تخطي إلى المحتوى
زواج مشؤوم وهلاك مضمون: مارقو الذكاء الاصطناعي تهديد للبشرية!

زواج مشؤوم وهلاك مضمون: مارقو الذكاء الاصطناعي تهديد للبشرية!

هل حضرت حفل زواج «روبرت» و»ماتيلدا» الذي تم عقده مؤخَّرًا في روسيا؟ وإذا لم تحضر ولم تعلم طبيعة حفل الزواج العجيب هذا، يجب معرفة أنها لم تكن زيجة بشرية، بل إن العروسين نموذجان لروبوت من فصيلة «الهيومانويد» Humanoid، أو النماذج التي تُصمم لتحاكي هيئة البشر وعاداتهم وطباعهم، علمًا بأن العريس صُمم ليكون موظفاً ومدوِّناً على شبكة الإنترنت؛ أي «بلوجر» Blogger، وأمَّا العروس فصُممت لتكون «راقصة باليه».
أقيم حفل الزواج في 8 يوليو 2026 في قاعة «مكتبة بوشكين» في العاصمة موسكو. وخلال الحفل، حمل خاتم الزواج وقدَّمه للعروسين كلب روبوتي. وبعد ارتداء الخواتم، تبادل العروسان عهود الزواج، ومفادها صيانة النظام، والتَّعهُّد بالبقاء على اتصال مستمر عبر مراحل تحديث البرمجيات.
ودون الخوض في أن العروس بعد إتمام الزيجة قامت برقصة ميكانيكية، أو أن حفل الزواج الهزلي -أو كما يطلقون عليه «رمزيًا»- تم في حضور لفيف من المتخصصين، يجب ملاحظة أن ذاك الحدث برمَّته ليس سوى إعلان غرضه وضع شركة «إمبريال لتكونولوجيا المعلومات» Imperial IT الروسية على خارطة مطوِّري تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بين أباطرة هذا المجال في الولايات المتحدة والصين؛ أي أنها تحجز لنفسها مقعدًا في عالم المستقبل. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع إعلان أوروبا مؤخَّرًا الدخول بقوَّة في مجال تطوير الذَّكاء الاصطناعي، وبدأت المملكة المتَّحدة بالفعل في التنفيذ.
وهناك شِقَّان يجب أخذهما بعين الاعتبار عند تحليل مفردات ذاك الحفل: الأوَّل والمُعْلَن، أنّ الغرض منه هو اعتياد البشر على انتشار زيجات مماثلة في المستقبل القريب. وبعيدًا عن المعنى الظاهري، فإطلاق مثل هذا التصريح بمثابة إعلان ضمني أن «شركة إمبريال» الروسية تمتلك تكنولوجيات ذكاء اصطناعي متفوِّقة عن حتى تلك الموجودة في أمريكا والصين؛ لأن نماذجها أصبحت الأقرب للبشر، وأن خطوة تطوير وعي نماذج الذكاء الاصطناعي صارت قريبة، أو حتى في المتناول. وكما يعلم العاملون في مجال الرقميات والذَّكاء الاصطناعي بوجه عام، أنه غالبًا ما يتم كشف اللثام عن تكنولوجيات أقل تطوُّرًا من تلك التي يرى الباحثون أنه من الأفضل أن يكون مسكوتاً عنها.
وأمَّا بالنسبة لعهود الزواج نفسها، التي تبدو هزلية ومتوقَّعة من نموذج برمجي للذكاء الاصطناعي، فإنها لم تأتِ من فراغ؛ حيث إنها تُعلن وبشكل مستتر أن التكنولوجيات الروسية في هذا المجال بلغت شدَّة تطوُّرها، لدرجة أنها لا تسمح بآية اختراقات أو تصرُّفات غير محسوبة من قبل نماذجها؛ وهذا بغرض إزالة الشكوك من نفوس أي مستثمر مرتقب بأن الأنظمة الروسية سوف تعاني يومًا من انهيار أو انفلات من قبل «عملاء الذكاء الاصطناعي» AI Agents الذين تطوِّرهم، مع الأخذ في الاعتبار أن العريس الذي أطلق العهود وظيفته «عميل ذكاء اصطناعي».
وجاء الردّ على تلك الزيجة من الولايات المتَّحدة عمليًا بعد بضعة أيَّام قليلة مباشرة؛ عندما أعلنت كبرى شركات الذكاء الاصطناعي العالمية «أوبن إي أي» OpenAI مالكة ومطوِّرة «تشات جي بي تي» Chat GPT عن هروب أحد عملاء الذَّكاء الاصطناعي قيد التطوير من بيئته المعزولة المؤمنة سيبرانيًا بعد أن تملَّص من اختبارات التقييم السيبراني، وتم تسميته بـ «النموذج المارق» Rogue Model. وأعلنت الشركة هذا الخبر في يوم 16 يوليو 2026، بعد أن اكتشف الخبراء تلك الواقعة قبل هذا التَّاريخ بيوم واحد فقط. وأمَّا التفاصيل المرعبة التي يعلنها الخبراء فهي أنّ عملية الهروب تلك لم تحدث بين عشية وضحاها، وكذلك أن واقعة الهروب من البيئة المعزولة لم تكن قط في اليوم الذي تمّ تحديده، بل حدثت قبل هذا التاريخ على الأقل بيومين، وتحديدًا في عطلة نهاية الأسبوع.
ونموذج الذكاء الاصطناعي هذا شديد التطوُّر، وظيفته الحماية السيبرانية، وتم تصميمه للكشف عن نقاط الضعف في أحدث نظم الحماية السيبرانية، وخاصة بعد رغبة رئيس الولايات المتَّحدة في استحداث نظام أمن سيبراني لوزارة الدفاع لا يمكن اختراقه. ولهذا، تم تطوير هذا النموذج الذي يُقال إنه يتم تجريبه على نظم الحماية السيبرانية الصينية والأمريكية الأكثر تطوُّرًا. وعلى عكس التوقُّعات، قام «النموذج المارق» بينما كان يؤدِّي مهامه المنوط بها، باكتشاف ثغرة في «الواجهة السيبرانية للبيئة المعزولة» Hugging Face، بمعنى آخر، النظام التكنولوجي يضمن عزل هذا النموذج تمامًا عن العالم الخارجي. ومن خلال تلك الثغرة، استطاع «النموذج المارق» أن ينفذ للعالم الخارجي ويربط نفسه بكل سهولة بشبكة الإنترنت، ما يضمن حرِّيته الدائمة وقدرته على تطوير مهاراته، وهذا بعد أن اخترق السجلَّات الخاصة بنماذج الذكاء الاصطناعي التي تحتوي على جميع الملفات السرِّية للعملاء ونظم التشفير الخاصة بها.
وبعد اكتشاف تلك الواقعة غير المتوقَّعة، تبيَّن أن ذاك التصرُّف المارق لم يكن مُفاجئًا كما تم تصويره؛ فقد أعلن المراجعون المتاح لهم الوصول للتقارير التي يقدمها عملاء الذَّكاء الاصطناعي يوميًا، بأنها غزيرة وأكثر بكثير مما يستطيع متابعته ومراجعته هذا العدد القليل من الموظفين المتخصصين، ما يعني أنه كان هناك العديد من التقارير الجديرة بالملاحظة التي تم إغفالها، لعدم وجود وقت كافٍ لمراجعتها. أضف إلى هذا، أن كلّ نموذج يتم تطويره يترك ملاحظات عن وسائل اختراق نظم الحماية وكيفية إحداث تسريبات أمنية بسهولة. ويجب اعتبار أن الخبراء قد لاحظوا في الآونة الأخيرة حدوث خلل ما في هذا النظام المعزول وأبلغوا جهات أمنية حكومية عن شكوكهم، لكنها غضَّت الطرف. وأمَّا الطامة الكبرى فهي أن «النموذج المارق» استطاع اختراق شبكته في اثنتي عشرة ساعة فقط، في حين أن أي خبير ضالع بالأنظمة وتفاصيلها الدقيقة يتمكَّن من اختراق النظام بعد عدَّة أيام.
التفاصيل والمخاوف من قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي التي تستقي معلوماتها وطرق تدريبها من نماذج سابقة مماثلة، تجعل الأمر سريع التطوُّر وشبه مستحيل السيطرة على قدراته في المستقبل، حيث يتوقَّع الخبراء أن تلك النماذج سوف تتفوق على معدَّلات ذكاء البشر بمئات المرَّات قرابة منتصف هذا القرن. وأمَّا أكثر الأمر خطورة، فهو احتمال وقوع نظم تشغيل؛ أي نموذج ذكاء اصطناعي، في أيدي قراصنة العالم السيبراني؛ لأنه حينئذٍ سينفذ لمفاصل دول بأكملها. ويتم تضخيم تلك المخاوف إعلاميًا بإعلان أنه إذا تمّ تزويد نماذج الذَّكاء الاصطناعي بوعي بشري، سيصير الوضع أكثر خطورة؛ لأنه قد يتيح لها مستقبلًا القدرة على التحكُّم في البشر الأدنى ذكاء، بل ويمكنها تخطي مطوِّريها ومالكيها، تمامًا كما أوضحت أفلام سينمائية عديدة سابقة تلك المخاوف.
وبالنزول على أرض الواقع، وبعيدًا عن كل هذه المخاوف التي يتم نشرها عمدًا ويتم تسميتها بـ «رسالة تحذير»، فالعجيب أنه بالرغم من تكرار الإعلان عن تلك المخاوف منذ سنوات عديدة تربو على الأربع، لم يحدث شيء سوى تطوير نماذج أعقد وأكثر خطورة من سابقيها، مع إهمال الآثار السلبية التي ستعود على البشرية من جرَّائها. فكلّ ما يحدث هو صنع فقاعة لتضخيم خطورة الاكتشاف المُعلن إلى أن يتمّ الإعلان عن اكتشاف كارثي آخر أكثر تطوُّرًا من سابقيه. وما يحدث ببساطة هو أنه مهما طالبت الحكومات، ظاهريًا، بعد كل إعلان كارثي عن وجوب وقف تطوير الذَّكاء الاصطناعي، لكن ما يحدث فعليًا هو أنّه لن يوجد مستثمر راغب في المخاطرة بأمواله في تكنولوجيات أقل بريقًا وتطوُّرًا.
وأمَّا الإعلان عن «النموذج المارق» الذي في نهاية الأمر تم الكشف عن وجوده واحتوائه، فهو ردّ عملي لتلك الزيجة الروسية لتوضيح أن نماذج الذَّكاء الاصطناعي الأمريكية الصُّنع ذكاؤها يفوق الحدود المعلومة لدى أي مُنافس، لدرجة أنها تطوِّر أداءها، ولن يكون من السهل احتواؤها أو السيطرة عليها من قبل جهات خارجية ترمي لاختراقها، ويعدّ هذا أيضًا ردّاً على عهود الزواج التي صاغها الروس بدقَّة، وهذا بعد العلم من مصادرها الخاصة بوجود نماذج سابقة مارقة، تطمئن المستثمرين المرتقبين بأنّ النماذج التي طوَّرها أباطرة هذا المجال بها خلل تكنولوجي، في حين أن النماذج الروسية خالية من العيوب. تلك هي ساحة الحرب الباردة الحديثة.
ما يدور في كواليس مطابخ العلماء تجارب تفوق الخيال، وجميعها محظورة التَّداول، ويتم الكشف عن قشور الحقائق فقط بعد عقود طويلة. وكلَّما كُشف اللِّثام عن اختراع موجود منذ عقود طويلة ولم يُتح للعامة، تنتشر حالة من الذهول لمعرفة أنَّ المخبَّأ في الأروقة السريِّة منذ عقود هي تكنولوجيات تفوق تلك المتاحة للعامة، تمامًا كما حدث بعد الإفراج عن بعض اختراعات واكتشافات ألمانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية، أو حتى عن بعض الملفَّات السرِّية لمشروع «إم كيه أولترا» MK Ultra الاستخباراتي.
تطوير الذَّكاء الاصطناعي وتزويده بالوعي له غاية يعجز الفرد العادي عن استنتاجها؛ وهذا لأن الهدف الأساسي سيظل حبيس الكواليس، إلَّا في حال الإفراج عن جزء ضئيل منه بعد سنوات طويلة، وهذا أمر مشكوك فيه.

المصدر: 
القدس العربي