تفتح رواية «أمل حياة» للكاتبة رؤى الزعيم نافذة على عالم تتقاطع فيه قسوة العنف الأسري مع الفقد وتداعيات الحرب، من خلال حكاية امرأة تحاول استعادة حياتها وطفلة تجد نفسها في مواجهة مصير لم تختره. وبين التخلي والرعاية، ترسم الرواية مسارات شخصيات تكشف أن معنى الأسرة لا تصنعه صلة الدم وحدها، بل ما يحمله الإنسان من مسؤولية وقدرة على منح الآخر الأمان.
حكاية تختصر الألم والبحث عن النجاة
تدور الرواية حول امرأة تتزوج من ضرار، الرجل المدمن على شرب الكحول، لتدخل حياة زوجية يطغى عليها العنف والاستغلال والابتزاز، ويستولي الزوج خلالها على منزلها وذهبها وأموالها.
وتُرزق المرأة بطفلة تسميها «أمل»، فتغدو الابنة دافعاً إضافياً لها لمحاولة تغيير حياتها، وتقرر العودة إلى الدراسة وبناء ذاتها بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً، في خطوة تكشف رغبتها في كسر دائرة العنف واستعادة استقلالها.
لكن حياتها تنتهي إثر تفجير يقع في بدايات الثورة السورية، لتواجه أمل بعد موت والدتها واقعاً أكثر قسوة، ولا سيما مع تخلي والدها عنها، قبل أن تُفقد في تركيا.
وفي خط مقابل، يدخل الطبيب وزوجته، اللذان حرما من الإنجاب، إلى الحكاية من خلال رغبتهما في رعاية أمل، ثم يبدآن رحلة البحث عنها بعد فقدانها، لتتحول محاولة الوصول إلى الطفلة إلى أحد المحاور الأساسية التي تحمل البعد الإنساني في الرواية.
عنوان يختصر جوهر الحكاية
يستمد عنوان «أمل حياة» دلالته المباشرة من اسم الطفلة، غير أن اقتران «أمل» بـ«حياة» يمنحه معنى يتجاوز الشخصية إلى فكرة أوسع ترتبط بالنجاة والاستمرار.
ويبدو اختيار اسم «أمل» من العناصر الدالة في بناء الرواية، إذ تقع الطفلة في قلب أحداث يغلب عليها الفقد والتخلي، لكنها في الوقت نفسه تصبح سبباً في تحرك شخصيات أخرى بحثاً عنها وحمايتها، فتجتمع في اسمها هشاشة الواقع وإمكان تجاوزه.
ومن هنا لا يحضر العنوان بوصفه اسماً لشخصية فحسب، بل بوصفه مفتاحاً لقراءة العمل، إذ يضع الأمل في مواجهة الظروف التي تهدد الحياة والاستقرار.
شخصيات ترسم وجوهاً متباينة للأسرة
تؤسس شخصية المرأة الجانب الأول من الحكاية، فهي لا تظهر بوصفها ضحية للعنف فقط، بل امرأة تحاول الخروج من واقعها، ويمنح قرارها العودة إلى الدراسة وبناء ذاتها شخصيتها بعداً إيجابياً، لأنها تسعى إلى كسر دائرة التبعية وصنع مستقبل مختلف لها ولابنتها.
ولا ينتهي أثر هذه الشخصية بموتها، إذ يصبح مصير أمل امتداداً لما حاولت المرأة مقاومته وحماية ابنتها منه، لتبقى حاضرة في المسار العام للرواية حتى بعد غيابها.
أما أمل فتشكل القلب الإنساني للعمل، فهي طفلة تتحمل نتائج ظروف لم تصنعها، من فقد الأم إلى تخلي الأب ثم الضياع في تركيا. ومن خلال شخصيتها تظهر هشاشة الطفل حين يفقد مظلة الأسرة، لكنها في الوقت ذاته تصبح محوراً للرعاية والبحث، ما يجعلها نقطة التقاء بين الألم وإمكان النجاة.
وتكشف شخصية ضرار الجانب السلبي في العلاقات الأسرية، إذ لا تقتصر دلالتها على العنف والتخلي، بل تعكس كيف يمكن للأنانية والإدمان واستغلال السلطة داخل الأسرة أن تسلب الطرف الآخر استقلاله وأمانه، ثم تمتد آثار ذلك إلى الطفل نفسه.
وفي المقابل، يقدم الطبيب وزوجته نموذجاً معاكساً، فحرمانهما من الإنجاب لا يبقى تجربة شخصية مغلقة، بل يتحول إلى رغبة في منح أمل الرعاية والحماية. ومن خلال بحثهما عنها تبرز فكرة أن الأبوة والأمومة لا تتحققان بالقرابة وحدها، وإنما بالفعل والمسؤولية والاستعداد لتحمل عبء الآخر.
ويعد هذا التقابل بين ضرار من جهة، والطبيب وزوجته من جهة أخرى، من أبرز العناصر التي تحمل رسالة الرواية، لأنه يضع أمام القارئ صورتين متناقضتين لمعنى الأسرة.
بناء يعتمد تتابع الحدث
جاءت الرواية في أجزاء متتابعة من دون أن يحمل كل جزء عنواناً مستقلاً، واعتمد بناؤها على استمرار الأحداث وتسلسلها من مرحلة إلى أخرى، بحيث يتولى تطور الحكاية نفسه مهمة الانتقال بين الأجزاء.
ويمنح هذا البناء الأحداث حضوراً مركزياً، إذ تتقدم الرواية عبر سلسلة من التحولات تبدأ من العلاقة الزوجية المضطربة، ثم ولادة أمل ومحاولة المرأة تغيير حياتها، وصولاً إلى الفقد وتغير مصير الطفلة وبدء رحلة البحث عنها.
وفي حدود هذا البناء، يبدو السرد أقرب إلى الحكاية الاجتماعية الإنسانية التي تعتمد الحدث والشخصيات في نقل قضاياها، ولا سيما العنف الأسري، وفقدان الحماية، والحرمان من الإنجاب، وتأثير تداعيات الثورة السورية في مصائر الأفراد.
رسالة تقوم على المسؤولية
تطرح «أمل حياة» مفهوم الأسرة من خلال الأفعال أكثر مما تطرحه من خلال الروابط، فوجود الأب البيولوجي لا يمنح أمل الأمان حين يغيب عن دوره، بينما يتحول الطبيب وزوجته إلى مصدر محتمل للحماية رغم غياب صلة الدم.
وتكشف الرواية من خلال المرأة أيضاً أهمية امتلاك الإنسان فرصة لبناء ذاته والخروج من دائرة العنف، فيما يضع مصير أمل قضية حماية الطفل في صلب الحكاية، ولا سيما عندما يصبح الأكثر تأثراً بأخطاء الكبار وقراراتهم.
وبذلك تتشكل رسالة العمل حول المسؤولية والرعاية ورفض التخلي، مع إبقاء الأمل حاضراً بوصفه إمكاناً للنجاة لا مجرد معنى تجريدي، وهو ما يمنح عنوان الرواية وشخصيتها الرئيسية رابطاً واضحاً بين الفكرة والحدث.
لمحة عن الرواية
صدرت رواية «أمل حياة» للكاتبة رؤى الزعيم عن دار الفكر، وتقع في 129 صفحة من القطع الصغير، وتتناول في إطار اجتماعي إنساني قضايا المرأة والطفولة والأسرة والعنف والفقد، من خلال أحداث متسلسلة وشخصيات تتباين مواقفها بين التخلي والمسؤولية.