تخطي إلى المحتوى
روائح ونكهات: قصة كتاب طبخ سوري في القرون الوسيطة الإسلامية روائح ونكهات: قصة كتاب طبخ سوري في القرون الوسيطة الإسلامية > روائح ونكهات: قصة كتاب طبخ سوري في القرون الوسيطة الإسلامية

روائح ونكهات: قصة كتاب طبخ سوري في القرون الوسيطة الإسلامية

لم تكن كتب الطبخ في القرون الوسطى الإسلامية مجرد قوائم مكونات وتعليمات طهي، بل وثائق اجتماعية تكشف كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانوا يحتفلون، وكيف يفهمون الجسد والذوق والسلطة. وحين نعود إلى القرن الثالث عشر في سوريا الأيوبية، نجد كتابا فريدا يوثق عالما كاملا من الروائح، والطقوس، والتراتبية الاجتماعية، والذوق الحضري، وهو كتاب «الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب».
هذا الكتاب، الذي يضم أكثر من ستمئة وصفة، يحتوي على سجل لمدينتي دمشق وحلب، اللتين كانتا جزءا من شبكة إمبراطورية واسعة تمتد من فارس إلى الأناضول ومصر، خلال الفترة الأيوبية 1171ـ 1250. نقرأ فيه وصفات عن الدجاج المحشو بالفستق، واللحم المطهو بالسفرجل، والكنافة المملوحة، والجذّاب الذي يقطر عليه دهن الدجاج المشوي، كما نقرأ عن العطور المصنوعة من المسك والعنبر، ومياه الورد المقطرة، ومساحيق غسل اليدين بعد الوليمة. نحن أمام تجربة حسية كاملة، تتجاوز حدود المطبخ.

ويحسب للمؤرخ تشارلز بيري، وهو باحث ومؤرخ في تاريخ الطعام، وعرف بدراساته الغنية عن المطبخ العربي الوسيط، إعادة إحياء هذا الكتاب وإظهاره بنسخة جديدة من خلال ترجمته إلى الإنكليزية بعنوان «الروائح والنكهات: كتاب طبخ سوري». بيري فعل أكثر من ترجمة كتاب طبخ قديم، إذ حاول إدخال الكتاب ضمن عالم الطبخ في العصور الوسطى العالمية. كما قام بمقارنة عدة نسخ من المخطوطة، وتتبع تاريخ كتابتها، من خلال الاشتغال على نسخ المخطوطة لسنوات طويلة. يذكر في مقدمته، أن العرب في القرون من العاشر إلى الثالث عشر، كانوا تقريبا الوحيدين الذين يكتبون كتب طبخ منظمة، وأن هذه الكتب لم تكن هامشية، بل جزءا من ثقافة البلاط، ومن شبكة التبادل التجاري، ومن المعرفة الطبية في زمنها. وبالتالي فهو يعيد الاعتبار لفكرة أن الطهي تقاليد وفن، وأن الحضارة العربية، لم تقتصر على النصوص الفقهية أو الشعرية، بل ضمت أيضا نصوص المذاق، ولذلك يقترح إعادة قراءة تاريخ الثقافة من بوابة المطبخ.
يعتقد بيري أيضا أن كتب الطبخ في الثقافة الإسلامية ظهرت متأخرة نسبيا، بحيث لا نعثر قبل العصر الوسيط إلا على شذرات متفرقة. ومن هنا يضع أطروحته الأساسية حين يتحدث عما يشبه «انفجار عالم كتب الطبخ»، في الفضاء العربي بين القرنين العاشر والثالث عشر، حيث تحول الطهي من معرفة شفوية إلى نص مكتوب، ومن ممارسة يومية إلى معرفة مصنفة ومنظمة. في هذا السياق يظهر «الوصلة إلى الحبيب بوصفه ذروة هذا التقليد، حيث تكشف بنيته عن عقلية حضرية، ترى في المائدة نظاما اجتماعيا كاملا. فترتيب الكتاب ـ من العطور والبخور، إلى المشروبات، فالأطباق، فالحلويات، ثم طقوس التنظيف والتعطير ـ يعكس تصورا للوليمة بوصفها تمثل حدثا مركبا، تمتد فيه تجربة الطعام إلى الجسد نفسه، وتصبح الرائحة جزءا من طقس الوليمة. فنخب تلك الفترة كانوا يتعطرون قبل الإقبال على ولائم الطعام، من أجل جعل عالم الولائم أكثر جاذبية. أما صاحب الكتاب الأصلي فمجهول الاسم. لكن من خلال الإشارات الداخلية يتضح أنه عاش في سوريا الأيوبية في القرن الثالث عشر، وكان قريبا من بيوتات النخبة، ويذكر زياراته لمجالس أمراء أيوبيين. صوته في النص شخصي أحيانا، يقول عن بعض الوصفات إنها «أفضل ما يكون»، ويعترف أن أخرى أقل جودة لكنه يوردها استكمالا للفائدة. مع ذلك ربما نحن لسنا بالضرورة أمام كاتب واحد للنص، بل أمام نص صغير وعدة كتاب أو طباخين، قاموا على مرّ سنوات طويلة بتطويره، وإضافة مكونات جديدة عليه، بحيث يعبر عن تطور ثقافة البلاط الأيوبي أيضا. وغياب أسماء أو تراجم كافية عن المؤلفين، أو عدم تدوينهم لأسمائهم، ليس بالضرورة يعبر عن وجود كاتب للنص، بل قد يذكّرنا بملاحظات ميشيل فوكو حول فكرة المؤلّف، بوصفه اختراعا ظهر في القرن السابع عشر؛ وبالتالي فالعثور على نصوص كتّابها مجهولون، أو غير معروفين، في العصور الوسطى، أو الوسيطية، ناجم عن كونها نصوصا كتبت على أكثر من مرحلة؛ وجرت إضافات عليها من قبل طبّاخين آخرين أو نساخ.يحتوي «وصلة الحبيب» على عدة فصول، من بينها فصل الدجاج الذي يفتح عالما كاملا. نجد دجاجا محشوا بالفستق، وآخر بالبندق، وثالثا باللوز، ووصفات مع الرمان، أو مع عصير العنب الحامض، أو مع السفرجل، أو مع التمر الهندي، أو مع البرباريس. بعض هذه الأطباق تجمع بين اللحم والسكر وماء الورد، في توليفة تكشف أن الحدود بين الحلو والمالح لم تكن صارمة كما هي اليوم في بعض المطابخ المحلية. وفي فصل اللحوم نقرأ عن طرق متعددة لشواء الخروف، منها طريقة «إفرنجية» لتسييخه على نارين، وأخرى بدوية لدفنه في حفرة أرضية. هنا تظهر شبكة التأثيرات، واضحة من خلال أطباق فارسية، ومصرية، ومغربية، وأخرى جورجية. فالمطبخ الأيوبي كما يبدو كان مرآة لإمبراطورية متعددة الأطراف.
وفي فصل الحلويات نجد عشرات الوصفات للكنافة، والقطايف، والمشبك، ولقمة القاضي، وأصابع زينب، والبسبوسة. بعض هذه الحلويات يميز بدقة مراحل غليان السكر «حتى يصير كالعسل». هذه التفاصيل التقنية التي أشار إليها تظهر أن صانعي الحلوى في ذلك العصر، امتلكوا معرفة دقيقة بكيمياء السكر، قبل أن تقنن في أوروبا بقرون. ثم يأتي فصل المخللات، حيث نجد أكثر من سبعة أنواع من مخلل اللفت، وأنواعا من مخلل الباذنجان المحشي، ومخلل الليمون، ومخلل الزيتون، ومخلل الجوز الأخضر، بل حتى «سمك مزيّف» مصنوع من الجوز والسمسم ليحاكي طعم السمك المجفف. ولعل أهمية هذا الفصل تكمن في أنه يوضح كيف كان عالم المخلل استراتيجية يعتمدها أبناء المدن لمواجهة تقلب المواسم وضمان استمرارية الوفرة، فالمجتمعات التي تصنع المخلل تحاول تدبير فوائضها وتنظيم استهلاكها ومحاولة السيطرة على الزمن نفسه.
طعام النخبة
ما يلاحظه بيري أن الكتاب لا يمثل أطباق المجتمع بأسره، بل يمثل نخبة حضرية كانت تمتلك فائضا اقتصاديا، يسمح بتحويل الطعام إلى علامة طبقية. فكثافة استخدام الدجاج واللحم، وتعقيد الحشوات، واستعمال التوابل الغالية، كل ذلك يشير إلى مطبخ البلاط والبيوت الثرية. ويبدو أن تطور الكتابة حتى في هذا النوع من الأدب الذوقي كان أيضا وسيلة لعرض السلطة، ومسرحا لإظهار المكانة، والتراتبية الاجتماعية. كما تعكس الوصفات من خلال التوابل عالما متصلا بشبكات التجارة الكبرى. هذا التنوع لا يعد مصادفة، بل نتيجة لكون دمشق وحلب عقدتين في فضاء اقتصادي واسع. فالتوابل والسكريات والمكسرات تعد مؤشرات على حركة البضائع ورأس المال الرمزي داخل الإمبراطورية، ما يتوافق مع ملاحظات الباحثين في أنثروبولوجيا الطعام الذين يرون أن المطبخ وأطباقه من خلال مكوناته قد يتيح لنا قراءة التجارة في زمان ومكان معين، كما أنه يتيح لنا فرصة لنقرأ من خلاله حركة المدن وعادات الناس، وعالم مطبخ العامة أيضا، الذي، للاسف، تحول في سوريا هذه الأيام إلى عالم فقير، بعد أن جارت الأحداث على أهلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر: 
القدس العربي