يأتي كتاب (ابن أبي الحديد والنحو) للأستاذ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي أستاذ النحو العربي في جامعة نزوى، والصادر حديثًا عن دار الفكر بدمشق، بوصفه إضافة نوعية إلى الدراسات اللغوية المعاصرة، ليس لأنه يتناول أحد أبرز شراح نهج البلاغة فحسب، بل لأنه يعيد النظر في الطريقة التي نقرأ بها التراث النحوي العربي، فالكتاب لا ينشغل بتتبع الآراء النحوية المتناثرة في شرح ابن أبي الحديد أو تصنيفها ضمن المذاهب المعروفة، بقدر ما يسعى إلى الكشف عن رؤية أوسع للغة والنص والمعنى.
ينطلق الزبيدي من ملاحظة أساسية مفادها أنّ كثيرًا من الدراسات السابقة بقيت أسيرة النحو التقليدي القائم على الإعراب وحدود الجملة، بينما تكشف قراءة ابن أبي الحديد عن وعي لغوي يتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته اليوم بـ(نحو النص)، ومن هنا تتجلى أهمية الكتاب في انتقاله من التعامل مع النحو بوصفه مجموعة قواعد إلى النظر إليه باعتباره أداة لفهم الخطاب واستكشاف دلالاته.
ويبرز المؤلف أن ابن أبي الحديد لم يكن منحازًا بصورة مطلقة إلى المدرسة البصرية أو الكوفية، بل كان ينتقي من آراء المدرستين ما يخدم المعنى ويعزز فهم النص، وهذه المرونة الفكرية تكشف عن عقلية موسوعية لا ترى في النحو غاية مستقلة، وإنما وسيلة لإضاءة المقاصد وكشف العلاقات الخفية بين الألفاظ والسياقات، ولا تتوقف الدراسة عند الجانب النحوي، بل تمتد إلى المستويات البلاغية والدلالية في شرح نهج البلاغة، فالزبيدي يرصد اهتمام ابن أبي الحديد بفصاحة المفردة وجمال التركيب وطرائق التأثير في المتلقي، مبيّنًا أن السجع والكناية والمقابلة وسائر الأدوات البلاغية لم تكن عنده مجرد زينة أسلوبية، بل عناصر فاعلة في إنتاج المعنى وتوجيه القراءة، ومن المحاور اللافتة في الكتاب معالجته لظاهرة التناص، حيث يتتبع حضور القرآن الكريم والحديث النبوي وأمثال العرب في نصوص نهج البلاغة، مظهرًا كيف تتداخل هذه المرجعيات لتوسيع أفق الدلالة وإثراء التجربة النصية. كما يسعى المؤلف إلى تأصيل كثير من مفاهيم القراءة النصية الحديثة داخل التراث العربي نفسه، مؤكدًا أن علماء العربية القدماء امتلكوا وعيًا متقدّمًا بوحدة النص وعلاقاته الداخلية قبل ظهور النظريات اللسانية المعاصرة بقرون.
في المحصلة، يقدّم الدكتور سعيد جاسم الزبيدي عملًا يتجاوز حدود الدراسة النحوية التقليدية إلى قراءة نقدية شاملة تعيد الاعتبار للنحو بوصفه علمًا للمعنى والتأويل، ومن هذه الزاوية لا يكتفي الكتاب بإعادة تقديم ابن أبي الحديد، بل يفتح بابًا جديدًا للتفكير في طبيعة النص العربي وآليات قراءته وفهمه.