تخطي إلى المحتوى
عام على زلزال شباط المدمر..نظام إنذار مبكر طبيعي.. كيف استشعرت الحيوانات في سوريا الزلزال قبل حدوثه؟ عام على زلزال شباط المدمر..نظام إنذار مبكر طبيعي.. كيف استشعرت الحيوانات في سوريا الزلزال قبل حدوثه؟ > عام على زلزال شباط المدمر..نظام إنذار مبكر طبيعي.. كيف استشعرت الحيوانات في سوريا الزلزال قبل حدوثه؟

عام على زلزال شباط المدمر..نظام إنذار مبكر طبيعي.. كيف استشعرت الحيوانات في سوريا الزلزال قبل حدوثه؟

لا تكاد ذكريات ليلة الزلزال المدمر الذي ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا تفارق سكان تلك المنطقة، لكن من أغرب تلك الذكريات وأبعدها عن المأساوية هو استيقاظ بعض مربي الحيوانات في المناطق البرية خارج المدن والبلدات قبل حدوث الزلزال بفترة زمنية قصيرة ظناً منهم بأن لصوصاً قدموا لسرقة حيواناتهم، وذلك نتيجة الحركة غير الطبيعية التي أصدرتها أنواع عدة من الحيوانات.

يروي أبو محمود (60 عاماً) الذي يمتلك حظيرة لتربية الأغنام في ريف سلقين لموقع تلفزيون سوريا ما حصل في مزرعته قبل دقيقة من وقوع الزلزال المدمر في السادس من شباط 2023، عندما استيقظ على نباح كلبَيه المتواصل ظناً منه بأن لصوصاً جاؤوا لسرقة قطيع أغنامه، لكنه لم يجد شيئاً عند خروجه لتفقد المكان، كما أن الكلاب لم تهدأ عند رؤيته كعادتها، وبعد مرور أقلَّ من دقيقة حدث الزلزال.

ما رصده موقع تلفزيون سوريا لم يقتصر على حادثين أو خمسة ولم يقتصر الأمر على الكلاب فقط من الحيوانات، إذ استيقظ عبد الرؤوف قنطار على محاولة عصافيره الخروج من قفصها بشتى الوسائل.

يقول قنطار لموقع تلفزيون سوريا: أنقلُ قفص العصافير بين غرفة المعيشة نهاراً وغرفة النوم ليلاً فأصطحبه معي إلى الغرفة التي أشعل فيها التدفئة، وفي تلك الليلة كان قفص العصفور مثبتاً على الحائط فوق رأسي، كما في كل ليلة، واستيقظت على ضرب العصافير جدرانَ القفص وإصدارها أصواتاً مختلفة، وكأنها تحاول الخروج من القفص بشتى السبل، ولم أستطع فهم أسباب ذلك حتى حدث الزلزال بعد ثوانٍ معدودة.

خلال البحث استمع موقع تلفزيون سوريا إلى عدد من القصص المشابهة، كلها كانت تعبر عن دهشة رواة تلك القصص مما حدث معهم، إلا أن تلك الحوادث لم تكن مقرونة بهذا الزلزال فقط، فقد رصدت كاميرات المراقبة كلباً ينبح بشدة في تركيا قبل حدوث الزلزال قبل عام، وكلباً آخر يحاول الإفلات من الحبل المربوط فيه قبل زلزال المغرب الأخير في أيلول العام الماضي.

تعود حقيقة قدرة الحيوانات على استشعار الزلزال إلى روايات تاريخية منذ قرون قبل الميلاد، وسجلت أقدم إشارة في هذا السياق عام 373 قبل الميلاد، عندما أبلغ المؤرخ اليوناني ثوقيديدس أن الفئران والكلاب والثعابين وابن عرس هجرت مدينة هيليس في الأيام التي سبقت وقوع زلزال كارثي.

وقبل دقائق من زلزال نابولي عام 1805، بدأت الثيران والأغنام والكلاب والإوز في إجراء إشارات إنذار في تناغم تام، بينما قيل إن الخيول قد هربت في حالة ذعر شديد قبل زلزال سان فرانسيسكو عام 1906.

وثقت العديد من الدراسات السلوك الشاذ في مختلف أنواع الحيوانات التي سبقت الأحداث الزلزالية، والأنماط غير العادية من الحركة أو النطق أو التغيرات في العلامات الفسيولوجية قبل وقوع الزلزال مباشرة، إذ أفاد الصيادون في اليابان بأنهم شهدوا زيادة في النشاط السطحي بين الأسماك قبل وقوع الزلازل، في حين لاحظ العلماء تغيّرات في سلوك الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط والخيول وأنواع من الطيور.

والتقطت محطات مراقبة الزلازل المجهزة بالكاميرات وأجهزة الاستشعار لقطات مثيرة للاهتمام لحيوانات تظهر سلوكيات لا تحدثها إلا قبيل وقوع الزلزال، وكل ذلك مرتبط بالاستجابة الغريزية للحيوانات، المتمثلة في هروبها من المخاطر للحفاظ على حياتها، وقدرتها على سماع صرير الصفيحات بداية تزحزحها.

دراسات علمية

أجريت كثير من الدراسات العملية لفهم هذه الظاهرة، خاصة في اليابان، لكون المنطقة نشطة زلزالياً، وتوصلت تلك الدراسات إلى أن للحيوانات عتبة تنبيه أعلى من تلك التي يمتلكها الإنسان، ويتم تعريف عتبة التنبيه السمعية على أنها الحد الأدنى لمستوى التحفيز الذي يثير إحساساً سمعياً في جزء محدد من التجارب عند تردّد معين، حيث يمكن لكثير من الحيوانات سماع موجات صوتية أكثر حدة من تلك التي يستطيع الإنسان سماعها، وضمن مجال صوتي أوسع (يشمل أصواتاً مرتفعة ومنخفضة أكثر من تلك التي يسمعها الإنسان)، ويركز الباحثون على سماع الحيوانات للأصوات الأكثر انخفاضاً، لكونها مرتبطة بالزلازل ارتباطاً مباشراً، إذ يقاس الصوت بالديسيبل ويمثل 0 ديسيبل متوسط شدة الصوت الذي بالكاد يسمعه الإنسان الشاب؛ لذا، فإن الأصوات الهادئة جداً التي لا يستطيع البشر سماعها تُعطى تصنيفاً سلبياً بالديسيبل.

ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركي، فإن سلوك الحيوانات غير الطبيعي في الثواني التي تسبق الزلازل يفسر بالفرق بين شكلين من الموجات الزلزالية، هي:

الموجات الأولية المسماة الموجة P، وهي أولى الموجات التي تنبعث من الزلزال، وتنتقل بسرعة عدة كيلومترات في الثانية من مركز الزلزال.

والموجات الثانوية S وهي موجات أقوى من الموجات الأولية P وتنتقل بعدها بفترة زمنية قصيرة، وهي التي تهز الأرض بحركة متدحرجة.

تقول هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إن "قلة قليلة من البشر تشعر بالموجة P الأصغر، التي تنتقل أسرع من مصدر الزلزال وتصل قبل الموجة S الأكبر، لكن يمكن للعديد من الحيوانات التي تتمتع بحواسّ أكثر حدة أن تشعر بالموجة P قبل ثوانٍ من وصول الموجة S".

وهو ما يفسر السلوك الحيواني غير المعتاد قبل ثوانٍ من شعور الإنسان بالزلزال، والذي يمكن وصفه بردّ الفعل، أيضاً وهو ما يمكن أن يفسر قدرة الكلاب على التنبؤ بوصول شخص ما إلى باب منزلك بسبب قدرتها على اكتشاف صوت السيارة قبل أن تتمكن من سماعه، وليس بسبب تمتعها بأي حاسة سادسة، أو موهبة خاصة أخرى.

الحيوانات البرية أكثر قدرة على استشعار الزلازل

دراسات أخرى أكدت نتائجها على قدرة الحيوانات البرية على التنبؤ بالزلازل قبل بضعة أسابيع من وقوعها، وهو ما فسره العلماء براحة عتبتها السمعية، إذ إنَّ مصادر الضوضاء اليومية التي نسمعها في حياتنا اليومية تؤثر سلباً على عتبة التنبيه لدى الحيوانات، وتسبب لها انزعاجاً كبيراً، كأصوات التلفاز أو مكنسة الكهرباء أو حتى أصوات السيارات في الشوارع، لأنها تبدو أعلى للحيوانات من البشر.

وبحسب الدراسات فإن الحيوانات تمتلك استجابة غريزية للهرب من الزلازل متماشية مع شدة التنبيه لديها، والتي وصفها الباحثون بسلوكيات "الإنذار المبكر"، إذ إن سلائف الحيوانات قبل آلاف السنين أظهرت سلوكيات إنذار مبكر سبقت الزلازل بأسابيع وأيام، وليس بدقائق قصيرة وثوانٍ كما هو الحال مع الحيوانات اليوم.

واستندت تلك الدراسات إلى روايات عدة كرواية هروب الحيوانات قبل أيام من وقوع زلزال اليونان عام 373 قبل الميلاد، ودراسات حديثة أجريت على الحيوانات البرية، حيث أجرت عالمة بيئة في جامعة لندن دراسة بيولوجية لأنماط حركة الحيوانات باستخدام كاميرات تعمل بالحركة داخل حديقة ياناشاغا الوطنية في جبال الأنديز في بيرو على مدى فترة شملت زلزال كونتامانا الذي بلغت قوته 7.0 درجات في عام 2011.

وقالت العالمة في بحثها الصادر عام 2015: "بدأ عدد الحيوانات المسجلة على الكاميرات بالانخفاض قبل 23 يوماً تقريباً من الزلزال – مع تسارع الانخفاض قبل ثمانية أيام من الزلزال. وفي اليوم العاشر والسادس والخامس والثالث والثاني قبل الزلزال – وفي يوم الزلزال نفسه – لم تُسجل أي تحركات للحيوانات، وهو أمر غير معتاد للغاية".

وبحسب الدراسات فإن أموراً أخرى تشعر بها الحيوانات البرية كتغيرات المياه الجوفية، وخروج غاز أول أكسيد الكربون الناجمة عن انضغاط الصخور في باطن الأرض، وتأيّن جزيئات الهواء بفعل خروج الشحنات من باطن الأرض، وحدوث اضطرابات كهرومغناطيسية في الغلاف الجوي قبل الزلازل يمكن أن تكون علامة تحذير على الزلازل الوشيكة التي قد تستشعرها الحيوانات.

بعيداً عن تعقيد الدراسات العملية يمكننا القول إن كثيراً من الحيوانات وخاصة الكلاب تستطيع سماع الأصوات المرافقة للزلازل قبل حدوثها، فهي تسمع الأصوات الخافتة الناجمة عن تحرك وانضغاط الصخور في باطن الأرض، وتظهر استجابة غريزية للهرب والتنبيه، قبل أن تصل حركة الصخور إلى القشرة الأرضية ويلاحظ الإنسان حركتها.

بالعودة إلى الحاج أبي محمود في ريف سلقين، يقول إنه تنبّه لمعظم الهزات الارتدادية التي حصلت بعد الزلزال، بناءً على الحركة غير الطبيعية التي أظهرتها كلابه قبل حدوثها، من نباح الكلاب ودورانها حول نفسها بطريقة هستيرية غير منتظمة، والتي كررتها نفسها قبل كل هزة ارتدادية.

هل يمكننا تربية حيوان في المنزل كمنبه للزلازل قبل حدوثها؟ 

تتشعب الدراسات وتغوص في تفاصيل كثيرة تتعلق بنوع الحيوان المدروس، وحجم رأسه وشكل أذنيه والبيئة التي يعيش فيها، لكن جميع الدراسات تؤكد أن الكلاب هي أكثر الحيوانات استشعاراً بالزلازل قبل حدوثها، لكن معظم من يعيش في شقة ضمن مدينة لن يستطيع تربية كلب في شقته، مما يعني خروج أكثر أدوات الاستشعار بالزلازل من دائرة اهتماماتها في البحث عن مستشعر للزلازل.

بالطبع فكرة تربية قطة ستكون أبرز ما يدور في ذهنك كقارئ الآن، لكن المؤسف أن الدراسات العملية أظهرت ضعف القطط في الاستشعار بالزلازل قبل حدوثها.

إذن تنحصر الخيارات أكثر في العصافير، وتلك فكرة جيدة خاصة إن كان المربّي ليس من أصحاب النوم العميق، أولئك الذين يطرق باب منزلهم كثيراً من دون أن يشعروا بذلك.

 

لكن هل تربية العصفور في قفص فكرة سهلة التطبيق؟ تقول الدراسات إن تربية عصفور داخل قفص كمستشعر للزلازل قبل حدوثها تتطلب شروطاً خاصة، فيجب إبعاد العصافير عن مصادر الضجيج المستمرة، ولذلك يجب عدم وضع العصفور في غرفة المعيشة التي نشغل التلفاز فيها لساعات، وعدم وضعه في غرفة مطلّة على سوق مزدحم، فمصادر الضجيج المستمرة يمكن أن تؤثر على عتبة التنبيه التي يمتلكها العصفور وتضعف قدرته على سماع الموجات الصوتية العالية النبرة.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالدراسات تقول إن الحيوانات المصابة بالشيخوخة تفقد كثيراً من قدراتها السمعية المتطورة أيضاً، لذا يجب عليك البحث عن عصفور فتيّ لتربيته في منزلك، بعد أن تؤمّن له كلَّ وسائل الراحة.

المصدر: 
التلفزيون السوري