توظف الكاتبة ريمه الشعال في روايتها «البيدق الذي أصبح وزيراً» لعبة الشطرنج لبناء حكاية موجهة إلى اليافعين، تتناول الإرادة والصداقة والثقة بالنفس، وتربط بين حركة القطع فوق الرقعة، وما يواجهه الإنسان من تحديات وخيارات قد تغير مسار حياته.
وقالت الشعال في تصريح لـ سانا الثقافية: إن الرواية انطلقت من إيمانها بأن اليافع يستحق أعمالاً تحترم عقله وتتناول قضاياه بلغته، بعيداً عن الوعظ والتلقين، مشيرةً إلى أنها سعت إلى الجمع بين الحكاية المشوقة والموضوعات النفسية والاجتماعية والمعرفية.
مضمون الرواية
تتابع الرواية مساري اليافعين همّام وخليل، اللذين ينتمي كل منهما إلى بيئة مختلفة، ويواجهان تحديات نفسية واجتماعية تدفعهما إلى البحث عن الأمان وإثبات الذات وتجاوز الخوف.
ويبرز همّام، وهو فاقد للبصر، بوصفه شخصية تمتلك الإرادة والأمل وقوة البصيرة، فيما يخوض خليل تجربة مغايرة تكشف أثر الظروف الأسرية والنفسية في تكوين شخصية اليافع ونظرته إلى ذاته.
ومن خلال الشخصيات والأحداث، تتناول الرواية الصداقة والتنمر ودوافعه، والذكاء العاطفي، والتحديات التي يواجهها فاقدو البصر، إضافة إلى اضطراب ما بعد الصدمة ونوبات الهلع وتأثير الطلاق في الأبناء، كما تفتح نافذة على عالم المناظرات والتراث العربي.
دلالة العنوان والنقلات
يحمل عنوان الرواية دلالتها الأساسية، فالبيدق يبدأ مباراة الشطرنج محدود الحركة والتأثير، لكنه يستطيع عند بلوغه نهاية الرقعة أن يتحول إلى وزير، بما يرمز إلى قدرة الإنسان على تجاوز نقطة البداية وصناعة تحوله.
وأوضحت الشعال أن اختيار العنوان ارتبط بإعجابها، منذ محاولاتها الأولى للعب الشطرنج، بفكرة تحول البيدق إلى وزير رغم صعوبة الطريق وكثرة العقبات.
وأضافت: إن هذه الفكرة انعكست في رحلة همّام وخليل، وانتقالهما من بيدق إلى وزير، ومن العتمة إلى النور، ومن الضيق إلى البراح حيث لا تعني القوة السيطرة على الآخرين، بل فهم الذات والتصالح مع الظروف وتحويل الضعف إلى دافع للاستمرار.
وقسمت الكاتبة الرواية إلى أجزاء حملت عناوين مرتبطة بمفهوم «النقلة»، لتبدو الفصول خطوات متتابعة في مباراة شطرنج، تحرك الأحداث وتكشف في الوقت نفسه ما يطرأ على الشخصيات من تحولات داخلية.
وبينت الشعال أن المصطلح استخدم بصورة فعلية ومجازية، بحيث يعكس كل فصل مرحلة من شطرنج الحياة الذي يخوضه همّام وخليل، وتترك فيه كل تجربة وقرار أثرهما في مسار الحكاية.
الشخصيات ومساراتها
تبني الرواية شخصياتها ضمن مسارات مختلفة، لكنها تجمع بينها في مواجهة الخوف والضغوط النفسية والاجتماعية، فتتحول من كونها نماذج ثابتة، لتصبح محركة للأحداث وتتعلم من تجاربها، ويصبح همّام وهو الشخصية الرئيسية في الرواية، شخصية فاعلة تمتلك أحلامها وقراراتها، وتقوم تجربته على مفارقة بين فقدان البصر وامتلاك البصيرة والحكمة.
وأشارت الشعال إلى أن بناء هذه الشخصية استلهم نماذج من الحياة الواقعية، لم يكن فقدان البصر أو غيره من التحديات عائقاً أمام إرادتها ورغبتها في تحقيق أحلامها.
ويمثل خليل مساراً موازياً لهمّام، ينطلق من ظروف مختلفة، ويكشف أن الضعف قد يكون داخلياً وناتجاً عن الخوف أو الصدمات وتراجع الثقة بالنفس، فيما تسهم الشخصيات المحيطة بهما في إظهار أثر الأسرة والمجتمع والصداقة والتنمر في حياة اليافعين.
الشطرنج واللغة والرسالة
لعبة الشطرنج في الرواية تحولت من كونها عنصراً زخرفياً، إلى الدخول في بناء الأحداث والفصول والشخصيات، وتتيح للكاتبة التعبير عن مفاهيم التخطيط والصبر والتضحية وتوقع الاحتمالات.
وترى الشعال أن نقلة واحدة قد تغير نتيجة المباراة، مثلما يستطيع حدث واحد قلب حياة الإنسان، وأن خسارة بعض القطع لا تعني نهاية اللعبة ما دام في الإمكان إعادة ترتيب الخطط.
وتعتمد الرواية لغة واضحة وحواراً قريباً من القارئ اليافع، مع تقديم معلومات عن الشطرنج وقوانينه وبطولاته ضمن السياق السردي، في محاولة للجمع بين المعرفة والمتعة من دون تقديم أفكار مباشرة أو أحكام جاهزة.
وتتمثل رسالة العمل في أن الإنسان لا يبقى أسير الظروف أو موقع البداية، وأن الصداقة والثقة بالنفس والوعي والصبر تمنحه القدرة على مواجهة أزماته وصناعة تحوله، كما تدعو الرواية إلى تجاوز النظرة النمطية إلى الأشخاص ذوي الإعاقة.
لمحة عن الرواية
صدرت رواية البيدق الذي أصبح وزيراً عن دار الفكر عام 2026، وتقع في 166 صفحة من القطع الصغير، وهي موجهة إلى فئة اليافعين، وتجمع بين السرد الأدبي والمعرفة، مستفيدة من رموز الشطرنج في تقديم رحلة إنسانية عن النمو وإثبات الذات.