بعد سقوط نظام الأسدين، لم يعد السؤال كيف انتهى حكم استمر أكثر من نصف قرن، بل كيف بدأ؟ كيف استطاع الأسد ـ الأب أن يجعل الجمهورية مشروعاً عائلياً يورثه لابنه بشار، وأن يرهن حياة الملايين بمصير عائلة تجلس حول مائدة واحدة؟
يصعب العثور على عمل أدبي أو سينمائي يشرح ذلك كما فعل فيلم "العراب". قد تبدو المقارنة بين آل كورليوني وآل الأسد صادمة. فالأولى عائلة خيالية تدير منظمة إجرامية، والثانية حكمت دولة. لكن المقارنة هنا ليست قانونية ولا أخلاقية، بل تتعلق ببنية السلطة نفسها. كيف تُبنى المنظومة؟ كيف يُختار الوريث؟ كيف تتحول المصاهرة إلى قرار سياسي؟ وكيف تنتهي الإمبراطوريات عندما تصبح العائلة أهم من الدولة-المنظومة؟
فيتو كورليوني في نيويورك... وحافظ الأسد في دمشق
يفتتح فرانسيس فورد كوبولا فيلمه بمشهد أصبح من أشهر مشاهد السينما. يجلس دون فيتو كورليوني في يوم زفاف ابنته، بينما يدخل الناس واحداً تلو الآخر طالبين الحماية أو العدالة أو المساعدة. لا يحمل الرجل أي صفة رسمية، ولا يشغل منصباً في الدولة، لكن الجميع يعرف أن القرار الحقيقي يصدر من هذا المكتب. لم تكن قوة فيتو كورليوني في المال وحده، بل في أنه جعل الجميع يحتاجون إليه، مركز الجاذبية.
القاضي، ورجل الأعمال، والسياسي، والشرطي، كلهم أصبحوا جزءاً من شبكة معقدة من الولاءات والمصالح، يديرها رجل واحد يجلس في منزله في لونغ آيلاند. ولم يكن منزل آل كورليوني مجرد منزل. كان مركز السلطة. فيه كانت تُعقد الاجتماعات، وتُحسم الخلافات، وتُقرر التحالفات، وتُعلن الحروب، وتحاك المؤامرات قبل أن يسمع بها أحد خارج أسوار البيت. أما المكاتب الرسمية والمحاكم والبلديات، فلم تكن سوى مسرح تتحرك عليه القرارات التي اتُخذت مسبقاً من العائلة.
فيتو كورليوني خرج من قرية هامشية في صقلية وبنى إمبراطوريته في نيويورك، بينما خرج حافظ الأسد من القرداحة في اللاذقية، وصعد عبر الجيش ليبني إمبراطورية عائلية في دمشق. بنى نموذجاً مختلفاً في الشكل، لكنه قريب في الجوهر. في الستينات كان مركز الجاذبية و"العراب" لمن هم أكثر منه رتبة ومنصبا، رتب مع "رفاقه" الانقلابات وبنى مع شقيقه رفعت، الذراع الضاربة، شجرة العائلة، قبل أن يستولي على السلطة عام 1970. لم يكن هدفه أن يصبح رئيساً فقط بل أن يمنع انفلاتها منه وسلالته. فقد عرف أن كثيرين أصبحوا رؤساء ثم أطاحت بهم الانقلابات أو الاغتيالات أو الصراعات الداخلية. لذلك لم يعمل على بناء سلطة شخص، بل على بناء منظومة تجعل بقاء الدولة أو النظام مرتبطاً ببقائه.
تُروى شهادات بأن حافظ الأسد كان يرى ابنته بشرى الأكثر ذكاء بين أبنائه، حتى إنه كان يلقبها بـ"غاندي" لقدرتها على التهدئة والإقناع. ومع ذلك، لم تكن مؤهلة عملياً لوراثة الحكم في نظام عسكري وأبوي لا يتصور السلطة إلا في يد رجل
أنشأ أجهزة أمن متعددة، وجعل كل جهاز يراقب الآخر، ومنع ظهور أي مركز قوة مستقل، وربط كبار الضباط والمسؤولين بشبكة من المصالح والولاءات الشخصية، بحيث لا يصبح أحد أقوى من "السيد الرئيس". لكن الأهم أن كثيراً من الذين عملوا مع النظام أو تعاملوا معه تحدثوا، على مر السنوات، أن القرارات الكبرى لم تكن تُصنع دائماً في مجلس الوزراء أو المؤسسات الرسمية، بل في الدائرة العائلية الضيقة. كانت الاجتماعات الرسمية كثيراً ما تأتي لتثبيت ما جرى الاتفاق عليه مسبقاً داخل منزل الأسد أو في اللقاءات العائلية المغلقة، تماماً كما كان منزل آل كورليوني في لونغ آيلاند هو المكان الذي تُصنع فيه السلطة الحقيقية، بينما تتولى المؤسسات تنفيذها. هكذا لم يكن بيت كورليوني مجرد بيت، كما لم يكن بيت الأسد مجرد منزل للرئيس. ففي الحالتين، تحول البيت إلى مؤسسة الحكم، وتحولت المؤسسات إلى أدوات لتنفيذ ما تقرره العائلة.
السلالة والرفاق
مثلما لم يحكم دون فيتو كورليوني بالعائلة وحدها، لم يحكم حافظ الأسد بالعائلة وحدها. ففي عالم "العراب"، أحاط دون فيتو نفسه برجال أصبحوا أعمدة الإمبراطورية: توم هيغن، المستشار والمحامي الذي يدير السياسة والقانون. وبيتر كليمنزا، القائد العسكري والمنفذ. وسالفاتوري تيسيو، المفاوض وصاحب النفوذ. إلى جانب رجال آخرين يديرون المال والعمليات. كانوا يتمتعون بقوة ونفوذ كبيرين، لكنهم لم يكونوا أصحاب الإمبراطورية، بل خداماً لعائلة كورليوني. قيمة كل منهم برضا "العراب" تحت سقف العائلة.
بالمثل، أحاط حافظ الأسد نفسه بقيادات نافذة في حزب "البعث" والجيش والأجهزة الأمنية. نفوذهم رهن رضا "توجيه السيد الرئيس". تولى كل منهم إدارة جانب من الدولة، بينما منح شقيقه رفعت مكانة استثنائية، فقاد "سرايا الدفاع" وتحول خلال السبعينات إلى أقوى أركان النظام العسكرية وأكثرها نفوذاً، حتى بدا لكثيرين الرجل الثاني والمرشح الطبيعي لخلافة شقيقه إذا غاب، وهذا ما قاله حافظ لرفاقه "البعثيين" في 1980.
غير أن مرض "الأخ الأكبر" عام 1983 كشف حدود هذا التوازن؛ فقد اعتبر رفعت أن قوة العائلة وموقعه داخل النظام يمنحانه حق وراثة شقيقه، بينما رأت القيادات الحزبية والعسكرية والأمنية أن شرعية النظام لا تزال مرتبطة بحافظ الأسد. وبعد أن تعافى حافظ خرج مع ابنه باسل في شوارع دمشق في 1984، موجهاً رسالة مزدوجة: إلى رفعت بأن الوريث سيكون الابن لا الأخ، وإلى رفاقه في الحزب والجيش والأمن بأنهم، مهما بلغت قوتهم، ليسوا أصحاب القرار في اختيار الخليفة. حتى حين غضب الرئيس من شقيقه، فان "كلمة السر" جاءت من الأم لحل "خلاف عائلي". أبعد حافظ شقيقه الأصغر رفعت ووفر له الكثير من الأموال للعيش في المنفى، لكنه لم يجرده من منصبه كنائب للرئيس، كي يبقى رادعا لـ "الرفاق" الى حين ترتب أمور الخلافة. بقي نائبا للرئيس في منفاه الى ان حين توريث الكرسي. في 2000 أصدر بشار قرارا باعتقال عمه اذا عاد وفي 2021 سمح له بالعودة.
الوريث الذي كان الجميع ينتظره
خيط الوراثة تغير وتنقل كثيرا. حتى داخل العائلة، لم يكن اختيار الوريث قائماً دائماً على الكفاءة وحدها. تُروى شهادات بأن حافظ الأسد كان يرى ابنته بشرى الأكثر ذكاء بين أبنائه، حتى إنه كان يلقبها بـ"غاندي سوريا" تيمنا بأنديرا غاندي الهندية. ومع ذلك، لم تكن مؤهلة عملياً لوراثة الحكم في نظام عسكري وأبوي لا يتصور السلطة إلا في يد رجل. وهنا يظهر تقاطع مع "العراب". فابنة الدون قد تكون الأقرب إلى فهم العائلة والأقدر على قراءة توازناتها، لكنها تبقى خارج خط الخلافة الذي ينتقل بين الأبناء الذكور.
موت ساني صنع مايكل. وموت باسل صنع بشار. عندما قُتل ساني، لم يسمح فيتو كورليوني لحزن الأب بأن يهدم سلطة الدون. تلقى الخبر بصمت. وبعد الدفن، انتقل إلى حماية مايكل وإعادة ترتيب الخلافة
في الحالتين، لم تحسم مسألة الوراثة الكفاءةُ وحدها، بل حسمتها قواعد العائلة غير المكتوبة، قواعد تضع المرأة في قلب البيت، لكنها تُبعدها عن رأس الإمبراطورية. في "العراب"، لم يكن أحد يشك في هوية الوريث. كان ساني كورليوني هو الابن الأكبر، والجميع يتحدث إليه باعتباره الرئيس القادم للعائلة.
منذ منتصف الثمانينات، بدأ اسم باسل الأسد يبرز بوصفه الوريث الطبيعي لوالده. امتلأت المدن بصور "الرائد الفارس المظلي" ، وازداد حضوره في الجيش والحرس الجمهوري، وتعامل الإعلام الرسمي معه باعتباره مستقبل البلاد. كانت الجمهورية كلها تتصرف كما لو أن انتقال السلطة أصبح مجرد مسألة وقت. وكان باسل يشبه ساني في أكثر من جانب. شخصية قوية، حضور طاغٍ، ثقة بالنفس، وقرب شديد من الأب. لكن التاريخ كان يخبئ للرجلين المصير نفسه.
من أكثر مشاهد "العراب" قسوة، مشهد اغتيال ساني كورليوني. يخرج مسرعاً بعدما علم أن شقيقته كوني تتعرض للضرب من زوجها كارلو ريتزي. لا يفكر ولا يخطط، بل يقود سيارته بكل غضبه، ليقع في الكمين الذي ينهي حياته خلال ثوانٍ. لم يمت ساني فقط، بل مات الوريث. ومنذ تلك اللحظة، تغيرت الرواية كلها.
وفي دمشق، لم يكن هناك كمين ولا رصاص، بل صباح 21 يناير (كانون الثاني) 1994، حين كان باسل الأسد يقود سيارته على طريق مطار دمشق. في دقائق معدودة، انهار مشروع الخلافة الذي عمل حافظ الأسد سنوات طويلة على بنائه. لم يخسر ابناً فقط، بل خسر مشروع "الجملوكية" التي كان يعدها لابنه. وبقيت الروايات الشفوية متداولة حول أسباب حادثة السير التي أودت بحياة "الرئيس المقبل".
موت ساني صنع مايكل. وموت باسل صنع بشار. عندما قُتل ساني، لم يسمح فيتو كورليوني لحزن الأب بأن يهدم سلطة الدون. تلقى الخبر بصمت. وبعد الدفن، انتقل إلى حماية مايكل وإعادة ترتيب الخلافة.
لم يُخلق مايكل ليكون زعيم المافيا. ولم يُعدّ بشار ليكون وريث "الجملوكية". لكن القدر، في القصتين، كان أقوى من الرغبات الشخصية
وبعد عقود، واجه حافظ الأسد مأساة مشابهة عندما مات باسل، ابنه المفضل ووريثه المُعدّ. صُنعت لباسل بعد موته صورة "الفارس الذهبي"، لكن حافظ، مثل دون فيتو، لم يتوقف عند الفاجعة. أخفى انكساره واستدعى بشار من لندن، ثم أعاد بناء مشروع التوريث حول الابن الذي لم يكن معدّاً للحكم.
في الحالتين، مات الابن الأكبر ومعه الخطة الأصلية، لكن الأب حوّل الحداد إلى عملية سياسية لحماية العائلة وضمان الاستمرارية. هكذا فكر دون فيتو وهو يرثي مشروعا بناه لبقاء إمبراطوريته. وهكذا فكر حافظ وهو يدفن خليفته في مسقط رأسه. لا مكان للنحيب. الأولوية لاستمرارية السلاله. ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.