تخطي إلى المحتوى

مملكتي - مجموعة قصصية

20% خصم 20% خصم
السعر الأصلي $1.50
السعر الأصلي $1.50 - السعر الأصلي $1.50
السعر الأصلي $1.50
السعر الحالي $1.20
$1.20 - $1.20
السعر الحالي $1.20
ناولتهُ فنَّجان الشاي المعطَّر الذي يُحب، مع ملعقةٍ واحدة من السّكر، ووردة جوريّة حمراء قطفتها من الحديقة، آملة أن ينفذ شذاها إلى قلبه، فأقطف من شفتيه ابتسامة رضا، أو دعوة خير... تناولهُ من يدي وتمتم بشكرٍ لم أكد أسمعهُ يخرجُ من شفتيه بلا روح، وعيناه معلقتان على الطاولة. كم تمنيتُ في تلك اللحظة لو أنّه نظر في عيني، لأمطرتهُ بنظراتٍ حبّ وعتاب قديم... أنا التي ظننتُ العيشّ سيحلو بعد الزّّواج، وبنيتُ أحلامي الصّغيرة قلاعاً على رمالٍ قلبه في أيّام الخطبة...

المؤلف
التصنيف الموضوعي
84 الصفحات
20*12 القياس
2013 سنة الطبع
978-9933-10-362-0 ISBN
0.1 kg الوزن

عاشقٌ فريد
ناولتهُ فنجان الشّاي المعطّر الذي يُحب، مع ملعقةٍ واحدة من السّكر، ووردة جوريّة حمراء قطفتها من الحديقة، آملةً أن ينفذ شذاها إلى قلبه، فأقطف من شفتيه ابتسامة رضا، أو دعوة خير...
تناولهُ من يدي وتمتم بشكرٍ لم أكد أسمعه يخرجُ من شفتيه بلا روح، وعيناه معلقتان على الطاولة.
كم تمنيتُ في تلك اللحظة لو أنّه نظر في عيني، لأمطرتُهُ بنظرات حبّ وعتاب قديم...
أنا التي ظننتُ العيشَ سيحلو بعد الزّواج، وبنيتُ أحلامي الصّغيرة قلاعاً على رمالِ قلبه في أيّام الخطبة...
هاهو موجُهُ الجارفُ يطمسُ معالمها، فلا يُبقي منها سوى راية السّلامِ منكّسة بصمتٍ بعد رحيلِ العاصفة، تُحيطُ بها بعض القواقع والحصى، مبعثرة كمشاعري تماماً.
تركته مع عشقه الأوحد، وأغلقتُ الباب بهدوءٍ وانسحبتُ من الغرفة كعادتي معه منذ زمن.
تجوّلتُ بضجرٍ في أرجاء المنزل الفارغ إلا من حزني، وبقيتُ أتجرع آلامي..
تذكرتُ تحذير والدي يوم أعلنتُ عن موافقتي للزواج به، يومها قال لي مصارحاً: " ستشقين يا بنتي مع عاشق الكتب هذا، ولن تستطيعي امتلاك قلبه!".
ظننتُ في الأمر مبالغة، أو أنها كأيّة هواية يفضّلها المرء قبل زواجه، ثم لا يلبثُ فيتركها، وتشغله عنها الشواغل، حين تسكنُ قلبه امرأة.
كنتُ واثقة من قدرتي على تغييره كما أحب، وتفريغ ذلك الحب من قلبه وعقله في آنٍ معاً.
ولكن أيّان!!
لقد رافقتني تلك الكتبُ في كلّ لحظة من حياتي قضيتها معه. حتى في شهر الزواج الأول، اصطحبها وكانت ترافقه في أسفاره. حتى في أجمل أوقاتنا معاً، حين تستدرجنا الأحاديثُ الجميلة فنحلّق معها، كان يذكرها أمامي دون حرج، فيستشهدُ بحكمة كاتبٍ قرأها في كتابٍ يسمّيه، أو يستحضرُ نظرية مفكرٍ ما دوّنها في دفتره الخاص، ولعله يذكر اسم الصّفحة ودار النشر، فيستغرقُ في تفكيره لئلا تتوه عنه معلومة، أو تتوه عنه فكرة، ويدعني وحدي أتألم، ويغمرني شعورٌ بالفشل الذريع معه كزوجة؛ يوماً بعد آخر...
مضت أعوامٌ كثيرة على تلك الذكريات، امتلأت خلالها جدران بيتي بالكتب، وأنا التي حلمتُ دائماً أن أعلّق عليها أجمل اللوحات الفنّيّة، وأن أعرض على الرّفوف الخاوية أروع قطع الكريستال والخشب المنحوت والزهريّات وألوان الورود...
أيّام طويلة سُرقت من عمري لم أشعر خلالها أنني زوجته الوحيدة، لقد كانت المكتبة زوجته الثّانية التي شاطرتني حياتي معه، بل وتفوقت عليّ في كلّ الأحيان، حتى إنه ليخيّل إليّ بأنها تنظرُ إليّ ساخرة، كلما عاد من أسفاره حاملاً معه هدايا أتوقُ لأن تكون كما يتهادى النّاس، قطعة مجوهرات أو زجاجة عطر، لكنّ أملي يخيب دائماً، فلا أحصل إلا على كتابٍ تربوي، أو مجموعة قصصية، أو موسوعة علميّة، فأتقبلها باسمة، وأخفي في صدري أحزاني العتيقة!
في تلك الأيام التي مضت؛ دارت معارك كثيرة لي مع الكتاب، لم أخرج منها بأيّة نتيجة، حتى استسلمت، ورضيتُ بأن أكون على هامش حياته، أفرّغه للقاءاته بها، وأهديها أجمل لحظات عمري عن طيب خاطر.
ازدادت قناعتي أنه لن يكون لي يوماً، وانصرفتُ إلى حياةٍ أخرى، وجزيرة نائية عن عالمه.
زارتني يوماً إحدى الصّديقات الواعيات، وعرفت قصّتي وأسِفَت لحالي، لكنها همست لي بسرّ غيّر مجرى حياتي...
" اعرفي عدوّك" !!
قالتها ومضت في حال سبيلها، لتتركني وهواجسي...
كيف لم أفكر بهذا الأمر من قبل؟!
تردّد هذا السؤال كثيراً في داخلي..
لقد تغيّرت من يومها حياتي معه، وبات ينتظرُ قدومي بشوقٍ إلى مكتبه، يعتذرُ عن مواعيده المهمة من أجل أن يلقاني باسماً مسروراً، يفسحُ لي في مجلسه الوقت الأثمن والأغلى...
يقرّبني إليه، ويسمعني كلاماً حلواً عذباً لم أتوقع سماعه منه يوماً...
لقد كانت حقاً نصيحة غالية، عكفتُ بعدها على الكتبِ أقرأ وأستنبط، أحلل وأفهم، وأقتحمُ عليه عقله، أحاورهُ وأناقشهُ، أعقّب على آرائه، أعترضُ أحياناً وأوافق في أخرى...
أخبره بأنني مثله لي عقل يفكر...
نجحت الخطة، وفزتُ في المعركة، والمشكلة أنه بات يشتكي انشغالي عنه، وإدماني على مطالعة الكتب...
ولكن ما العمل؟!
لقد باتت بالنسبة لي أنا الأخرى... عشقي الأوحد..!!

- 2 -
ربَّ كتاب يطبّل له ويزمّر، ويقام له ويقعد، وآخر لا يدري به أحد، يُبطِل الزّمان الأول، ويُبقي الثّاني خالداً.
علي الطنطاوي- فكر ومباحث

لأنني متورّطة بعشقِ الكتابِ منذُ طفولتي، مؤمنة أن هذا العشق من النّوع الخالد الذي لا يزول حتى الرّمق الأخير من الحياة، أستشعره في أنفاسي وخفقات قلبي، متغلغلاً في خلايا جسدي وعروقي، في شغفي به شكلاً ومضموناً، في علاقتنا الحميمة التي عزّزتها الأعوام، وبنتها الأيّام، وقد نُقش على قلبي حبّه، حتّى بات يرافقني في يقظتي ومنامي، ويصحبني في تأملاتي وأسفاري، في النزهات البعيدة والقريبة، يسيطرُ على تفكيري في جولات التّسوّق، يأخذني بدهاء من أمام واجهات الأزياء المُغرية، إلى واجهات الثّقافة الأكثر إغراءً وفتنة، تارة يتقمّص دور المعلم، وأخرى يرتدي ثوب المُربّي، وثالثة يضع وسام المفكّرين، أو يأتي بطرائفِ الظرفاء، أو نوادر الأغبياء والحمقى، أجده ناصحاً أحياناً، وواعظاً في أخرى، وصديقا صدوقاً يفهمُ أفكاري ويُترجمها، يتولى تحليلها وترتيبها بأناقة، وبكل إتقان يعرضها، يُبكيني أحياناً، ويضحكني في أخرى، يدفعني للتّخيّل، أو يزجّ بي في قلب الحقائق، يصعقني بمفاجآتٍ لا تنتهي، ولا يكفّ عن تحضير المفاجآت من أجلي، يسيرُ بي عبر العصور، يحملني لمقابلة أهم الشّخصيات التي عاشت فيها، يمهّد لقاءاتي بها، ويُنصتُ لتساؤلاتي وأفكاري الكثيرة، ويدلّني على كتبٍ جديدة، تفتحُ الآفاق في طريقي، لتجعلني أعيشُ عالماً من سِحرٍ لا ينضب، وجمالٍ لا يزول، ومُتعة لا تنقضي، وفائدة لا تُحدّ!!
عاشقة للكتب، أعترفُ بعشقي، أتباهى به ولا أخجل، لأنه من نوعٍ نادرٍ سامٍ لا يتكرر!!
ولأنّ العشق الحقيقي لا يتحقق إلا بعلاقة بين طرفين، فإنني أحملُ قضاياه الثّقيلة على كاهلي، أفتّشُ في أزمته وحلولها، في مصيره، وفي كيفية ضمان مستقبل ناجح لبقائه، أخشى عليه من العَبثِ فأكتبُ، أتألم من زهد الآخرين به فأكتب، أتحدّثُ إليه، أحاوره بصدق لأفهم قضاياه بعمق، ويبوح هو لي بكل صدق فأكتب...
عن أسرار العاشقين له، وعن الناشرين، عن الزاهدين بمحبته، الراغبين عنه، وعن الداعمين لقضيّته...
هي رحلة بين قصص مختلفة المضمون، لكنها مجتمعة على قضية واحدة، من أجل الكتاب أصوغُ قصصي، بقلبٍ مفعم بالأمل، أحاولُ طرح التساؤلات وبعض الحلول، أعيشُ في عالمه المتفرد، بين أوراقه وسطوره، فكأنني أعيشُ في جنّة أرضية، أشجارها باسقة، وأوراقها مخطوط عليها كلمات فيها سرّ الحياة...
أرجو أن تكون الرحلة ماتعة، والطقس صحواً، ليحلو بيننا اللقاء...