاش كثير من الدمشقيين على الكفاف، بل دون الكفاف، وانتشرت البطالة. وكان همُّ رب الأسرة تأمين لقمة العيش لعياله.. وشاع الفقر. ولم يكن في دمشق من المدارس ما ينبغي أن يكون.. وكان القليل القليل من الناس من يصل إلى الثقافة الجامعية[(6)] إلى جانب ذلك أدى العلماء دورهم في نشر العلم كما أشرنا آنفاً. ومع هذا بالطبع فقد تأخرت أدوات الثقافة، وكانت الجرائد القليلة الصادرة تجاهد لتستمر، وما كانت جرائد قويّة وإنما تصدر وتتوقف، اللهم إلا بعض جرائد كانت لزمن الشيخ علي الدقر أول بزوغ دعوته، وهي أربع: المقتبس لمحمد كرد علي، والشعب لتوفيق جانا، وألف باء ليوسف العيسى، وفتى العرب لمعروف الأرناؤوط[(7)] ومنها جرائد هزلية ناقدة ساخرة تتوفر على نقد الحياة عموماً، والحياة السياسية خصوصاً[(8)]. وقلما كان يصدر إلى جانب هذه الصحف كتب محققة من التراث أو بأقلام العلماء. وما كان يحتاجه طلاب العلم كان يستورد على الأغلب من مصر.. وكذلك المصاحف تفد منها ومن تركية، ثم صارت تطبع هنا[(9)]. ومن ثم فلم تقم دور للنشر بالمعنى الصحيح إلا في خمسينات القرن العشرين. وكانت المكتبات التي تبيع الكتب المستوردة قليلة، محصورة في سوق المسكية قرب الجامع الأموي[(10)]. ومع هذا فإن الكتب التي ترد إلى دمشق كانت محدودة المواضيع، تلبي حاجات الحلقات والمدارس، وتركز على جانب معين من الثقافة[(11)]. ولم يكن بدمشق أواخر القرن التاسع عشر مكتبة وطنية عامة تتولى الدولة شأنها، حتى نهض بعض العلماء، وعلى رأسهم الشيخ طاهر الجزائري (-1920م)، فاستعان بقوة أحد الولاة المتنورين، فجمع مخطوطات الأوقاف المتناثرة، المعرّضة للسرقة، فأنشأ منها ومن كتب مطبوعة دار الكتب الظاهرية، كانت نواة لأول مكتبة وطنية، وأول مركز ومنتدى ثقافيين رسميين. ثم قام إلى جانبها في المدرسة العادلية صرح المجمع العلمي العربي الذي أسس عام 1338هـ/1919م، فنهض باللغة العربية، وأحياها بعدما حجر عليها الأتراك الاتحاديون. والحق أن المجتمع في دمشق كان متحمساً للغة العربية، يؤمن بها كل الإيمان، لأنها لغة القرآن، فلم تمض مدة بعد انسحاب الأتراك حتى تحول الناس إلى العربية بسهولة ويسر[(12)]، ولا يخفى في هذا الجانب أثر العلماء في حلقاتهم. وقد عرف اهتمام الشيخ علي الدقر بعلوم العربية، إذ كان دافعه إلى العناية بها دافعاً دينياً، وكانت كتب النحو والصرف والبلاغة واللغة مقررة في مناهجه إلى جانب مصنفات الشريعة. ومنذ بدايات الحلقات عنده؛ الأمر الذي ميّز تلامذته بتمكنهم الفائق باللغة الأم. ولعل الغيرة على العربية كذلك دفع الشباب المتحمسين إلى إقامة مشروع مكافحة الأمية الذي قام على أيدي الأهالي، وتخلّص بسببه كثيرون من أميتهم، اندفعوا في مشروعهم قبل أن تفكر الدوائر الثقافية الرسمية به. وكانت دمشق بلدة محافظة متمسكة بالتقاليد في حياتها اليومية، والنساء قلما يغادرن بيوتهن، فإن خرجن لحاجة ضرورية ظهرن متسترات متجلببات بالثياب السود، مستورات الوجه بالمناديل، لا يختلطن بالرجال. وكان الناس يؤدون الفرائض من صلاة وصيام، وكان الدين غضاً شائعاً، وجمهور العامة من المحافظين، مع سيطرة عادات وتقاليد تبعد عن الدين يظنها كثير من العامة منه، وهي ليست من أصوله. وكان من أراد من الشباب أن يزيغ في الضلال اقترف المآثم بالستر، ولم يجاهر بالمعصية.. خوفاً من أن يجلب السمعة السيئة لأسرته. ولم يكن يُعرف الفحش ولا التفحش حتى ابتدع الفرنسيون بيوت الدعارة، وسمحوا بها في مكان معين بشارع البدوي، الذي كان مقصد المنحرفين، وهي بيوت قلدت الأوروبيين.. وعمت الطرق الصوفية؛ فقد أدخل الشيخ خالد النقشبندي الطريقة النقشبندية لما استقر بدمشق مهاجراً إليها من بلاد الأكراد في القرن التاسع عشر[(13)].. وجاءت الطريقة الشاذلية مع المغاربة الذين توطنوا هذه البلدة قبل مجيء الأمير عبد القادر الجزائري[(14)].. وكان هو يأخذ بجانب عظيم من التصوف، ويعنى بكتب الشيخ محيي الدين بن عربي.. وعرفت دمشق طرقاً صوفية أخرى. وسنتعرض بشيء من التفصيل للحديث عن الطريقة التجانية التي أخذ بها الشيخ علي الدقر، وما جرّت على المدينة من فتنة نجاها الله منها بعد شدّة. ومع أن المجاعة والفقر اجتاحا دمشق أيام الحرب العالمية الأولى، كما أشرنا آنفاً إلا أن الصبر كان ديدنها، وكانت تحضِّر منذ ذلك الوقت للخروج من الأزمة، والتخطيط لحركة تجارية كانت تقودها غرفة تجارة دمشق التي نشطت نشاطاً غير عادي في عشرينات القرن الماضي. وقد قادت الغرفة مشروعات حيوية منها إدخال مياه عين الفيجة في منتصف العشرينات إلى البيوت التي كانت تشرب من نهر بردى المكشوف غير الصحي[(15)]. وشجعت على زراعة شجر التوت لتربية دود القز وصناعة الحرير، ووفرت المواصلات التجارية بين دمشق وميناء بيروت، وحرّكت عملية الاستيراد والتصدير. كما أسست الغرفة مدرسة الصنائع لنشر الحرف المفيدة، والمدرسة التجارية لتخريج طلاب مضطلعين بأمور التجارة والحسابات على الوجه الصحيح. وشهد القرن العشرون في أربعيناته نهضة اقتصادية شاملة، قامت بها شركات هامّة، غالبها بمساهمة المواطنين[(16)]، فأقيمت مصانع لمواد استهلاكية ضرورية انتعشت لها البلاد، وضاهى كثير منها البضائع الأجنبية، وحافظت على جزء كبير من أموالها. وأتاحت فرص العمل لقسم كبير من المتبطلين، ورفعت مستوى الدخل القومي[(17)].. كما انتعشت البلاد من قبل بصناعات النسيج اليدوية والآلية التي وفرت احتياجات البلاد، وفاض منها فوائض أخذت دمشق تصدر منه وتجني أرباحاً مفيدة. كذلك راجت تجارة تصدير الفواكه والخضار، آنذاك. لكن هذه المعامل ما لبث أن تعثرت في أواخر الخمسينات حين دخلت سورية أنظمة التأميم التي لم تجن من ورائها ما كان خطط له.. وكانت تجتاح البلدة كل حين جائحات الهيضة (الكوليرا) أو الملاريا، أو غيرها.. لكن الأمراض العارضة كانت تعالج لدى الأطباء المعروفين الذين يتخرجون في المعهد الطبي الذي أسس في نهايات القرن التاسع عشر[(18)]. إلى جانب الطب الشعبي الذي يمارسه العطارون والمجبرون الشعبيون، والقابلات الجاهلات.. مما رفع معدّل الوفيات عموماً. ولا ينكر جهود الأطباء الدمشقيين الذين خرَّجهم المعهد المذكور، ولا فضل معامل الأدوية التي قام بها بعض المواطنين وعلى رأسهم الصيدلاني الفذ عبد الوهاب القنواتي الذي أسس معمله عام 1348هـ/1929م، وقريبه عبد الرحمن القنواتي وكذلك الدكتور صلاح الدين الكواكبي، إلى جانب الصيدليات التي كانت في الحقيقة معامل صغيرة للأدوية. أما الحركة الفنية في دمشق فقد كانت في ركود، نشطت في القرن التاسع عشر بظهور أبي خليل القباني ومسرحه المبتكر، فلقي حرباً من بعض العلماء والأعيان للخوف من الجديد، ورأت الحكومة أن تتقرب إليهم، فأمرت بإغلاقه، ورحل الرجل إلى مصر، وكان من أمره ما كان، ثم عاد إلى دمشق فمات بها في أوائل القرن العشرين. قال محمد كرد علي: وتأخر ظهور المسرح بعده أكثر من أربعين عاماً. وكانت فرق مسرحية من لبنان ومصر تفد إلى دمشق تقدم عروضها.. ولم تكن هناك مظاهر فنية غير المسرح لتظهر على السطح إلا على قلّة؛ لا تشكل شيئاً ذا بال. هذا هو الوضع العام الذي قامت فيه نهضة الشيخ علي الدقر، سقناه بإيجاز شديد لإلقاء الضوء على البيئة المحيطة، وقد تجاوزت النهضة كل المصاعب.. وأنشأت جيلاً يؤمن بالله والوطن، ويحمل رسالة تقوم على أخلاق الإسلام.. وغيرت في المجتمع تغييراً هاماً.. وإليها يعود الفضل في تحريك الركود وتجاوز كثير من التخلف الاجتماعي وخصوصاً في الأطراف. %1 الشيخ علي الدقر سيرة حياة ما أدري والله كيف سيعيش هذا الولد، وكيف سيصير إذا كبر؟ (والد علي الدقر) وما درى أن القدر خبأ له حياة عريضة لن تكون لكل أحد (علي الطنطاوي)

الشيخ علي الدقر من الذاكرة الأستاذ محمد عدنان سالم جنازة صامتة تتهادى وسط حشد كبير من الرجال والولدان، ورذاذ مطر خفيف، كأنه دموع السماء تنثرها فوق رؤوس المشيعين.. تلك هي الصورة التي ما زالت تقفز إلى ذهني كلما ذكر اسم الشيخ علي الدقر، ولما استقر في ذاكرتي؛ طفلاً يتأهب لامتحانات الشهادة الابتدائية لعام 1363هـ/1943م، وكانت تلك الشهادة يومها تمنح على رأس خمس سنوات من الدراسة الجادة، إثر امتحانات تحريرية وأخرى شفهية، يمثُل الطالب ذو الاثني عشر عاماً فيها أمام لجنة من كبار المتخصصين في كل فنٍّ؛ لا يسألونه ماذا حفظ من الكتاب المدرسي، بقدر ما يحاولون أن يتعرفوا ماذا وعى من المادة الدراسية خارج الكتاب المقرر، ليقرروا بعد ذلك ما إذا كان قد خرج من التعليم الأساسي بحصيلة تشهد له بأنه قد أصبح راشداً ومؤهلاً لمتابعة دراسته في المراحل التالية. كانت (سعادة الأبناء) التابعة للجمعية الغرَّاء التي أسسها الشيخ علي الدقر في جامع تنكز بدمشق، هي المدرسة التي احتضنت طفولتي وإخوتي، والتي كنا نباهي بها لداتنا من أبناء الأقرباء والجيران، لما كانت تحظى به من سمعة تسابق بها المدارس التبشيرية كالفرير والفرنسيسكان. لم يكن نظام معلم الصف - الذي يعلم كل شيء - مطبقاً في أيامنا، بل كنا نتلقى كل مادة من كبار أساتذتها المتخصصين؛ فمعلم للحساب (الرياضيات)، وآخر للإملاء، وثالث للقواعد، ورابع للقراءة، وخامس للقرآن، وسادس لدروس الدين، وسابع للغة الفرنسية، ومدربون للخط وللرسم وللرياضة البدنية، ومشرفون على حصص المكتبة، ونشاطات المطالعة الحرة والخطابة، وأكثر ما كان يسعدنا أن يتم اختيار أحدنا لإلقاء كلمة أمام ندوة أوليائنا في لقائهم الدوري المنتظم شهرياً.. ولم يكن كل ذلك متاحاً لطلبة المدارس الرسمية.. حتى تدريس اللغة الفرنسية كان يبدأ عندنا في سعادة الأبناء من السنة الثالثة قبل سنة من بدء تدريسها في المدارس الرسمية. وعلى الرغم من كل هذا الرقي لمناهج التعليم في سعادة الأبناء الذي كان بتوجيه وتخطيط من مؤسسها الشيخ علي الدقر، فإننا لم نسعد بلقائه في المدرسة، إذ كان المرض قد أقعده في بيته.. بضع مرات فقط كان والدي يصطحبني فيها لزيارته، فأراه شيخاً جليلاً مضطجعاً على أريكة؛ يتحدث إلى زواره من تلاميذه الذين غدوا كبار علماء دمشق، ومن محبيه ومريديه من أعيانها ودعاتها، وكان تقبيل يد الشيخ وطلب دعائه حين يتاح لي، يشعرني بسعادة غامرة، هي كل ما أذكره من مجلسه المهيب. بعد اجتيازي امتحانات الشهادة الابتدائية بنجاح، قام والدي بإجراءات تسجيلي في (التجهيز الأولى) كما كانت تسمى آنذاك، ثم أطلقوا عليها اسم ثانوية جودت الهاشمي فيما بعد، وكان يشار إليها بالبنان، إذ خرَّجت معظم النخب التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي، وتتأهب لإدارة الدولة والمجتمع بعد رحيله، ثم خلا والدي بي ليضع في يدي وثيقة تسجيلي في تلك الثانوية، وليسرّ إلي بسرٍّ ظلّ دفيناً في صدره كل هذه الأعوام؛ قال: كنت - عندما رزقني الله تعالى بك - قد دعوتُ الشيخ علي الدقر وتلاميذه لعقيقتك، وكان يوماً مباركاً مشهوداً؛ علت فيه الأصوات بالمدائح النبوية، والكلمات الإرشادية، والأدعية الربانية، ولفرط تأثري بمشهد طلبة العلم المعممين قلت للشيخ عند وداعه: أشهدك أني قد نذرتُ ولدي هذا للعلم الشرعي، فكان هذا نذري الذي يلزمني ولا يلزمك، فإن شئت أن تمضيه لي فأنت بالخيار، وهذه وثيقة تسجيلك في التعليم العام بيدك. قلت لوالدي على الفور: بل أنفذه، وأعُدُّ نذرك نذري، فلم أرَ بعد ذلك - في حياتي - أكثر بركة ونجاحاً من هذا الخيار، وفقني الله تعالى فيه للجمع بين الحسنيين وزيادة، إذ حصلت على الشهادة الثانوية في التعليم العام قبل سنة من تخرجي في معهد العلوم الشرعية، وانتسبت للجامعة، فكنت في الوقت ذاته طالباً في السنة الأولى من كلية الحقوق، وطالباً في السنة الأخيرة من المعهد الشرعي. وأفاء عليَّ تعليمي الشرعي ملكةً في علوم العربية والدين، مازالت تطبع ثقافتي، وتمدني بفكرٍ يسَّر لي الله فيه أن أبصر مستقبل أمتي بعينين، إحداهما مفتوحة على التراث تستدعيه وتدرك عمقه وجذوره، وأخرى متطلعة إلى مستجدات العلوم وآفاق المستقبل؛ تحللها وتصهرها في بوتقة التراث ومعاييره الراسخة. ولقارئي هنا أن يتساءل: هل أنا أكتب له مقدمة لسيرة الشيخ علي الدقر، أم أكتب سيرة ذاتية لأحد تلامذته؟! لا بأس فما أنا إلا فسيلة من غرس الشيخ، تنتمي إلى الجيل الذي لم يتح له أن يتلقى مباشرة عنه، فأكرمه الله تعالى بالتلقي عن تلامذته من الجيل الأول.. الجيل المبارك الذي لم ينهل من الشيخ علي الدقر علمه فقط، بل نهل منه أخلاقه وإخلاصه وحرقته وتفانيه وزهده وإيثاره، وبذل - بدوره - جهده في رفد تلامذته بذلك كله. ولم أدرك حجم هذا الجيل إلا بعد خوضي معترك الحياة العلمية، فما توجهت إلى بلد من البلدان المجاورة في سورية وخارجها إلا وجدت فيها غراساً من غرس الشيخ، تنشر العلم، وتنشر معه الفضيلة والأخلاق لمرضاة الله ونهضة المجتمع، تدريساً على المقاعد، وخطابة على المنابر، ومشياً في إصلاح الناس وإصلاح ذات بينهم. وثمة أمر آخر لم أكتشفه إلا بأخَرَةٍ، وبعد تعدد مدارس العلم الشرعي، هو إتقان التحدث باللغة العربية الفصيحة، حتى صرت أحدد المدرسة التي تخرج بها المتحدث، فإن كان متقناً لها ملتزماً بقواعدها في حديثه، نسبتُه إلى مدارس الشيخ علي الدقر، فلا يخيب ظني، لما أعرف من كَلَفِ هذه المدارس باللغة العربية، تعدها مدخلاًً لسائر العلوم، لا يصح الدخول إليها إلا من بابها. عجبت لهذا العدد الكبير من تلامذة الشيخ الذين تفرقوا في الأمصار، في بقاع لبنان والأردن وحوران، كيف اكتشفوه وكيف اجتمعوا عليه، ثم علمت أن الشيخ هو الذي اكتشفهم. لقد أرَّق الشيخ ما رآه من إدبار أهل المدن عن العلم الشرعيِّ، وأشعره ذلك بخطر خلو مقاعد الدرس الديني ومنابره من الأكفياء المؤهلين لشغلها، فكان اجتذاب طلبة العلم هاجسه الذي يبذل له ماله وراحته، ويجوب القرى والأرياف بحثاً عنهم، فلا يعود منها إلا بحفنة تلو حفنة، يوفر لهم المأوى والزاد، يبذل لذلك من ماله، ومن أموال الخيرين الذين التفوا حوله.. يدرِّسهم في المساجد، ومنها تخرج الجيل الأول، متشبعاً بروحانية المساجد، متمثلاً رسالتها، ثم كانت الجمعية الغراء بمدارسها المتعددة للبنين والبنات، تسير على المناهج التي رسمها لها. يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يُفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء، ومن هؤلاء أناسٌ نشروا دعوة الإسلام في الآفاق من دون قصد لذلك سوى أنهم قدموا في حياتهم وتعاملهم مع الناس نموذجاً يدفع الناس للاقتداء بهم. لكن الشيخ علي الدقر ومن تخرج بمدرسته أضافوا إلى النموذج حُرقة، جعلتهم دعاة حالٍ ومقالٍ؛ نذروا أنفسهم لهداية الناس متمثلين قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعَم»[(1)]، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من عباد الله المصطفين الأخيار: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 35/32] . محمد عدنان سالم 2 /10/1429هـ = 2/10/2008م الشيخ علي الدقر من الذاكرة الأستاذ محمد عدنان سالم جنازة صامتة تتهادى وسط حشد كبير من الرجال والولدان، ورذاذ مطر خفيف، كأنه دموع السماء تنثرها فوق رؤوس المشيعين.. تلك هي الصورة التي ما زالت تقفز إلى ذهني كلما ذكر اسم الشيخ علي الدقر، ولما استقر في ذاكرتي؛ طفلاً يتأهب لامتحانات الشهادة الابتدائية لعام 1363هـ/1943م، وكانت تلك الشهادة يومها تمنح على رأس خمس سنوات من الدراسة الجادة، إثر امتحانات تحريرية وأخرى شفهية، يمثُل الطالب ذو الاثني عشر عاماً فيها أمام لجنة من كبار المتخصصين في كل فنٍّ؛ لا يسألونه ماذا حفظ من الكتاب المدرسي، بقدر ما يحاولون أن يتعرفوا ماذا وعى من المادة الدراسية خارج الكتاب المقرر، ليقرروا بعد ذلك ما إذا كان قد خرج من التعليم الأساسي بحصيلة تشهد له بأنه قد أصبح راشداً ومؤهلاً لمتابعة دراسته في المراحل التالية. كانت (سعادة الأبناء) التابعة للجمعية الغرَّاء التي أسسها الشيخ علي الدقر في جامع تنكز بدمشق، هي المدرسة التي احتضنت طفولتي وإخوتي، والتي كنا نباهي بها لداتنا من أبناء الأقرباء والجيران، لما كانت تحظى به من سمعة تسابق بها المدارس التبشيرية كالفرير والفرنسيسكان. لم يكن نظام معلم الصف - الذي يعلم كل شيء - مطبقاً في أيامنا، بل كنا نتلقى كل مادة من كبار أساتذتها المتخصصين؛ فمعلم للحساب (الرياضيات)، وآخر للإملاء، وثالث للقواعد، ورابع للقراءة، وخامس للقرآن، وسادس لدروس الدين، وسابع للغة الفرنسية، ومدربون للخط وللرسم وللرياضة البدنية، ومشرفون على حصص المكتبة، ونشاطات المطالعة الحرة والخطابة، وأكثر ما كان يسعدنا أن يتم اختيار أحدنا لإلقاء كلمة أمام ندوة أوليائنا في لقائهم الدوري المنتظم شهرياً.. ولم يكن كل ذلك متاحاً لطلبة المدارس الرسمية.. حتى تدريس اللغة الفرنسية كان يبدأ عندنا في سعادة الأبناء من السنة الثالثة قبل سنة من بدء تدريسها في المدارس الرسمية. وعلى الرغم من كل هذا الرقي لمناهج التعليم في سعادة الأبناء الذي كان بتوجيه وتخطيط من مؤسسها الشيخ علي الدقر، فإننا لم نسعد بلقائه في المدرسة، إذ كان المرض قد أقعده في بيته.. بضع مرات فقط كان والدي يصطحبني فيها لزيارته، فأراه شيخاً جليلاً مضطجعاً على أريكة؛ يتحدث إلى زواره من تلاميذه الذين غدوا كبار علماء دمشق، ومن محبيه ومريديه من أعيانها ودعاتها، وكان تقبيل يد الشيخ وطلب دعائه حين يتاح لي، يشعرني بسعادة غامرة، هي كل ما أذكره من مجلسه المهيب. بعد اجتيازي امتحانات الشهادة الابتدائية بنجاح، قام والدي بإجراءات تسجيلي في (التجهيز الأولى) كما كانت تسمى آنذاك، ثم أطلقوا عليها اسم ثانوية جودت الهاشمي فيما بعد، وكان يشار إليها بالبنان، إذ خرَّجت معظم النخب التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي، وتتأهب لإدارة الدولة والمجتمع بعد رحيله، ثم خلا والدي بي ليضع في يدي وثيقة تسجيلي في تلك الثانوية، وليسرّ إلي بسرٍّ ظلّ دفيناً في صدره كل هذه الأعوام؛ قال: كنت - عندما رزقني الله تعالى بك - قد دعوتُ الشيخ علي الدقر وتلاميذه لعقيقتك، وكان يوماً مباركاً مشهوداً؛ علت فيه الأصوات بالمدائح النبوية، والكلمات الإرشادية، والأدعية الربانية، ولفرط تأثري بمشهد طلبة العلم المعممين قلت للشيخ عند وداعه: أشهدك أني قد نذرتُ ولدي هذا للعلم الشرعي، فكان هذا نذري الذي يلزمني ولا يلزمك، فإن شئت أن تمضيه لي فأنت بالخيار، وهذه وثيقة تسجيلك في التعليم العام بيدك. قلت لوالدي على الفور: بل أنفذه، وأعُدُّ نذرك نذري، فلم أرَ بعد ذلك - في حياتي - أكثر بركة ونجاحاً من هذا الخيار، وفقني الله تعالى فيه للجمع بين الحسنيين وزيادة، إذ حصلت على الشهادة الثانوية في التعليم العام قبل سنة من تخرجي في معهد العلوم الشرعية، وانتسبت للجامعة، فكنت في الوقت ذاته طالباً في السنة الأولى من كلية الحقوق، وطالباً في السنة الأخيرة من المعهد الشرعي. وأفاء عليَّ تعليمي الشرعي ملكةً في علوم العربية والدين، مازالت تطبع ثقافتي، وتمدني بفكرٍ يسَّر لي الله فيه أن أبصر مستقبل أمتي بعينين، إحداهما مفتوحة على التراث تستدعيه وتدرك عمقه وجذوره، وأخرى متطلعة إلى مستجدات العلوم وآفاق المستقبل؛ تحللها وتصهرها في بوتقة التراث ومعاييره الراسخة. ولقارئي هنا أن يتساءل: هل أنا أكتب له مقدمة لسيرة الشيخ علي الدقر، أم أكتب سيرة ذاتية لأحد تلامذته؟! لا بأس فما أنا إلا فسيلة من غرس الشيخ، تنتمي إلى الجيل الذي لم يتح له أن يتلقى مباشرة عنه، فأكرمه الله تعالى بالتلقي عن تلامذته من الجيل الأول.. الجيل المبارك الذي لم ينهل من الشيخ علي الدقر علمه فقط، بل نهل منه أخلاقه وإخلاصه وحرقته وتفانيه وزهده وإيثاره، وبذل - بدوره - جهده في رفد تلامذته بذلك كله. ولم أدرك حجم هذا الجيل إلا بعد خوضي معترك الحياة العلمية، فما توجهت إلى بلد من البلدان المجاورة في سورية وخارجها إلا وجدت فيها غراساً من غرس الشيخ، تنشر العلم، وتنشر معه الفضيلة والأخلاق لمرضاة الله ونهضة المجتمع، تدريساً على المقاعد، وخطابة على المنابر، ومشياً في إصلاح الناس وإصلاح ذات بينهم. وثمة أمر آخر لم أكتشفه إلا بأخَرَةٍ، وبعد تعدد مدارس العلم الشرعي، هو إتقان التحدث باللغة العربية الفصيحة، حتى صرت أحدد المدرسة التي تخرج بها المتحدث، فإن كان متقناً لها ملتزماً بقواعدها في حديثه، نسبتُه إلى مدارس الشيخ علي الدقر، فلا يخيب ظني، لما أعرف من كَلَفِ هذه المدارس باللغة العربية، تعدها مدخلاًً لسائر العلوم، لا يصح الدخول إليها إلا من بابها. عجبت لهذا العدد الكبير من تلامذة الشيخ الذين تفرقوا في الأمصار، في بقاع لبنان والأردن وحوران، كيف اكتشفوه وكيف اجتمعوا عليه، ثم علمت أن الشيخ هو الذي اكتشفهم. لقد أرَّق الشيخ ما رآه من إدبار أهل المدن عن العلم الشرعيِّ، وأشعره ذلك بخطر خلو مقاعد الدرس الديني ومنابره من الأكفياء المؤهلين لشغلها، فكان اجتذاب طلبة العلم هاجسه الذي يبذل له ماله وراحته، ويجوب القرى والأرياف بحثاً عنهم، فلا يعود منها إلا بحفنة تلو حفنة، يوفر لهم المأوى والزاد، يبذل لذلك من ماله، ومن أموال الخيرين الذين التفوا حوله.. يدرِّسهم في المساجد، ومنها تخرج الجيل الأول، متشبعاً بروحانية المساجد، متمثلاً رسالتها، ثم كانت الجمعية الغراء بمدارسها المتعددة للبنين والبنات، تسير على المناهج التي رسمها لها. يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يُفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء، ومن هؤلاء أناسٌ نشروا دعوة الإسلام في الآفاق من دون قصد لذلك سوى أنهم قدموا في حياتهم وتعاملهم مع الناس نموذجاً يدفع الناس للاقتداء بهم. لكن الشيخ علي الدقر ومن تخرج بمدرسته أضافوا إلى النموذج حُرقة، جعلتهم دعاة حالٍ ومقالٍ؛ نذروا أنفسهم لهداية الناس متمثلين قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعَم»[(1)]، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من عباد الله المصطفين الأخيار: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 35/32] . محمد عدنان سالم 2 /10/1429هـ = 2/10/2008م مقدمة الحمد لله حمد الشاكرين على نعمة الظاهرة والباطنة، والصلاة والسلام على رسول الهداية محمد صلى الله عليه وسلم . وبعد: فأنا واحد من المدينين لسيدي الداعية المربي الشيخ علي الدقر مؤسس الجمعية الغراء، أعلى الله منزلته في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً؛ مدين له بطريق تلامذته الذين قرأت عليهم، فساروا على نهجه، وتابعوا مسيرته وظلوا أوفياء له، رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة. أذكر منهم من كان لهم عليّ فضل مباشر في التربية والتوجيه والعلم، وبما أفاضوا على روحي من روحانيتهم، سيدي الشيخ عبد الرحمن الطيبي الزعبي، وسيدي الشيخ أحمد نصيب المحاميد، وسيدي الشيخ خالد الجباوي أنزل الله عليهم شآبيب رحماته ورضوانه. ثم تهيأت لي جلسات لزمتها مع معلّم من نوع آخر، هو المفكر الأستاذ محمد عدنان سالم شيخ الناشرين بدمشق مدّ الله في عمره وأمتعه بسربال العافية، وهو بعد من تلاميذ مدارس الجمعية الغراء، الذين نشؤوا على تربيتها وتأثروا بما غرست فيهم من أفكار صافية، فعملتُ بمعيته زمناً وما زلت، وأخذت عنه فكراً نيراً، وتأدبت بآدابه، نفعني الله بها في أسلوب تفكيري. وهو - حفظه الله - وإن كان مجلسه مجلس علم في إصدار الكتب ونشرها، إلا أنه كثيراً ما كان يخلطه بأحاديث تطول في موضوعات هامة ودقيقة حول التراث، ومسائل الحداثة، وقضايا الساعة وآراء المفكرين المعاصرين والمحدثين.. فتهيأ لي بصحبته ما لم يتهيأ لكثيرين، فخلطت التراث بالمعاصرة، والقديم بالجديد، والأصالة بالجدّة.. مما يستلزم مني مداومة الشكر حتى آخر العمر[(2)]. كان هؤلاء الأعلام على ذروة الإخلاص، لم يطلبوا دنيا لذاتها، ولم يسعوا إليها، دأبوا على نشر العلم بصدق، ما وسعهم الجهد، فكان كل واحد منهم مدرسة في العلم والزهد والعمل والتصوف والاستقامة، كما كان لكل منهم طعم خاص ومشرب متميز، مع أنهم متحوا من معين واحد. وكان هؤلاء الشيوخ فهموا حقيقة الإسلام على أنه دين الوسط والاعتدال، البعيد عن الغلو والشطط والمصادمة والمجافاة والتنفير، وعلى أنه شريعة نزلت للتطبيق في الدنيا من أجل حياة هانئة، وللفوز في الآخرة برضوان الله تعالى. ولم يكن شيوخي هؤلاء وحدهم في طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم، بل كان زملاؤهم في الطلب آخرون على نهجهم من تلاميذ الشيخ علي الدقر، وربما كان بعضهم أبعد أثراً منهم. تشرفت بهم، وإن لم أكن في حلقاتهم، من أمثال سادتي الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وقد كنا نزوره أحياناً بصحبة شيخنا الشيخ عبد الرحمن، وكذلك الشيخ نايف العباس، جار أستاذنا الشيخ خالد جباوي في غرفته بجامع باب المصلى، وهو من بلده، والشيخ حسن حبنكة الميداني الذي قامت الميدان لأجله قومة رجل واحد، وتلاميذه كثيرون.. وقائمة من أعلام التقى ونجوم الهدى، أشرنا إليهم في كتاب علماء دمشق وأعيانها في القرن الرابع عشر الهجري[(3)]. ولقد تساءلت وأنا أستعرض سيرة هؤلاء الهداة رحمهم الله جميعاً: أي مورد ذلك الذي صدروا عنه؟ ما سره؟ ما شأنه؟ أهو العلم الذي رفع أقدارهم؟ أم الإخلاص الذي غلّف أعمالهم؟ أم الزمن المواتي؟ أم الأسلوب الموفق؟.. أم كل أولئك معاً؟! إن نهضة سيدي الشيخ علي الدقر - أعلى الله منزلته في الفردوس - بالنجاح الذي أصابته في مدى سنوات قصار، والاستمرار الذي استمرته على تراخي عقود متتابعة لأمرٌ يلفت النظر، ويحتاج إلى وقفة متأنية تجسد هذا السر الذي ما تزال آثاره باقية إلى اليوم، ويحتاج إلى قلم يؤرخ له، فلا يُنسى. وحينما شرعت بالكتابة - بعدما أَجَلْتُ الموضوع في خاطري، وكنت عزمت عليه من زمان طويل - اجتمعت إلي مصادر قليلة، كتبتْ عن نهضة الشيخ، وعن الجمعية. مصادر تحتاج - على أهميتها - إلى روافد أخرى تغذيها، لأنها تضع بين يدي المؤرخ أسئلة شتى عن تفاصيل ضرورية، ليُكمل بها صورة ناقصة من صور العرض، أو يصحح أخرى شوهتها الأيام.. ولهذا وجدتني أجمع إلى هاتيك النثارات التي وقعت عليها مما كُتب، أحاديث كان شيوخنا - جزاهم الله عنا أوفر الجزاء - يتحدثون بها عرضاً في مجالسهم، وبين طلابهم. يذكرون تلك الأيام التي انقضت بالوفاء لها. ووقعتُ مع تلك الأحاديث على بقايا من حقائق تحتاج إلى تنسيق وحمع وترتيب.. وإلى خيط بعد ذلك ناظم. رتبت ذلك كله، ثم استعنت بما عند ناس كبار، وعت ذواكرهم أحداثاً مهمة أفدت منها، ليكون هذا البحث. وربما كانت تلك المشافهات من أهم ما في هذا الكتاب من معلومات. وقد توضع على رأس القائمة من أسماء الذين رفدوني بالمهم من المعلومات الصديق الأستاذ منذر الدقر، قدم لي أشياء كثيرة كانت لباباً في الموضوع، ولم يدخر وسعاً فيما قدّم، وقد فتح صدره لي بما حفظ من أخبار وما نقله من معلومات عن أبيه أحد أعمدة النهضة، الشيخ أحمد الدقر. ثم كانت جلسات مفيدة مع الأستاذ فاروق الطباع[(4)]، فأكمل تفاصيل دقيقة نقلها كذلك عن رجال من آل الطباع الذين كانوا يكتنفون شيخ النهضة ويكونون معه. وأعانني بوثائق هامة جلّت لي جوانب الموضوع، وأجابني عن أسئلة اعتملت في نفسي من خلال البحث فأضاء الصورة وزادها وضوحاً. فمن هو الشيخ علي الدقر؟ وماذا كان وراء نهضته؟ ما سر نجاحه؟ وما كانت أعماله؟ هذا الكتاب يضيء صفحات من تلك الأيام الحافلة بالعطاء، أقدمها وفاء لأولئك الشيوخ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعاشوا حياة مبرورة، وماتوا راضين مرضيين.. رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة. والحمد لله رب العالمين نزار أباظة دمشق 5 صفر الخير 1430هـ 31 كانون الثاني 2009م

*يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء. *ومن الناس ناس نشروا الدعوة في الآفاق من دون قصد لذلك، سوى أنهم قدّموا في حياتهم وتعاملهم نموذجاً يدفع الآخرين للاقتداء بهم. *أما الشيخ علي الدقر فقد أصّل لوضع أسس لمذهب في الحياة، لا يقوم على الأخذ بالعلم فحسب، ولا على العناية بالعربية أيضاً.. وإنما خرّج أعلاماً أضافوا إلى ما عند العلماء حُرقة تنبع من القلب، جعلتهم دعاة حالٍ ومقال، نذروا أنفسهم لهداية الناس، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من المصطفين الأخيار. *خرّج الشيخ علي الدقر جيلاً متشبعاً بروح الإخلاص، متمثلاً برسالة يحملها، يبذل من نفسه للآخرين، لا يطلب منهم جزاء ولا شكوراً. ولذلك أحيا الله به وبأمثاله من العلماء الأعلام أمماً أنقذوا الناس من الضلال.